من أقوال الصحف العالمية
ترجمة
وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي
mehegazi@yahoo.com
نشرت
جريدة إنديبندنت Independent الإنجليزية في 25/1/2002 تعليقا بقلم روبرت فسك على عملية اغتيال
الموساد الإسرائيلي للسفاح إلياس
حبيقة تحت عنوان " نسف من كان سيشهد ضد شارون" قال فيه:
(من
ذا الذي يمكن أن يود قتل شاهد الاتهام الرئيسي في قضية جرائم الحرب ضد رئيس
الوزراء الإسرائيلي أريل شارون؟ لماذا يريد أي مخلوق ببيروت تفخيخ سيارة الوزير
إيلي حبيقة القائد السابق لقوات المليشيا اللبنانية؟ وذلك بعد أقل من يومين من
إعلانه الموافقة على الإدلاء بالشهادة ضد السيد شارون أمام المحكمة البلجيكية التي
قد تحاكم السيد شارون لقتله 1700 مدني فلسطيني بمعسكري صابرا وشاتيلا في سبتمبر
1982 .
لن
يدلي إيلي حبيقة طبعا بالشهادة ضد السيد شارون لأن كل ما تبقى من رجل لبنان الذي
حظي بأكبر حظ من الكراهية لا يزيد عن أشلاء وبضعة عظام سودتها النار مبعثرة على
بعد 50 مترا من سيارته "اللاندروفر" المحترقة.
يمكن
أن تسمي ذلك "القتل المستهدف "targeted killingومن قبيل الصدفة أن
هذا هو نفس المصطلح الذي تطلقه فرق الموت الإسرائيلية على عمليات إعدامها
للمناضلين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. لقد مات ذلك الرجل الذي قاد سفاحيه
بتعليمات إسرائيلية إلى معسكرات الفلسطينيين منذ 19 عام، وفرح لموته ملايين
الفلسطينيين، فقد تعالى صياحهم بالأمس في برج البراجنه "لم نضيع دماءنا
هباء".
حينما
وصلت حي "الحزمية" المسيحي المزدحم ببيروت بعد دقائق لم يكن قد تبقى سوى
سيارة حبيقة "اللاندروفر" المبعثرة والسيارة المرسيدس التي وضعت بها
القنبلة والنار متأججة بها وبعض الهياكل العظمية المتفحمة. لابد لمثل تلك العملية
من أربعة أشخاص على الأقل، واحد يقف على بعد 100 متر خارج المنزل لكي يعطي الإشارة
وآخر لكي يحرس القنبلة واثنان يكون لهما "خط النظر " line of sight وضغط زر التفجير.
بعد
ساعات عبر المحامون البلجيكيون المكلفون بإعداد اتهام السيد شارون عن صدمتهم
الشديدة لاغتيال حبيقة، وكان الدفاع الإسرائيلي قد فرغ لتوه من سرد أسباب اعتراضه
على انعقاد المحاكمة يوم الأربعاء. وأصدر المحامون بيانا قالوا فيه " لقد عبر
السيد حبيقة عدة مرات عن رغبته في مساعدة التحقيق البلجيكي في مذابح صبرا وشاتيلا،
وقد ذاعت أنباء إصراره على ذلك ليلة اغتياله. إن استئصال المؤيد الرئيسي الذي عرض
المساعدة في التحقيق يعد محاولة واضحة لتقويض قضيتنا."
لم
أجد لبنانيا واحدا لا يعتقد بأن إسرائيل وراء هذه العملية لأنه من الصعب على رجال
مليشيا حزب الله أو عملاء سوريا إقامة مثل هذا الفخ القاتل في هذه المنطقة من شرق
بيروت المسيحية. وقد تمتم أحد رجال البوليس" انتظر لترى من سيقتل في المرة
القادمة، سوف يسعى أقاربه للثأر وسيكون بإمكانهم معرفة القتلة."
قام
حبيقة قبل يومين من قتله - في الخامسة مساء الثلاثاء على وجه التحديد - بمقابلة
عضوين بمجلس الشيوخ البلجيكي هما جوسي دوبيJosy Dubie وفنسنت فان كويكنبورن Vincent van Quickenborne بشرق بيروت ووافق على أن يكون شاهدا بأي محاكمة خاصة بمذابح صابرا
وشاتيلا. كان المفروض أن يكون الاجتماع سريا وقيل أن حبيقة قد أخطرهما بأنه تلقى
تهديدات بالقتل، لكن الخبر تم تسريبه للصحافة اللبنانية وربما أن ذلك كان بمثابة
شهادة وفاة حبيقة.)
يستمر
المقال شارحا ظروف اغتيال حبيقة وثلاثة من حرسه الخاص كانوا معه بالسيارة وأقوال
الشهود من الجيران الذين زلزلت قوة الانفجار مساكنهم.
كانت
افتتاحية واشنطون بوست Washington Post يوم 28/1/2002 بعنوان "حصار رام
الله" ، بدأت بقولها:
(
قامت الإدارة الأمريكية فعليا بالانضمام إلى محاصرة ياسر عرفات، الذي أحاطت القوات
والدبابات الإسرائيلية بمقره الرئيسي في رام الله منذ أسابيع. أيد الرئيس بوش ذلك
الحصار في تصريح له يوم الجمعة انتقد فيه السيد عرفات بشدة. وقد أوضح المساعدون أن
الأيام القادمة قد تأتي بإجراءات أمريكية أكثر حدة ربما شملت وقف العلاقات مع
الرئيس الفلسطيني. يقول كل من إسرائيل والولايات المتحدة أنهما تحاولان إرغام
السيد عرفات على اتخاذ خطوات حاسمة ضد الإرهابيين الفلسطينيين وضد المتشددين من
أعضاء حكومته الذين تآمروا لاستيراد أسلحة من إيران. لكن الحكومة الإسرائيلية سوف
تكون سعيدة إذا ما أدت تلك المواجهة إلى سقوط السيد عرفات وسلطته الفلسطينية. وعلى
إدارة بوش أن تكون حذرة في تقييمها لمثل تلك النتيجة وهل هي في صالح الولايات
المتحدة. )
يمضي
المقال إلى شرح كيف أن السيد عرفات نجا في الماضي في إفشال حصار إريل شارون له في
بيروت عام 1982 وكيف أن ذلك يمكن أن يتكرر بتدخل دولي ضد التدخل الإسرائيلي
المفرط، لولا أن الولايات المتحدة تعارض التدخل الدولي وتقف إلى جانب شارون خاصة
مع استمرار عمليات "التفجيرات الانتحارية" المماثلة لما شهدته القدس
مؤخرا. وتضيف الصحيفة:
(لكن
السيد شارون يطمح إلى ما هو أبعد من ذلك فالقوات الإسرائيلية تهدف إلى تدمير
البنية التحتية لسلطة الحكم الذاتي بتجريف مطار غزة وهدم المركز الرئيسي للسلطة
باسم محاربة الإرهاب. يقول السيد شارون أنه يأمل في أن تتولى السلطة قيادة
فلسطينية أكثر اعتدالا بدلا من السيد عرفات. لكن أفعال السيد شارون لا تترك لأي سلطة
قادمة للحكم الذاتي الفرصة لبسط سيطرتها. ربما لا تجد إدارة بوش بدا من عزل السيد
عرفات بعد أن استنزفت كل الوسائل الأخرى على مدى عام، عجز هذا الفلسطيني خلاله عن
تنفيذ تعهداته. ولكن العقوبات يجب أن تستهدفه هو والإرهابيين وليس الشعب المدني
الفلسطيني. بغض النظر عما قد يحدث للسيد عرفات فإن على حكومة الولايات المتحدة أن
تسعى للحفاظ على الحكم الذاتي في غزة والضفة الغربية وعلى تلك المجموعة من
الفلسطينيين المعتدلين الذين أنشئوه منذ تسعة أعوام. لا يمكن أن يتوصل
الإسرائيليون والفلسطينيون بدون ذلك إلى التسوية السلمية بإقامة الدولتين وهو
الهدف الواضح لإدارة بوش. البديل الوحيد لذلك هو الصراع الدامي الذي يزداد يأسا.)
كلنا
نعلم طبعا أن الكلام سهل ومجاني، فوعود بوش بإقامة الدولة الفلسطينية لا تساوي
شيئا ولا تزيد عن كونها جرعة مخدرة لتسكين أحلام القادة العرب الذين يتمسكون بأي
قشة تشير إلى حسن نوايا أمريكا الصهيونية التي راهنوا عليها واستكانوا إليها.
وقد
عادت واشنطون بوست اليهودية في 30/1/2001 إلى نشر مقال لكاتبها جيم هوجلاند Jim
Hoagland بعنوان "ما بعد
عرفات" يقول فيه:
(لقد
غسل الرئيس بوش يديه من ياسر عرفات ومن أكاذيب ذلك الفلسطيني وتذبذبه وفساده، هذا
أمر مفهوم كرد فعل بشري على تاريخ عرفات الحافل بالغدر والخيانة، لكنه لا يصلح
كاستراتيجية للخروج من هذا الموقف. رفض بوش العلني الحاد لزعامة عرفات يزيد من
مسئولية الولايات المتحدة في المساعدة على إنهاء سفك الدماء الهمجي ما بين
الإسرائيليين والفلسطينيين.
تقع
على بوش الآن مسئولية أدبية وسياسية للمساعدة على إيجاد بديل للقيادة الفلسطينية
يمكن للولايات المتحدة التعامل معه لتطبيق تعهد الإدارة الأمريكية بإقامة الدولة
الفلسطينية، وإلا فإن هذا التعهد سوف ينكشف كألعوبة تهكمية فاشلة لشراء زعماء
السعودية ومصر والبلاد العربية الأخرى كما لو كان "إنرونEnron " دبلوماسية.
الكلام
الإنشائي والمخططات - فيما يتعلق بإسرائيل - لن تكفي العرب أبدا. لن يرضي الزعماء
العرب الهامين بشيء أقل من اتفاق لتسليم إسرائيل مقيدة مكممة. ساهم فشل هؤلاء
الزعماء وجرائمهم في الوصول إلى حالة من الثقافة المرضية لا يخفض من حدتها أنصاف
الحلول والخداع الذي تقوم وزارة الدولة بتوزيعه لتهدئة مخاوف وغضب زبائنها بالشرق
الأوسط.)
يمضي
المقال إلى القول بأن سنة من التفاوض الفاشل تحت الإشراف الأمريكي قد مضت وتخللتها
تنبؤات فاشلة من أعضاء الإدارة الأمريكية عن ردود فعل العرب والمسلمين تجاه
المبادرات الأمريكية في الحرب والسلام، وأن التنازل الأمريكي الهائل بتأييد إقامة
الدولة الفلسطينية الذي تم الكشف عنه تحت الضغوط العربية في سبتمبر الماضي لم
يبتاع بوش أي شيء. يمضي المقال إلى القول عن عرفات:
(لقد
انتهي أي خطر يمكن أن يشكله عرفات على المصالح الإسرائيلية، واستمراره في الحكم
يهدد المصالح الفلسطينية في المقام الأول. أوضح بوش ونائب الرئيس تشيني في تصريحات
أخيرة أن عرفات لا يمكن بحال أن يستعيد ثقة أو تعاطف أو احترام هذه الإدارة
الأمريكية.)
يمضي
المقال في "سلخ فروة" عرفات إلى أن يذكر عرضا عبارة خطيرة تؤكد ما نعرفه
جميعا من تغلغل المخابرات المركزية في كافة الحكومات العربية:
(
وضعت الإدارة الأمريكية جانبا عمليات جس النبض من بعض الفلسطينيين المعقولين
المستعدين لتحدي عرفات سياسيا إذا أمكن تنظيم انتخابات جديدة. كانوا يريدون إيماءة
غير رسمية تفيد بأن واشنطون وإسرائيل قد تسعيان لاتفاق سلام جديد في فترة ما بعد
عرفات، لكنهم لم يجدوا اهتماما. التخطيط الوحيد الواضح لتعامل واشنطون مع خلف
لعرفات تشكله روابط المخابرات المركزية الأمريكية مع قادة مليشيا عرفات.)
ويبدو
من كل ذلك أن عرفات قد انتهى عمره الافتراضي بالنسبة لوكلاء الصهيونية وأن البحث
جار عن عميل آخر ليحل محله. لعل عرفات الآن في انتظار التعليمات عن نهايته وهل
تكون بالاستقالة وترشيح عميل آخر تختاره وكالة المخابرات المركزية أم باغتياله
شخصيا. الواضح أن عرفات ليس في رعونة السادات وربما تمتد به الحياة إلى نهاية عمره
الطبيعي وأغلب الظن أنهم سوف يقيمون له تمثالا بعد قيام الدولة الفلسطينية في
المستقبل غير المنظور.
نشرت
نيويورك تايمز بتاريخ 28/1/2002 مقالا بقلم دافيد سانجر David Sanger تحت عنوان
"إعراض عن تطبيق المعاهدات القديمة في العصر الحديث" قال فيه:
(حاول
البيت الأبيض جاهدا طوال عطلة نهاية الأسبوع نفي ما قيل عن معاملة الولايات
المتحدة لأسرى حرب أفغانستان وتحويل ما يقال إلى مجرد نقاشات قانونية عسرة الفهم
بين محاميي الحكومة وأنه ليس خلافا أساسيا بين أمريكا وحلفائها أو بين وزير الدولة
كولن باول Powell Colin وغيره من قادة فريق الأمن القومي. لكن الواضح هو أن الخلاف قائم
حول أمر أعمق من مجرد المصطلحات القانونية. هناك فريق - يقوده ديك تشيني
Dick Cheney نائب
الرئيس ودونالد رمزفيلد Donald
Rumsfeld وزير الدفاع - لديه
إعراض عن التقيد بالمعاهدات الدولية العتيقة في عصر الصراعات الجديدة. ليست هذه هي
المرة الأولى التي تسبب هذه الرؤية المشاكل لكولن باول الذي يحمل مسئولية محاولة
الحفاظ على التحالف الدولي المتبرم الهش ضد الإرهاب. وقد لخص السيد تشيني موقفه
الخاص بالنسبة للمحتجزين في خليج جوانتانامو بعبارة موجزة يوم الجمعة حينما قال
لجمع في سنسناتي Cincinnati "لا يجوز أن يشعر أحد بالتعاسة أو
بأنه في موقف دفاعي فيما يتعلق بنوع المعاملة التي تلقوها" وقال أن المحتجزين
يعتنى بهم بأسلوب "يتفق" مع واجبات أمريكا طبقا لاتفاقيات جنيف الدولية.
وقد دفع السيد تشيني والمدعي العام جون أشكروفت John Ashcroft وغيرهما بأن محاربي
الطالبان والقاعدة لا يمثلون حكومة شرعية وأنهم حاربوا خارج نطاق القواعد المعترف
بها وبالتالي يجب اعتبارهم "محاربين غير شرعيينunlawful combatants " لا يستحقون الحماية الكاملة طبقا لاتفاق جنيف الشهير في
1949 المتعلق بمعاملة أسرى الحرب. وقد جاء بمذكرة كتبها ألبرت جونزالس
Albert Gonzales المستشار
القانوني للسيد بوش يوم الجمعة أن الرئيس قد وافق في بداية هذا الشهر على قرار
بتجنب تطبيق اتفاقيات جنيف حتى يحتفظ الرئيس بمرونة الحركة في إدارته للحرب. يبدو أنه كان يشير بذلك
إلى التمكن من استجواب المسجونين لفترات طويلة أملا في دفعهم إلى كشف أسرار
التنظيمات الإرهابية ، لكن ما عناه لم يكن واضحا تماما. وقد تم تسريب مذكرة السيد
جونزالس بسرعة مذهلة، وقد ورد بها أيضا التوصية برفض الطلب الغريب للوزير باول بأن
يعيد السيد بوش النظر في قراره. وقد جاهد عدد من المساعدين لمحاولة شرح هذا الخلاف
فقالوا أن الرئيس بوش قد اتخذ قراره - بأن المحتجزين ليسوا أسرى حرب - في مناقشات
غير رسمية، ومن الواضح أن ذلك كان بدون الاستشارة الكاملة لوزير الدولة الذي كان
على سفر.)
يمضي
المقال شارحا أسباب التضارب والقيل والقال لكن الواضح أن آلة اتخاذ القرار
الأمريكي يسودها اليوم يهود من طراز رمزفيلد وأشكروفت كما سادها في الماضي يهود من
طراز كسنجر وألبرايت، هؤلاء الذين لا يهدأ لهم بال إذا لم يروا العالم في حالة
صراع دائم يدفع بالبشرية إلى حافة الهاوية، بدلا من محاولة التخلي عن العجرفة
الأمريكية ومعالجة أسباب الصراع بالحسنى. يعرض المقال لأوجه الخلاف بين أمريكا
وحلفائها فيقول:
(
استدعت ألمانيا السفير الأمريكي للتعبير عن قلقها بشأن حقوق الإنسان، وقال جاك
سترو Jach Straw وزير الخارجية البريطاني أن المحتجزين البريطانيين تجب محاكمتهم
في وطنهم وليس في أمريكا حيث قد يحكم على بعضهم بالإعدام. ولعل أكثر الانتقادات
حدة كان من كريستوفر باتن Christopher
Patten نائب رئيس الوكالة
الأوربية وآخر الحكام البريطانيين في هونج كونج حيث كان دائم الانتقاد لانتهاك
الصين لحقوق الإنسان. قال باتن "إن التحالف الدولي يرتكب خطأ عظيما إذا ما
خسر السلام بعد أن كسب الحرب".)
يضيف المقال تصريح كولن باول بأن اتفاقيات
جنيف تتطلب أسلوبا سليما لتحديد وضع المحتجزين وأن على الولايات المتحدة أن تقر
بأن معاملة الأسرى يحكمها القانون الدولي وليست رغبات الإدارة الأمريكية. ويضيف
المقال أن باول قد أخطر بوش بأن الاعتراف بسيادة اتفاقيات جنيف هو خير رد على
الانتقادات الأوربية ويوفر الحماية للجنود الأمريكيين إذا وقعوا في الأسر مستقبلا.
يبدو من المقال أن كولن باول هو أشد هؤلاء الأمريكيين خبثا ودهاء فهو يغطي دناءته
بقناع زائف من الكلام المنمق، فتبدو نواياه أقل وضوحا من نوايا أشخاص مثل رمزفيلد
الذي تنضح كلماته بالصلف والوقاحة اليهودية. كولن باول ليس مشفقا على مصير الأسرى
بقدر ما هو متخوف من أن يلاقي الأسرى الأمريكان نفس المصير. إن كان باول يتحدث عن
"احتمال" وقوع الجنود الأمريكيين في الأسر مستقبلا فإنه لا يستطيع أن
ينسي أن مئات الأمريكيين المفقودين بأفغانستان ليسوا كلهم موتى ولا بد أن عشرات
منهم قد وقعوا في الأسر إذا وضعنا في الاعتبار الجبن المعروف للمحارب الأمريكي
الذي لا يمكن أن يقاتل حتى الموت، فهو إذا ما وقع في مأزق يكون سريع الاستسلام لكي
يتجنب الموت. من ناحية أخرى قد يكون كل هؤلاء المفقودين قد ماتوا لأن الطالبان
بطبيعة تحركاتهم السريعة قد لا يرغبون في إعاقة خطواتهم باصطحاب الأسرى.
أما
بوش فإنه لن يستطيع تجاهل مخاوف حلفائه وخاصة البريطانيين الذين استدرجهم ليحلوا
محله فيما عبر عنه بمصطلح "أفغانستان ما بعد الطالبان" وهي في واقع
الأمر "أفغانستان ما بعد القصف" لأن قوات الطالبان برجالها وعدتها
وعتادها ما زالت حرة الحركة في القرى وفي جوف الجبال، وحينما تأخذ حرب العصابات
الحقيقية مجراها بعد انتهاء القصف تماما سوف يكون الأسرى والقتلى من الجنود البريطانيين
الذين تحاول "سي إن إن" تسويق حسن نوايا مهمتهم في أفغانستان. عبر
المسئولون البريطانيون عن مخاوفهم إذ يبدو أنهم قد يجنون غدا ما تزرعه الرعونة
الأمريكية اليوم في جوانتانامو. يختتم المقال بشرح لحيرة بوش:
(ما
زالت آراء الرئيس بوش في طور التشكيل فهو يقول بأنه ليس لديه اعتراض على المعاهدات
الدولية طالما أنها تحمي المصالح الأمريكية وتعكس حقيقة العالم اليوم. لكن الرئيس
بوش سوف يواجه خيارا صعبا خلال يوم أو يومين. إذا استمر على طريقه الحالي فإنه
يكون قد انتقد وزير الدولة علنا ورفض آراء حلفائه الأقربين الذين سيرسل بعضهم قوات
لحفظ السلام في أفغانستان. وإذا غير السيد بوش موقفه فإنه يبدو كما لو كان قد فعل
ذلك تحت ضغط، وفي ذلك اعتراف ضمني بأنه كان متسرعا فيما أبداه.)
أما
افتتاحية واشنطون بوست في 29/1/2001 فهي تتنبأ بما سوف يقوله الرئيس بوش فيما بعد في
خطبة الرؤساء الأمريكيين التقليدية المسماة "أحوال الاتحاد
."State of the Union ليس ذلك بالمهمة
الشاقة لجريدة يهودية تعرف تماما ما سيقوله الرئيس لأن اليهود يملون عليه دوما ما
يقول. كتبت الصحيفة تحت عنوان "التمسك بالنضال":
(
تقدم خطبة أحوال الاتحاد فرصة للرئيس مساء اليوم لكي يؤكد تمسكه بالحرب على
الإرهاب. يواجه الرئيس ضغوطا لكي يبدو مهتما بعدد كبير من الأمور وعلى رأسها
الحالة الاقتصادية، وهذا أمر مشروع فالتحديات المالية طويلة الأمد التي تواجها
البلاد أمر يتطلب اهتمامه وتمسكه بحلول مشتركة بين الحزبين.) ويستمر المقال لكي
يعود من جديد إلى حديث الحرب:
(إن
السؤال الذي تلزم إجابة الرئيس عليه يتعلق بنوع الإجراء الذي تتطلبه اليوم الحرب
على الإرهاب. أكد الرئيس بعد 11 سبتمبر أن الأمر يتطلب جهدا كبيرا "فهي حرب
سوف تستغرق وقتا طويلا، وهي حرب على عدة جبهات، وهي حرب سوف تتطلب من الولايات
المتحدة استخدام نفوذها في عدد من المجالات". وقد اتخذ الرئيس بوش مسلكا
ناجحا منذ ذلك التصريح لكي يجتث جذور كل قوات الطالبان والقاعدة من أفغانستان. فقد
استخدم الضغط الدبلوماسي لتقوية معارضة باكستان للأصولية الإسلامية واستهدف المصادر
المالية للإرهاب وزاد قوة الأمن الداخلي وأرسل المستشارين العسكريين لمساعدة حكومة
الفيليبين في حربها ضد المتطرفين ذوي الصلة بالقاعدة. هناك أمور صعبة تتعلق
بالتحديات العسكرية للأنظمة الأخرى التي تأوي الإرهابيين. هناك أيضا نوعين من
الجهد امتنع عنهما السيد بوش، فهو لم يؤيد فكرة الجهد الأمريكي الكبير في المحافظة
على السلام بأفغانستان وقد رفض الموافقة على مبادرة بريطانية برفع معونة التنمية
لأفغانستان بمبلغ 50 بليون دولار سنويا.) تمضي الصحيفة إلى القول بأن تلك الزيادة
المطلوبة للمعونة تساوي كسرا ضئيلا مما تقدمه الدول الغنية كمعونة سنوية لفلاحيها
وهي معونات تزيد عن 300 بليون دولار.
ما
لم تذكره الصحيفة هو أن أمريكا أسرع إنفاقا على الهدم والدمار وأكثر تراجعا عندما
يتعلق الأمر بالبناء والإعمار. أمريكا تريد أن تهدم وأن يقوم الآخرون بأعمال
الترميم ودفع تكلفة البناء.
لم
يخيب بوش ظن واشنطون بوست فقد كشف عن وجهه الصهيوني القبيح في خطابه السنوي المسمى
"حالة الاتحاد" والذي علقت عليه كافة الجرائد العالمية لما له من أهمية
خاصة حيث يرسم الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية للعام القادم. كان أبرز ما جاء
بذلك الخطاب هو عبارة وقحة عما أسماه "محور الشر" الذي يشمل إيران
والعراق وكوريا الجنوبية. لا يجد الإنسان مخرجا لتلك الدول سوى أن تسعى فيما بينها
لإبرام معاهدة دفاع مشترك، فالاتحاد بين المستضعفين يزيدهم قوة ويرفع من خطورة
التعرض لهم بالأذى من قبل دولة إرهابية كالولايات المتحدة، هذا الاتحاد قد يدفع
بالأوربيين الواعين إلى السعي لدى الإدارة الصهيونية الأمريكية فتكف عن نشر
الإرهاب العالمي تحت ستار مقاومته. في مجال التعليق على خطبة جورج بوش الأخيرة كتبت
جريدة التلغراف Telegraph البريطانية في
31/1/2001 افتتاحية بعنوان "صعود جورج بوش":
(تطرق
جورج بوش إلى النقطة الأساسية بصورة مباشرة بقوله "أمتنا في حالة حرب
والاقتصاد في حالة هبوط والعالم المتحضر يواجه أخطارا لم يسبق لها مثيل" ثم
أضاف "ولكن حالة اتحادنا لم يسبق لها أن كانت أكثر قوة".
التفسير
الجزئي لهذا التضاد هو رد الفعل الأمريكي الشجاع لصدمة 11 سبتمبر المروعة. أثر
الرئيس في توحيد الصفوف لا يقل عن هذا أهمية ، ذلك الرئيس الذي ظلت شعبيته فوق
نسبة 80%.)
يمضي
المقال إلى سرد المناقب الوهمية للرئيس بوش وكيف أنه قد أثبت جدارة لم تكن واضحة
عند توليه الرئاسة. ثم يمتدح المقال صلابة الرئيس الذي قال بأن استمرار الحرب على
الإرهاب يجري طبقا لما تحدده "الساعة الأمريكية" وكيف أن الحرب على
الإرهاب ما زالت في بدايتها.
(وقف
الرئيس في العام الماضي أمام الكونجرس وتكلم بصفة أساسية عن الأمور الداخلية، لكنه
هذه المرة قد وضعها في المرتبة الثانية بعد الحرب على الإرهاب. شهدت الفترة ما بين
الخطبتين ركودا اقتصاديا. فتعطل عن العمل في النصف الثاني من العام الماضي 1,3
مليون فرد، وتآكل فائض الميزانية بفعل خفض الضرائب وزيادة مصروفات الدفاع والضربة
التي تلقتها الثقة التجارية في 11 سبتمبر. السيد بوش يعلم جيدا كيف أن شعبية والده
قد تلاشت بعد حرب الخليج عندما هبط الاقتصاد. لكنه مساء الثلاثاء لم يسعى لإخفاء
النمو السلبي وقام بالربط بين الانتعاش وأهمية الدفاع عن أمريكا ضد هجوم إرهابي
آخر.
كان
السيد بوش في خطابه عن حالة الاتحاد واضحا حاسما بليغا في طلبه التضحية الذاتية.
وقد أثبت بهذا العرض أنه يستحق درجة الشعبية التي نالها في الاستفتاءات.)
الواقع
أن نغمة "التضحية الذاتية" ومرادفاتها من "ربط الحزام"
وعبارات "البناء للمستقبل" كلها أمور نألفها نحن المصريين وقد سمعناها
مرارا على مدى نصف القرن الماضي وإن دلت على شيء فإنما تدل على فشل السياسات
الاقتصادية. فلعل أمريكا الصهيونية تكون في بداية طريقها إلى الانهيار الاقتصادي
بعد انهيارها الاجتماعي فيصبح تهورها الحربي صعبا ويستريح العالم من استهتارها
بالأرواح البشرية وأفعالها الصهيونية الدنيئة التي تدفع بالعالم إلى الدمار.