الجزائر :

بناء على كثبان الرمال

 

من سنن الله التي جعلها في الكون والتي لا يطرأ عليها تغيير ولا تبديل هي عملية البناء سواء تعلق الأمر ببناء مجتمع (قوي ومتماسك) أو بناء نظام أو اقتصاد إلى غير ذلك. فلا بد أن يكون البناء على أسس متينة مصداقا لقوله تعالى }أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين{ (التوبة). وهنا نتطرق إلى بناء المجتمعات والأنظمة التي توّلد الدولة القوية، فالدولة القوية التي يكتب لها أن تعمر طويلا ويعيش أفرادها في رخاء وأمن واستقرار لا بد أن ترتكز على أسس متينة أهمها إقامة العدل بين الناس والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات بما في ذلك ضمان الحريات وأن تكون السلطة مقبولة من قبل الشعب، فإذا توفر هذان الشرطان يمكن للسلطة أن تنطلق بشعبها إلى العلا وتطور أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يتماشى مع قناعات شعبها.

أما إذا كانت السلطة منبوذة من قبل شعبها وتعتمد على القوة العسكرية من أجل البقاء في السلطة ضد إرادة شعبها وإذا كانت العدالة غائبة وحل محلها الظلم والفساد والرشوة ولم تجد أغلبية الشعب من يمكنها أن تشتكي له فإنه من السخرية ـ والحال هكذا ـ أن نتكلم على إصلاحات لمختلف قطاعات الدولة. فالرئيس بوتفليقة قال في ملتقى الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا (21/01/02) أن "الجزائر ألقت أسس التجديد أي الشروع في تحديث العدالة وإعادة تنظيم بنيتها وتعريف مهامها وتجديد المنظومة التربوية والصحة والاقتصاد.." فالظاهر أن السلطة لا تفهم ( أو لا تريد أن تفهم) أن المشكلة  تكمن أساسا في أن الشعب غير راض عن السلطة بل لم يخترها أصلا وهو رافض لكيفية تسييرها لشؤون البلاد ويطالب أن تكون له الكلمة الأولى في اختيار حكومة تتولى الإصلاحات حسب ما تراها غالبية الشعب وتحت رقابة برلمان يمثل حقيقة جميع شرائح المجتمع. فلا شك أن السلطة تدرك تماما هذا الأمر وهي تريد أن تفرض على الشعب الجزائري نظاما سياسيا عن طريق الديمقراطية المزيفة والانتخابات المزورة يضمن بقاءها على سدة الحكم لأزمنة طويلة. فهي عازمة ـدون استشارة الشعب ـ على المغامرة بالبلاد والدخول في اقتصاد السوق والنظام الليبرالي وعقد اتفاقات مع مؤسسات دولية كما فعلت مع الاتحاد الأوروبي وتعتزم أن تفعل نفس الشيء مع منظمة التجارة الدولية يصعب من بعد إعادة النظر فيها، والإصلاحات التي تعتزم الشروع فيها لن تكون خير من سابقتها إن لم تكن أسوء.

وكيف يمكن لسلطة ترعى الرشوة وكل أنواع الفساد أن تقضي عليهما أو أن تفلح في الإصلاحات، فالرشوة والفساد ترعرعا في أحضان السلطة وحمايتها ولم تكن عاملا خارجيا طارئا، ولذلك فإن كان النظام صادقا في الإصلاح فليبدأ أولا بمحاربة الفساد من داخله، الشيء الذي لم ير له الشعب أية مبادرة في هذا الاتجاه. فالاحتجاجات التي تشهدها البلاد في شرقها وغربها وجنوبها ضد سياسية النظام والتي مست جميع شرائح المجتمع من جهة وتهديد السلطة للمتظاهرين والتضييق عليهم من جهة أخرى تدل دلالة واضحة أن الفجوة بين السلطة والشعب عميقة. وفي هذه الحالة فإن الإصلاحات تصبح لا معنى لها بل تصبح ضربا من العبث. فالشعب سئم من هذا النظام الذي أخفق في كل شيء وجعل البلاد حقلا لكل مغامر، فهو يريد تغيير هذا النظام سلميا على غرار بلدان المعسكر الشرقي الشيوعي التي تخلصت من أنظمتها الديكتاتورية في فترة وجيزة، وإنه لمن العبث الاعتقاد أن الشعب سيقبل أن يتولى الإصلاحات أشخاص ولغوا في الفساد. وكما قلنا في بداية المقال فأن أي بناء لا بد أن يقوم على أساس متينة كي يكون صلبا ولا يتعرض للانهيار لأول هبة ريح، والإصلاحات التي يعتزم بوتفليقة الشروع فيها في ظل سياسة الإقصاء والتهميش هي كمن يبني على كثبان الرمال ولن تزيد الأزمة إلا تعقيدا.

 

نقلا عن نشرة الرباط التي تصدرها الجبهة الاسلامية للانقاذ