انكار الامريكيين حق الفلسطينيين بالدفاع عن النفس موقف عنصري

 

بقلم : د. بشير موسي نافع

 

ليس لدي أدني معرفة بحقيقة سفينة السلاح التي وقعت في يد القوات الإسرائيلية في الثالث من كانون الثاني (يناير) في عرض البحر الأحمر، أو ما إن كانت الأسلحة والذخائر التي وجدت علي ظهر السفينة إيرانية المنشأ ومرسلة إلي السلطة الفلسطينية. ولكن لنفترض جدلاً أن النتائج التي توصلت لها أجهزة الاستخبارات الأمريكية (وهي التي فشلت في أكبر تحد لها في أيلول (سبتمبر) الماضي) بشأن السفينة هي صحيحة، أي أن السفينة مملوكة لعربي أو فلسطيني، وأن السلاح الذي كانت تحمله إيراني المصدر وأنه كان في طريقه لجهة ما في السلطة الفلسطينية. بل لنفترض ما هو أبعد من ذلك، أن السيد ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية، كان علي دراية بالعملية من أساسها أو أنه ربما كان من أمر بها. ما المشكلة في كل ذلك؟ لماذا يتلعثم المسؤولون الفلسطينيون في تعليقاتهم علي الحادث، ويبدون عجزاً وخوفاً واضحين أمام التصريحات الأمريكية المهينة لشعبهم وقيادتهم؟ ولماذا أصاب العواصم العربية كل هذا الوجوم والارتباك وكأنهم يقرون العقاب الأمريكي ـ الإسرائيلي للفلسطينيين جراء محاولتهم تهريب السلاح للدفاع عن حياتهم وحياة أبنائهم وعن مدنهم وقراهم؟

لأكثر من ثلاثة أسابيع وحادثة السفينة تتفاعل وتتسع وكأنها بقعة زيت من عار، أو خطيئة ما بعدها خطيئة.

وقد وصل الأمر إلي صدور تصريحات أمريكية متعددة من الرئيس الأمريكي، إلي مبعوثه الخاص في المنطقة إلي الناطقين باسم كل دائرة ذات علاقة بالسياسة الخارجية، تندد بعرفات وتدين علاقة السلطة الفلسطينية بالسفينة، مستخدمة عبارات غير مهذبة ولا لائقة. وقد سربت أوساط البيت الأبيض ما يشير إلي عقد اجتماعات أمريكية رفيعة المستوي للبحث في كيفية عقاب الفلسطينيين، شعباً وسلطة، علي تورطهم في محاولة تهريب السلاح والذخائر. وربما سيأتي يوم يقول فيه دارسو تاريخ هذه الحقبة من المسيرة الفلسطينية بأن السفينة إياها كانت الحجر الذي جر الرئيس الفلسطيني وسلطته في النهاية إلي قاع البحر.

إن كان للسلطة الفلسطينية علاقة ما بهذه القضية فما كان ينبغي لها الإنكار، وكان من الأجدر أن يخرج المسؤولون الفلسطينيون، بشجاعة المناضلين عن حق شعبهم، للدفاع عن هذا الدور. أما تدافع الوزراء الفلسطينيين، من رام الله إلي الدوحة إلي القاهرة، ومن الجزيرة إلي البي بي سي إلي السي إن إن، لشجب عملية السفينة ومن كانوا علي ظهرها والتغاضي عن حق المقاومة، فهو إهانة للشعب الفلسطيني، إهانة لمصداقية نضاله، وليس هناك من طائل سياسي ودبلوماسي من ورائه، لا إسرائيلياً ولا أمريكياً.

لأكثر من خمسة عشر شهراً تقوم القوات الإسرائيلية بدك المواقع والمنازل والمزارع الفلسطينية بلا توقف، وقد وظفت في هذا الهجوم الشامل والمستمر علي الشعب الفلسطيني أحدث وسائل الدمار وأكثرها بطشاً، من دبابات وطائرات ومروحيات مسلحة. مثل هذا السلاح لم ينثر من قبل ضد المدن والقري والمواقع المدنية إلا في حالات الحروب الشاملة التي استهدفت إفناء الخصم وتدمير الحياة كما كان الأمر في الحرب العالمية الثانية والحرب الفيتنامية.

وقد اتضح منذ اللحظات الأولي للمواجهة أن الجانب الفلسطيني يفتقد أدني وسائل الدفاع عن النفس، فالأسلحة الفردية نصف الآلية لا يمكن أن ترد الدبابات القابعة في قلب مدينة رام الله وعلي مرمي حجر من مقر الرئيس الفلسطيني ولا هي قادرة علي تهديد المروحيات الإسرائيلية المسلحة وطائرات الفانتوم الأمريكية. لم نشهد طوال شهور الانتفاضة الماضية أي جهد حقيقي في واشنطن لكبح جماح الحليف الإسرائيلي، أو لتذكير باراك وشارون بأن علي الدولة العبرية أن لا تستخدم أسلحة الدمار الأمريكية في الاعتداء علي المدن والأحياء والقري الفلسطينية. وبعد إشارات أمريكية خجولة في مطلع العام الماضي حول ردود الفعل الإسرائيلية الزائدة عن الحد ، تراجع الخطاب الأمريكي الرسمي إلي مستوي تبرير العنف الإسرائيلي الوحشي وإلقاء اللوم علي الجانب الفلسطيني. أن تأتي الإدارة الأمريكية اليوم لتحويل حادثة سفينة السلاح إلي قضية فاصلة في العلاقة مع السلطة الفلسطينية فليس في ذلك من جديد، طالما أن الحق الفلسطيني في المقاومة مدان من أساسه والعنف العدواني الإسرائيلي مبرر من أساسه.للفلسطينيين بالطبع الحق في محاولة تهريب السلاح، وبالذات السلاح القادر علي مواجهة أدوات العنف الإسرائيلي التي سكت ويسكت العالم عن استخدامها في سياق صراع مدني الطابع أصلاً. للفلسطينيين مثلاً الحق في تهريب القذائف المضادة للدروع بعد أن تحول استخدام الدبابات ضد المدنيين الفلسطينيين وأحيائهم السكنية إلي إجراء روتيني إسرائيلي. اتهام الفلسطينيين بالسعي إلي تصعيد المواجهة ليس اتهاماً منحازاً فحسب، بل هو اتهام عنصري أيضاً. فالإنسانية تعطي حتي الحيوانات حق الدفاع عن النفس، فلماذا يحرم الفلسطينيون من بعض هذا الحق، وتتحرك واشنطن والعواصم الغربية الأخري لمعاقبتهم علي محاولة السعي لامتلاك الحد الادني من أدواته؟ وهو ذات الموقف العنصري الذي يؤسس للهجوم والخطاب العدواني الغربي ضد إيران والعراق وباكستان. فالولايات المتحدة وحلفاؤها يدينون امتلاك الدول الإسلامية للسلاح النوعي أو سعيها لذلك، فيما يصمتون عن دول مثل الهند وإسرائيل التي تمتلك مقدرات سلاح نووي وكيمائي، كما تملك المقدرة علي إيصال هذا السلاح إلي مناطق بعيدة. من وجهة النظر الأمريكية، يعتبر السلاح النووي في يد عربية أو إسلامية خطراً علي الإنسانية وتهديداً للسلام العالمي ينبغي مواجهته بكل السبل، بما في ذلك الحرب. وهو ذات الموقف العنصري الذي صمت طويلاً عن امتلاك نظام الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا للقنبلة النووية، حتي إذا جاء أوان سقوط نظام الأقلية وتسلم الأغلبية السوداء مقاليد الحكم طلب من زعماء نظام الأقلية البيضاء تدمير مخزون السلاح النووي، وكأن القيادة الأفريقية لا تتمتع بالإحساس بالمسؤولية الذي كانت تتمتع به حفنة من القيادات العنصرية! جوهر هذه المواقف جميعاً واحد لا يتغير: أن الدفاع عن النفس هو حق مكفول لمنتدي صغير من الدول، دول تحصل علي هذا الحق بانتمائها لمجموعــة النخبة الأورو ـ أطلسية، عرقاً أو موقعاً، ودول تحصل عليه بالقوة والتصميم. والدولة العبرية هي في القلب من منتدي السيطرة هذا. وإلا كيف أمكن لبريطانيا والولايات المتحدة أن تقضيا سنوات الحرب العالمية الثانية وهما تعطيان السلاح والخبراء لقوي المقاومة الأوروبية ضد النازية ثم تجدان الآن في عملية صغيرة، محدودة، غير مضمونة النجاح أصلا، حدثاً هائلاً يستدعي إطاحة عرفات وإنهاء سلطته وإيقاع العقوبة بالوضع الفلسطيني السياسي كله؟

بيد أن الأكثر إهانة للعقل السياسي العربي وللأعراف الدولية جميعاً هو التذرع باتفاق أوسلو وربط حادثة السفينة بالتزامات السلطة تجاه تلك الاتفاقات. ليس ثمة من شك أن أوسلو فرض علي عرفات وسلطته التزامات معينة، تصب جميعاً نحو هدف حماية الأمن الإسرائيلي وتأمينه. ولكن اختراق اتفاق أوسلو قد بدأ أصلاً من الجانب الإسرائيلي، وبدأ مباشرة بعد توقيعه، ومنذ مباحثات اتفاق القاهرة الشهير الذي كان أول الاتفاقات الفرعية للإطار الأم. وطوال النصف الثاني لعقد التسعينات وحتي انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حولت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اتفاق أوسلو إلي أشلاء لا قيمة لها ولا اعتبار، اللهم إلا اعتبار قيام السلطة الفلسطينية بحماية أمن الدولة العبرية. وحتي الآن لم تنفذ الدولة العبرية إلا جزءاً من التزامات أوسلو القاضية بالانسحاب من معظم الضفة الغربية وقطاع غزة. الأوضح طبعاً هو أنه منذ انطلاق الانتفاضة لم يعد اتفاق أوسلو إلا شكلاً، فالقوات الإسرائيلية عادت بالفعل إلي احتلال ما تريد احتلاله من الضفة والقطاع وهي تجوب المدن والقري والطرق الفلسطينية كيفما يحلو لها. فهل كان ينبغي علي عرفات وسلطته تقديس أشلاء أوسلو بينما يلقي بها شارون في صندوق القمامة؟ عرفات وسلطته مدانان بالفعل، ولكن مناطق إدانتهما هو أمر مختلف تماماً عن الاتهامات الإسرائيلية والأمريكية. من وجهة نظر الشعب الفلسطيني، الشعب الذي يقف عرفات علي رأسه والذي من المفترض أن يكون مسؤولاً عن مصالحه ومسؤولاً أمامه أولاً، كان علي عرفات وسلطته أن يعملا منذ زمن بعيد من أجل توفير الحد الأدني من وسائل الدفاع عن النفس بدلاً من الانشغال ببناء أجهزة أمن عملاقة لا مهمة لها ولا تستطيع إلا تهديد أمن الفلسطينيين.

خلف ذلك كله، علي أية حال، حقيقة لا يريد الإسرائيليون ولا أصحاب القرار الأمريكي رؤيتها: أن هذا الصراع لا يمكن أن ينتهي بقهر إرادة الشعب الفلسطينية. الذين يتصدون لرشاشات الجنود الإسرائيليين وقذائف مدرعاتهم في شوارع رفح وخانيوس وجنين وطولكرم لم يكن أكثرهم قد بلغ العاشرة من عمره عندما انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولي في نهاية الثمانينات. أما عرفات، المحاصر الآن في قلب مدينة رام الله، فهو في مطلع العقد الثامن من عمره.

علي مدي مئة عام، جيل بعد جيل من الفلسطينيين يقف أمام هذا الغزو الهمجي البشع وظهره إلي الحائط، بلا تعب ولا ملل ولا انكسار. كل هذا الحصار والدمار ولم يأت فلسطيني واحد إلي عرفات ـ كما قال هو نفسه ـ يشكو من جوع أو تعب. كل من قابلوا الرئيس الفلسطيني طالبوه باستمرار المقاومة. لهذا الصراع سبيل واحد لمن يريد فعلاً نهاية له: إقرار العدل كما يراه الضمير الإنساني وعلي أساس من اعتبارات الحق والتاريخ. لا مصادرة بضع قذائف ولا تهديم بيوت السكان ولا اغتيال القادة، بل ولا حتي إزاحة ياسر عرفات ستضع نهاية لهذا الصراع. لقد جرب الفلسطينيون هذا كله وأكثر منه من قبل، ولم ينحنوا.