المواجهة الأمريكية مع الظاهرة الإسلامية بعد الحادي عشر من أيلول

 

بقلم : ياسر الزعاترة

 

قبل نصف قرن من الزمان، وتحديداً في حزيران/يوليو 1952 وقبل ثلاثة أسابيع من انقلاب الضباط الأحرار نشر الشهيد سيد قطب مقالة بعنوان «إسلام أمريكاني» قال فيها: «الأمريكان وحلفاؤهم مهتمون بالإسلام في هذه الأيام، إنهم في حاجة إليه ليكافح لهم الشيوعية في الشرق الأوسط، بعدما ظلوا يكافحونه تسعة قرون أو تزيد، منذ أيام الحروب الصليبية، إنهم في حاجة إليه كحاجتهم إلى الألمان واليابان والطليان الذين حطموهم في الحرب الماضية، ثم يحاولون اليوم بكل الوسائل أن يقيموهم على أقدامهم، كي يقفوا لهم في وجه الغول الشيوعي، وقد يعودون غداً لتحطيمهم مرة أخرى إذا استطاعوا!».منذ تلك الأيام، جرت مياه كثيرة في نهر العلاقة بين واشنطن والحالة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، فخلال الخمسينات والستينات كان المد اليساري والقومي هو الأقوى ولم تفلح الحالة الإسلاميفي اختراق الوضع الشعبي على نحو مؤثر، وكانت «كاريزما» عبد الناصر هي العنصر الأكثر فاعلية في المعركة، وهو ذاته الذي تغلّب على نواة المد الإسلامي في الساحة المصرية من خلال ضربه للإخوان، الأمر الذي ألقى بظلاله على الساحة العربية عموماً.استخدام الحالة الإسلامية في مكافحة المد الشيوعي بقي

هو عنوان العلاقة مع الولايات المتحدة التي لم تيأس من فوز عبد الناصر في تلك الجولة، فبقيت هي والدول التي شاركتها مشروع مكافحة اليسار والشيوعية على برنامجها.

 

هزيمة حزيران/1967 وفرت فرصة لهزيمة المشروع القومي اليساري في طبعته الناصرية، وهو ما أطلق موجة إسلامية لاحقت الشق اليساري غير القومي ممثلاً في الأحزاب اليسارية والشيوعية. ولم يكن السادات وحده الذي سمح للمد الإسلامي بالتحرك، بل فعلت ذلك عدد من الدول العربية غير «الاشتراكية» أو «الرجعية» كما كانت تسمى في حينه. وهكذا فقد كانت الصفقة غير المكتوبة بين الحالة الإسلامية والولايات المتحدة من خلال الأنظمة المعنية تسير على نحو حثيث، لتصل حدود دفع المد اليساري والشيوعي نحو التراجع، وصولاً إلى ما يشبه التلاشي في نهاية

الثمانينات.

هنا، كانت الحرب الباردة تضع أوزارها وتتفكك المنظومة الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي، فيما كان المشهد العربي والإسلامي ينجلي عن مد إسلامي واسع يجتاح المنطقة من المحيط إلى الخليج ومن طنجة إلى جاكارتا، وكان واضحاً أنه مد مدجج بالعداء للولايات المتحدة، كما ثبت من خلال خطابه المتداول، ذلك الذي برز على نحو واضح خلال حرب الخليج ومجمل التعاطي مع الشأن الفلسطيني.

في هذه المرحلة احتشدت الساحة بالمتغيرات، فإلى انهيار المعسكر الشيوعي وقبله انتصار الجهاد الأفغاني الذي ساهم بفاعلية في إنهاك التنين السوفياتي، كان المد الإسلامي يتقدم، من فلسطين إلى السودان ومصر وتونس والجزائر واليمن والعديد من الدول.في هذا التوقيت يمكن القول إن الولايات المتحدة قد أخذت قرارها الواضح بإطلاق موجة مواجهة مع الحالة الإسلامية من خلال أدواتها المباشرة، ممثلة في جيش بحثي واستخباري يرصد عناصر قوتها وضعفها، ومن خلال الأنظمة الموالية التي تعاني من وطأة تلك الحالة وتسعى إلى استيعابها وتحجيمها.

كان المد الإسلامي ما يزال يصعد في ساحات معينة فيما كان يتراجع في أخرى، بيد أن قوته كانت ما تزال بادية للعيان، من خلال حماس والجهاد في فلسطين وحزب الله في لبنان ودولة (الإنقاذ) في السودان، ووقوف الإسلاميين في وجه برنامج التسوية الذي أطلقته الولايات المتحدة بعد حرب الخليج.

 

ما يمكن استخلاصه من هذه النبذة التاريخية هو أن الإسلاميين لم يكنوا أي ود للولايات المتحدة، حتى حين اتفقت مصالحهم معها كما حصل في أفغانستان. الأمر الآخر، هو أن الولايات المتحدة قد شرعت منذ عقد كامل في تنفيذ مخطط لاستيعاب الموجة الإسلامية وتحجيمها.

 

ما علاقة ذلك بأحداث الحادي عشر من أيلول؟

 

العلاقة واضحة، إنها تقول إن مسلسل مطاردة الحالة الإسلامية كان ماضياً حلقة إثر أخرى قبل الحادي عشر من أيلول، ولكنه كان يتحرك على نحو هادئ لا يستثير ردود فعل قوية من تلك الحالة، وقد استخدمت في عملية المطاردة سياسات مختلفة تراوحت بين القمع واللعبة الديمقراطية البرلمانية التي تتراجع بشكل تدريجي مع إثارة الانقسامات الداخلية، إلى غير ذلك من أساليب تقطع خطوط الإمداد مع الحالة الشعبية.

ما كان واضحاً من سياق المخطط المذكور هو أن الولايات المتحدة ستمضي فيه إلى نهاياته وصولاً إلى "تجفيف ينابيع" الحالة الإسلامية ممثلة في التدين في المجتمعات، ذلك الذي يأخذ مداه من سياسات رسمية. ويمكن القول إن منطق «تجفيف الينابيع» هو الذي سيحكم ذلك المخطط خلال المرحلة المقبلة.هذا المنطق هو ذاته الذي يستخدم الآن منذ الحادي عشر من أيلول ، وإن على نحو عنيف وسريع، سيما بعد الانتصار الذي تحقق في أفغانستان وتراجع الحاجة إلى مجاملة العرب والمسلمين.

 

الحركات الجهادية أو حركات المقاومة الإسلامية كانت على رأس قائمة الاستهداف إدراكاً من الولايات المتحدة لتأثيرات هذه الحركات العابرة للحدود. فكما أثّرت الثورة الإيرانية والجهاد الأفغاني في تصعيد الصحوة الإسلامية كان لحركات المقاومة الأخرى سيما في لبنان وفلسطين دورها الواسع على هذا الصعيد. الحملة على الحركات المذكورة بدأت عملياً، من فلسطين إلى لبنان إلى الفلبين وكشمير والشيشان، أما الخطوة التالية فهي استهداف الحركات «المعتدلة» بتجفيف ينابيع تمويلها ودعمها ودفع الأنظمة بمنطق التهديد والوعيد إلى تصعيد موجة التحجيم التي كانت تسير ببطء وفق المخطط القديم. بعد الحركات «المعتدلة» وفي ذات التوقيت وضمن ذات المرحلة، سيصار إلى استهداف ينابيع دعمها البشري ممثلة في المدارس الدينية كما حصل في باكستان، أو التعليم الديني والمناهج الدينية المدرسية عموماً التي ستطالب الدول العربية والإسلامية بإعادة النظر فيها، إضافة إلى خطب المساجد وكل مظاهر دعم التدين في المجتمع، سيما تلك التي تغذيها الدولة.

 

مطاردة الأسلمة في المجتمع ستواكبها على الأرجح عملية تغريب قسري، كتلك التي شهدتها المنطقة أوائل القرن الحالي، بعد سقوط الخلافة العثمانية، وفي العموم، فإن «دخول عالم الحداثة» سيكون عنواناً جذاباً لهذه اللعبة، إلى جانب إعادة انتاج إسلام من نوع مقبول، لا جهاد فيه ولا كفرة ولا مشركين، ومناهج تعليم لا غزوات فيها ولا معارك ولا انتصارات!!إنه إسلام زوايا وتكايا، يقبل عليه العجزة وكبار السن والمتقاعدين، وفي الخلاصة فإنه عنوان اعتزال الهموم العامة، وليس عنوان الانخراط فيها كما هو شأنه أصلاً.

 

من الضروري القول هنا إن هذا المخطط في طبعته القديمة ربما كان مؤهلاً للنجاح أكثر من طبعته الجديدة بعد الحادي عشر من أيلول، ذلك أن السلوك العنيف الجديد قد يؤدي إلى ردة فعل كبيرة، ليس من الجماهير فقط وإنما من الأنظمة أيضاً، تلك التي ستتردد في خوض معركة بهذا المستوى من السفور مع دين من المستحيل تزويره أو إعادة إنتاجه على نحو مشوّه، وهو المحفوظ بأمر الله الحافظ لقرآنه، وبوجود الكتب التي تحفظه سنة وسيرة وتاريخاً. ولا شك أن تزامن هذا المخطط مع إرادة التحكم بالوضع العربي والإسلامي وإخضاعه ووضعه تحت السيطرة لحساب المصالح الصهيونية والأمريكية، قد يساهم في رفضه من الجهات الرسمية التي لن تجد بداً من الاقتراب من شعوبها أكثر فأكثر للرد على شراسة الهجمة.