لا يمكن لأميركا مواصلة الحرب ضد الإهارب
بمفردها!
بقلم : جيم هوغلان
هل يعني قيام الولايات المتحدة بقصف حركة طالبان والاطاحة
بها، وبارسال قوات تتولى ملاحقة اسامة بن لادن، انها
تورطت؟ هذا سؤال لا يمكن ان يخطر على بال معظم
الاميركيين. لكن الرؤية التي تقول ان الحملة الاميركية في
افغانستان قد ترهق الولايات المتحدة تبدو مطروحة وبقوة
في الخارج، وليس فقط في الاوساط المعادية لاميركا.
فحتى البريطانيون الفطاحل، وغيرهم، من الاوروبيين يطرحون
هذه المسألة. وكما توقع سايمون جينكينز في مقال كتبه
لجريدة «التايمز» فان حملة القصف «الوحشي» الاميركي لافغانستان ستؤدي «على ما يبدو
لتشديد حدة الارهاب لا للقضاء عليه». وطرح ان الاميركيين
استبدلوا «العدالة الحكيمة» بـ«العدالة المجحفة» وابدى
شكوكه بأن الحملة الاميركية «قد تعزز الاستقرار واحترام العدالة في المنطقة
المعنية وفي سائر انحاء العالم».
وهذه مخاوف خطيرة تستوجب التعامل معها بشكل جاد،
ذلك انها تشير الى المشاكل التي تنتظر ادارة بوش مع توسيعها
لدائرة تعقبها لاسامة بن لادن ولتنظيم القاعدة الذي يتزعمه لتشمل دولا خارج افغانستان.
كما انها توضح حقيقة ان واشنطن لا يمكنها اعتبار ان ما
حققته في افغانستان حتى الآن، يؤكد مصداقية اميركا.
فالجهود التي بذلتها الادارة الاميركية في بادئ الامر لتوضيح
رد فعلها تجاه ما حدث يوم 11 سبتمبر (ايلول) الماضي، كانت بطبيعة الحال ضرورية وانصبت
على وسط آسيا ومنطقة الشرق الاوسط، حيث تم افتتاح مراكز معلومات في العديد من
الدول.كما هرول المسؤولون الاميركيون نحو محطات التلفزيون
العربية لمقاومة الاعلام الدعائي الواقع تحت نفوذ المتشددين.
لكن الاهم من الجهود الاعلامية تلك، كان الاستخدام الفعال
للقوة العسكرية الاميركية. ولو لم يتسن للقصف فرض الاحترام
العالمي للعدالة، حيث تم استخدام القوة العسكرية
كاداة، وليست فقط كهدف، لم يسبق للادارة الاميركية
التسليم به، فإنه تمكن، ولو بشكل مؤقت من فرض نوع من
الاحترام لارادة الاميركيين وعزمهم.
في مقاله الذي خصصه لتقييمه وتوقعاته غير الدقيقة لما
حدث خلال عام 2001 أقر جينكينز برباطة جأش بانه كالعديد
من امثاله خارج اميركا (وليس فقط داخلها)، اخطأوا في فهم الحرب، حيث توقع ان
تكون طالبان «اضعف مما يتطلب امر تعزيز قبضتها» على اثر
القصف الاميركي لها، وكانت نصيحته لواشنطن ان تعتمد على
العمل الدبلوماسي وعلى عزل طالبان، وتنظيم القاعدة بدلا من استخدام القوة، التي
قال عنها الكاتب البريطاني بانها لم تكن في محلها.
ثم عاد ليطرح ما بدا انه توقعات منتشرة خارج الولايات
المتحدة بانها قد تقوم بالحاق الضرر بالمكاسب التي حققتها، حيث يؤكد ان القصف ادى
الى إزالة «حالة التعاطف» مع اميركا، واستبدالها الآن بمشاعر
«الخوف التقليدي من قواها».ويبدو ان الاوروبيين ما زالوا متأثرين بما
اصابهم في وسط آسيا مما يجعلهم يعتقدون بان مشاعر القلق المتعلقة
بالجهود الاميركية هي افضل حالا. لكنهم، في الوقت نفسه،
يدركون ان التدخل حتى ولو كان الخيار الاخير لازالة
وباء خطير، لا يحقق للدول التي تتدخل امتنانا طويل
المدى.
من الصعب على الاميركيين، الذين يتوقعون ان يكونوا محبوبين
في الخارج، قبول شيء يفهمه الاوروبيون من تاريخهم
الطويل. فمشاعر الامتنان في هذه المسائل سريعة الزوال،
وترتبط اكثر بالاعتراف بالجميل لما سيأتي وليس للافعال التي تمت للتو.
وعلى الاميركيين ايضا ان يفهموا بأن رؤية العالم الخارجي
لعملية افغانستان تعد مشوشة وغير واقعية وترتبط
باستخدام الولايات المتحدة للقوة في فيتنام وغرينادا
وكوسوفو، فالقوة العسكرية استخدمت بحكمة اكثر خلال
الحملة في افغانستان مقارنة بالحروب الاخرى، لأن ذلك كان ممكنا. فالتقدم الذي
حققته الاسلحة الاميركية من حيث الدقة، مكن الطيارين ومخططي
الاهداف، من الحد من الضحايا المدنيين بشكل بارز
مقارنة بتجارب الماضي. وخلال هذه الحملة لم يكن هدف تجنب الخسائر الاميركية
وحده ما استوجب الاهتمام.
ولا تخلو اية حروب من الاخطاء او من افتقارها للمآسي
لكن على الادارة الاميركية، الآن، ان تحدد
للعالم بشكل اكثر دقة، كيف ان افغانستان تختلف عما فعلته
الولايات المتحدة من قبل في الخارج، وما يعنيه
ذلك بالنسبة للمستقبل.
ويجب ان يتحول الانتباه والجهد من رؤية ضيقة اعتمدت
على التفكير العاطفي والعقلي الى رؤية تستوجب التوضيح
بجلاء مضمون او فحوى اعادة التواصل الاميركي مع العالم عقب الحادي عشر
من سبتمبر. وعلى واشنطن ان تثبت ان ما فعلته في افغانستان
يشير الى اكثر من الانتقام. ذلك يعني تحديد حلفاء اميركا
بشكل اكثر فعالية خلال حملة دولية تستهدف احتواء الارهاب والتصدي لدواعيه
المحددة.
فالحملة التي شنتها الولايات المتحدة في افغانستان بمفردها
تقريبا كانت ضرورية. لكن واشنطن تحتاج اليوم الى
تحقيق توازن واقعي، يذكرنا بكيفية تحقيق النصر خلال
الحرب العالمية الثانية عندما التقى القادة
العسكريون، وكيف ان محاكمات نورمبورغ استقطبت دولا
أخرى لتشارك في مساءلة مجرمي الحرب والحكم عليهم.
واذا لم يتحقق ذلك فان الحرب ضد الارهاب قد تجعل من
الولايات المتحدة قوة الشرطة العالمية الوحيدة والمحصورة التي
يجب الا يكون حالها كذلك. وكما كتب جينكينز وهو يتوقع مثل هذا المصير التعس «هذه
المرة اتمنى بشدة ان اكون مخطئا».وانا ايضا يا سايمون اتمنى ذلك. وعلى
الاميركيين ان
يبذلوا قصارى جهدهم لكي يثبتوا عدم صحة توقعات الكاتب
الانجليزي.
واشنطن بوست