المواطن العربي المتردد
بقلم
: .علي حتر
تحت إلحاح الإعلام
العربي والعالمي، وبسبب شراسة العدوان الأمريكي ضد
الشعوب الشعوب وهمجيته وتفرده، وبسبب الهزائم المتتالية للنظام العربي الرسمي،
نشأت هناك فئة من المواطنين العرب، الذين تنهشهم أفكار الخضوع
والإستسلام والسقوط والقبول بالأمر الواقع، هذا الأمر الذي يحاول الحلفاء
والعملاء تصويره على أنه الأمر الوحيد الممكن تحقيقه في عالمنا
العربي، وهو يعتمد على القبول بثلاثة حتميات غير قابلة للتشكيك أو
الإهتزاز:
شرعية الكيان الصهيوني
وثبات وجوده رغم المقاومة ضراوة الهراوة الأمريكية وعدم قابليتها للفشل
وهي مستعدة للعمل لصالحه حتمية ديمومة تمزيق
الوطن العربي إلى أقطار وأقاليم، والتخطيط لربطها بالكيان الصهيوني بعلاقات أقوى
من العلاقات التي تربطها فيما بينها. (الشرق أوسطية كمثال) إنهم جميعا يقولون انه
لا يوجد بدائل أخرى في ظل العجز العربي الشعبي والرسمي..
وبالمقابل فأننا نقول
إن فكر أية مقاومة عربية يجب أن يقوم بالضرورة على رفض
كل هذه البدائل، حتى وإن بدت لنا وكأنها تسود واقعنا في مرحلة من
المراحل.أما مقاومة التطبيع بالتحديد، فإنها تلك المقاومة التي ترفض كل
هذه البدائل، ولكنها تتخصص بالتصدي لواحد منها بالتحديد،
وبشكل مركز، وهو مبدأ القبول بشرعية الكيان
الصهيوني، نتيجة لإدراك مخاطره على أمتنا، وحتى لا نتخلى
عن الأرض العربية، وحتى لا نسجل سابقة عالمية يتحول فيها المجرم إلى صاحب حق في
الإحتلال لمجرد ملكيته للقوة، ولأن مقاومته تحمي الوطن العربي من
الوصول إلى اتفاقيات حاسمة في مراحل ضعفه وانكساره، وكما يعرف كل واحد منا أن
الإتفاقيات في ظل الهزيمة لا يمكن أن تكون لصالح المهزوم.. كما أن الأرض
أصلا ليست موضوعا قابلا للتفاوض والتنازل عنه، وحتى لا ننجب جيلا قابلا بالهزيمة،
ولأسباب أخرى كثيرة يعرفها الجميع.ومن الطبيعي أن تصطدم لجان مقاومة التطبيع، بالداعين إلى نسيان
جرائم العدو الصهيوني، وقد حدث هذا قبل عام كامل
تماما، في الضربة التي وجهت إلى أولى وأهم لجان مقاومة
التطبيع في الأردن.. وهي لجنة مقاومة التطبيع النقابية.
ونحن لا نحاسب أحدا..
ولا نعاتب أحدا.. لأن حكوماتنا العربية بدون استثناء، لا تقبل عتابا
أو محاسبة من أبناء شعبها، ولكننا نقول بصوت عال دون أن ترتجف
شفاهنا خوفا أو خجلا.. لقد مر عام كامل، ومرت خلاله أحداث كبيرة في الساحة العربية والفلسطينية
التي هي ساحة عربية مصغرة.. فماذا أثبتت تلك الأحداث..؟؟
نسأل هذا السؤال دون
أن يضعف استعدادنا للتصدي للتطبيع، والتضحية بكل ما نملك من أجل مقاومته..
ونؤكد في ردنا على
السؤال، أن الأحداث قد أثبتت أن العدو الصهيوني لا يمكن أن يكون صديقا إلا لعملائه وبشكل
مرحلي فقط أي خلال خدمتهم له، وأثبتت الأحداث أيضا أنه غير
طبيعي وأنه سيبقى غير طبيعي في المنطقة، بقياداته وقواعده وكل عصاباته،
عنصري نازي همجي إرهابي قاتل عدواني سارق غشاش ماكر كاذب مناور
ومتآمر.. وغير قابل للتغير خلال مدى منظور.. وغير صالح
للتعامل معه إلا بالرفض والرفض فقط مدعوما بالمقاومة.. في كل أشكالها..
(5)
سلاح مقاومة التطبيع
وسلاح هذه المقاومة في
سنوات البيات الشتوي للجيوش العربية، وخارج الأرض المحتلة هو
المواطن العربي.. نعم المواطن العربي.. أي أنت نفسك أيها القارئ..
ولا تعتقد أنك لست سلاحا فعالا في هذه المعركة غير
المتكافئة.. ولا تقبل أن يخرجوك من كل ساحات الصراع كما
أخرجوا الأنظمة العربية..
إن أي تطبيع لا يخترق
عقل المواطن العربي البسيط، يفشل..
وعلى سبيل المثال لا
الحصر..
من أشكال التطبيع،
شراء الكماليات والمنتجات الإستهلاكية الصهيونية، أو منتجات الشركات الأمريكية
التي تساهم في رؤوس أموالها جهات صهيونية، وعملية شراء
المنتجات أساسية في صمود المعسكر الرأسمالي القائم اصلا على السوق والإستهلاك،
وكان هذا واضحا جليا في أحداث أيلول في أمريكا، حيث راح
بوش يناشد الشعب الأمريكي أن يشتري أي شيء، حتى لا
يحدث الإنهيار الإقتصادي في أمريكا..
والسؤال الذي يجب أن
يوجهه كل عربي إلى نفسه: هل هناك أية قوة في الكون، غير قوتك الذاتية أنت، تستطيع أن ترغمك على
شراء دخان أمريكي أو علكة بريطانية أوشوكولاتة صهيونية، أو أمريكية أو مشروب غازي
أو همبرغر من الشركات حتى المحلية التي تتعامل مع الكيان
الصهيوني، أو المرتبطة بشركة متعددة الجنسيات تدعم
القاتل الصهيوني في معركته ضد أهلنا؟ إلا إذا كنت تعتقد أن كل دماء شعبنا
التي تبكي عليها أنت نفسك، لا تستحق التخلي عن الإستمتاع
بلوح شوكولاتة أو رشفة كازوز.. ولا تحاول خداع نفسك أو
خداعنا، فإما أن تكون أنت ممولا للمشاريع الصهيونية، أو مساندا ولو بأضعف الإيمان
لشعبك الذي يقتل كل يوم..
وسؤال آخر: هل تستطيع
أكثر القوانين قمعا في أي بلد عربي أو إسلامي أن
تلزم مواطنا عاديا أن يشتري ملابس أمريكية أو صهيونية أو بريطانية، في
الوقت الذي تمتلئ فيه الأسواق بالصناعات العربية والإسلامية
والصديقة الأكثر جودة؟؟
هل تستطيع أية قوة في
الأرض أن تجبر مواطنا مصريا عربيا على الزواج من اسرائيلية، وهل خلت مجتمعاتنا
من النساء القادرات على فهم رجالنا؟
هل هناك أجهزة أمنية
تقف للصناعيين العرب بالمرصاد وترغمهم بالقوة على استشارة خبراء صهاينة،
والعالم مليء بكل أنواع الخبراء؟
هل هناك من يرغم أصحاب
مستشفى خاص أن يشتروا أجهزة طبية صهيونية، وهل فروق السعر بين هذه
الأجهزة والأجهزة الأخرى في العالم، تستحق أن تدفعنا للمساهمة
بتمويل الجيش الصهيوني في عمليات قتله لشعبنا، من أجل
حفنة دولارات، مع العلم أن أسعارالعلاج السائدة قادرة على استرجاع أية
فروق يدفعها المستشفى في أجهزته خلال فترة بسيطة؟
هل هناك أجهزة تنصت
واستماع في كل بيوتنا، مزروعة لمنعنا من شرح قضيتنا العادلة لأبنائنا؟
هل هناك من يستطيع أن
يمنع معلما عربيا أن يقول لطلابه أن الكيان الصهيوني لم يكن موجودا على الخرائط
عام 1948؟
وهناك الكثير من
الأسئلة التي تبرهن لك أنك أنت القادر على الحيلولة
دون نجاح التطبيع مع هذا العدو.
(6)
وإذا كنت يائسا من
الإنتصار..
وحتى إذا كنت مواطنا
محبطا يائسا من الإنتصار، وحتى إذا خدعوك وأقنعوك أن هذا الكيان أصبح
أمرا واقعا، فهل تستطيع بأي شكل من الأشكال أن تبرر تحويل
قاتلك وعدو شعبك إلى صديق؟ وهل يجب عليك أن تسامحه على كل
ما فعل ومن قتل؟ لماذا لا تبقي حالة العداء معه إلى الأبد حتى لا يقطف
ثمار عدوانه عليك وعلى أمتك؟ ما الذي يمنعك من ذلك؟
وماذا تخسر أنت على
المستوى الفردي إذا رفضت مصالحته؟
هل هناك من يرغمك على
استقبال صهيوني، يزور البتراء مثلا، بالأحضان، وهو يمد لك يدا ملطخة
بدمك ودم أهلك؟
كيف تقبل أن ترسل أحد
ابنائك مثلا إلى معسكرات بذور السلام ليعلموه أن الصهاينة اصدقاء، وهم
أنفسهم يعلمون أبناءهم أن العرب بهائم ودواب لا تستحق إلا القتل، حسب
تعاليم التلمود؟؟
كيف يمكن تبرير موقف
أي نائب أو وزير عربي، يشارك هذا العدو في احتفالاته بالإنتصار على شعب نفس هذا
النائب أو ألوزير أو حتى المواطن العادي؟
كيف يحتفل إنسان
بانتصار عدوه عليه؟ وهل هناك فعلا من يرغمه على مثل
هذه الزيارة والمشاركة؟
وبالنسبة لأصحاب رؤوس
الأموال، في العالم ستة مليارات إنسان، فهل خلت الدنيا من شركاء
محتملين لاستثماراتهم حتى لا يروا إلا الشركاء الصهاينة الذين يقتلون
شعبهم كل يوم؟ كيف يمكن تبرير ذلك؟؟
إذا كنت غير قادر على
قتال من قتل ويقتل أهلك، فقد نفهم أسباب انسحابك من
الميدان، ولكن كيف تحول من هزمك إلى صاحب وشريك وسمير وأنيس وتقبل بدخوله إلى
بيتك وتشتري منه وتزيد أرباحه التي يمول بها جيشه الذي هزمك
به؟
(7)
الخيار الأخلاقي هو
المقاطعة ورفض التطبيع..
إذا كنت تريد النضال
فناضل، وإذا كنت تخاف النضال فتوقف عنه.. ولكن لا
توقف المقاطعة.. لأنها الخيار الأخلاقي الوحيد في
حالتك..
قاطع.. وقاوم
التطبيع.. فلا توجد قوة في العالم تستطيع أن تمنعك من ذلك..
مارس المقاطعة والمقاومة حتى دون أن تعلن عن ذلك..
لأن مقاطعتك ومقاومتك للتطبيع هي الأساس، ايها المواطن العربي
العادي.. في كل مكان.. لأنك أنت السوق.. وأنت الوسط والشارع والمسجد والكنيسة
والملعب والجمهور والجندي والشرطي والمهندس والعامل والفلاح والطبيب
والمعلم والأب والأم والشاب.. أنت كل شيء.. وبدونك لا توجد أصلا
حكومات.. وبدونك لا ينجح شيء مهما فعلوا وتآمروا
لإنجاحه.. رد على قاتل أهلك، على الأقل بمقاطعته.. حتى
لا تفقد انسانيتك.