مؤرخون وباحثون عرب:

 إسرائيل خطر على كل الدول العربية وخطر على اليهود أنفسهم

 بقلم هاني عاشور

يضرب الصراع العربي الصهيوني بجذوره عميقا في التاريخ، وهو يرجع إلى عهود قديمة.. والتاريخ يذكر حملة الملك البابلي نبو خذ نصر (630 - 562 ق.م) على اليهود, وأسرهم إلى مملكته في بابل, قبل عدة قرون من ميلاد السيد المسيح عليه السلام، ودور اليهود في إشعال القتال والتناحر بين القبائل في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام, ثم تآمرهم على الدين الإسلامي والنبي محمد صلى الله عليه وسلم من الحقائق المسطرة في كتب التاريخ، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم في سورة المائدة "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا".

الحركة الصهيونية وتجدد الصراع

وقد تطور هذا الصراع التاريخي ليأخذ شكلاً أكثر حدة وتنظيماً مع أول هجرة صهيونية منظمة إلى فلسطين عام 1882, ثم عقد المؤتمر الصهيوني الأول، الذي رأسه ثيودور هر تزل (1860 - 1904) في مدينة بازل السويسرية عام 1897، حيث تقررت إقامة "الدولة اليهودية" في فلسطين, والتي زعم هر تزل "أنها أرض بلا شعب, لشعب بلا أرض". ومنذ عام 1882 وحتى عام 1948 تم تهجير 550 ألف يهودي إلى فلسطين.

ويقول الدكتور نافع توفيق، الأستاذ في جامعة بغداد، إنه لم يتم العثور في المصادر التاريخية على معلومات توضح أعداد اليهود في المدن الفلسطينية في صدر الإسلام، ولكن أعدادهم كانت خلال تحرير فلسطين في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (586 - 644) رضي الله عنه, من الاحتلال البيزنطي, لا يتجاوز عدة مئات فقط.

ثم جاء وعد بلفور في الثاني من تشرين ثاني (نوفمبر) 1917, الذي عبر عن دعم بريطانيا لـ "تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين", وتعهدها ببذل جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف غير المشروع، وكرست الحكومة البريطانية هذا الوعد في صك الانتداب البريطاني على فلسطين, الصادر في أيلول (سبتمبر) 1923.

وفي ظل الانتداب تصاعدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين على نحو منظم ومسلح، ولكنها قوبلت بانتفاضات وثورات فلسطينية, خلال الأعوام 1920 و1929 و1933 و1935, والثورة الكبرى التي قادها الشهيد عز الدين القسام عام 1936.

وفي 29 كانون ثاني (يناير) 1947 صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 181 على مشروع "تقسيم أرض فلسطين, وإنشاء دولتين مستقلين عربية ويهودية"، إضافة إلى إقامة "نظام دولي خاص لمدينة القدس". وقد رفض الشعب العربي هذا المشروع، وفي 14 أيار (مايو) 1948 أعلن عن إنشاء دولة إسرائيل, بعد إنهاء الانتداب الاستعماري البريطاني على فلسطين.

ونشبت على إثر ذلك الحرب بين العرب واليهود, الذين دعمتهم بريطانيا وأمريكا وبقية الدول الاستعمارية، بمعاونة بعض الأنظمة العربية حينذاك.

المستعمرات الصهيونية

ويشير الباحث وليد الجعفري في كتابه "المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة" إلى أن الحركة الصهيونية استهدفت منذ مؤتمرها الأول, ومن خلال زرع المستعمرات في فلسطين, خلق كيان جديد فيها, ومحاصرة التجمعات السكانية والمدن الفلسطينية, وجعلها حاجزاً أمنياً, وإقامتها على أسس عسكرية. وبعد عام واحد على نكسة حزيران (يونيو) عام 1967، أقيمت 14 مستعمرة في فلسطين والجولان وغور الأردن.

وأشار التقرير الاقتصادي العربي الموحد عام 1993 إلى أنه مع نهاية عام 1991 استطاعت سلطات الاحتلال نزع ملكية 67 في المائة من أراضي الضفة الغربية, و40 في المائة من قطاع غزة، وبلغ عدد المستعمرات في نفس الفترة 183 مستعمرة, وتم تخصيص 14 مليار دولار لبناء الوحدات السكنية والطرق والمستلزمات الأخرى.

الحرب على الدول العربية

ويتوقف الدكتور خلدون ناجي معروف، أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الدراسات الفلسطينية في جامعة بغداد سابقاً، عند حقيقة كون الدولة العبرية كانت ولا تزال تدعو إلى مواجهة حاسمة مع العراق, ووجوب تعطيل دوره القومي والإقليمي, وحصاره اقتصادياً وعلمياً, وأنها كانت وراء ضرب العراق أواخر عام 1998.

ويتزايد الصراع حدة، في كل مرحلة تحقق فيها الأمة العربية تقدماً علمياً، أو قدراً من التضامن. وتشن تل أبيب حروبها على الأقطار العربية المجاورة لها, فتحتل قسماً من أراضيها, وتصادر المياه فيها, بل وتسرق حتى التربة منها, كما حدث في جنوب لبنان.

البعد الديني في الصراع

ويتوقف الدكتور محمد جاسم المشهداني، الأمين العام لاتحاد المؤرخين العرب عند البعد الديني في العدوان الإسرائيلي على العرب، واستخدام أساطير التلمود, وتحريف التوراة، مذكراً بأن أبرز نماذج أوائل الحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة ورموزها هو "وليام بلاكستون", وهو رجل دين ومؤلف وآثاري ورحالة، وكان من أوائل ممارسي الضغط المؤسسي المنظم على صانعي القرارات الأمريكية, لمصلحة الصهيونية اليهودية السياسية، إذ نشر عام 1878 كتابه المعنون "عيسى قادم".

كما يذكر المشهداني الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (1865 - 1924) المعروف بميوله الصهيونية, التي كانت جزءاً من تراثه الثقافي والديني، وكذلك الرئيس فرانكلين روزفلت (1882 - 1945), فإنه في يوم تنصيبه وضع يده اليمنى على الإنجيل لأداء القسم، ثم وضع يده اليسرى على التوراة!. كما يذكر المؤرخ العربي عجاج نويهض أن الرئيس ويلسون أعلن رسمياً أنه قرر وبدعم كامل من حكومته وشعبه أن يضع أسس الدولة اليهودية في فلسطين.

الهجرة اليهودية والعدوان الصهيوني

وكان العراق قد شهد أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي حملة صهيونية منظمة لتهجير يهود العراق إلى فلسطين، شملت الاعتداء عليهم, وحرق منازلهم ودكاكينهم ومعابدهم, بل وقتل بعضهم. وقد ألقي القبض على بعض الفاعلين, وتمت محاكمتهم, وفضحوا أسرار هذه الحملة.

ويذكر عدد من المؤرخين أن النظام الملكي في العراق كان قد سمح بهجرة عشرات الآلاف من اليهود العراقيين إلى فلسطين المحتلة, وقد برز من بينهم العديد من الوزراء والقادة العسكريين والسياسيين فيما بعد.

وحرص قادة الدولة العبرية على عدم إتاحة الفرصة للعرب لامتلاك القوة العسكرية الذاتية، والحصول على مستويات متقدمة من التكنولوجيا, وجاء ضربهم للمفاعل الذري السلمي العراقي "تموز" عام 1981, خلال الحرب مع إيران ليؤكد هذا التوجه. وقد وضعت الاستراتيجية الإسرائيلية العراق في مقدمة الدول العربية, التي يجب ضربها.

ويقول الباحث العسكري المعروف اللواء الركن منذر عبد الرحمن إبراهيم، إن إدامة التواصل في العطاء القومي لقضية فلسطين وتطويره باستمرار بالمواقف الجماهيرية أمر ضروري، وكذلك الضغط على المواقف الرسمية العربية لتتخذ قراراتها بما يسهم في هذا الفعل.

ويذكر ليث شبيلات، نقيب المهندسين الأردنيين السابق, "أن إسرائيل ما برحت تعتبر العراق خصمها الأول في الوطن العربي, لنهجه الذي يرفض المساومة على الحقوق الفلسطينية, وتعديله ميزان القوى مع إسرائيل".

تناقضات داخلية

تعاني الدولة العبرية من تناقضات داخلية قوية, منها التمييز العنصري والبطالة والعنف وانعدام الأمن والتماسك الاجتماعي. ودلت احتفالات عام 1998 بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيسها على ضعف التماسك الداخلي الإسرائيلي.

ويقول الدكتور كريم محمد حمزة، الأستاذ في جامعة بغداد، إن اللجنة الخاصة بالاحتفالات خفضت الميزانية من 70 مليون دولار إلى 14 مليون فقط، وأظهر استطلاع الرأي العام أن 70 في المائة من الإسرائيليين فضلوا صرف هذه المبالغ على برامج الرعاية الاجتماعية, وعلى مرضى الإيدز والسرطان.

وعكست مجلة /جيروزالم بوست/ في الثاني والعشرين من كانون ثاني (يناير) 1998 ما يجري بالقول "إن البلد دخل مرحلة الكهولة، وإنه يعاني من أزمة تفضح الاحتفالات أبعادها"!.

إسرائيل خطر حتى على اليهود

ولا يقتصر التحذير من مخاطر وجود إسرائيل على العرب وحدهم، بل إن شخصيات أمريكية بارزة قد فعلت ذلك، ومنهم ليندون لاروش المرشح الديمقراطي لانتخاب الرئاسة الأمريكية، الذي صرح في التاسع من كانون أول (ديسمبر) 2001 أن السياسات التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية وقادة الجيش, ستؤدي حتماً إلى تدمير الدولة العبرية ذاتياً, وإلى وصمها مستقبلاً بأنها دولة نازية مسؤولة عن ارتكاب جرائم بشعة بحق الشعب الفلسطيني والعربي.

ويقول الباحث المعروف الدكتور عبد الوهاب المسيري، المتخصص في الفكر الصهيوني, إن إقامة السلام مع إسرائيل أمر صعب, لأن الدولة الصهيونية هي دولة إحلالية, اغتصبت الأرض, وحاصرت سكانها, ولا يزال المستوطنون اليهود متمسكون بالأرض, ويحاولون فرض سلام المقابر على الفلسطينيين, وأنهم يؤمنون بأن سلام الردع هو البديل الوحيد!.

ويؤكد المفكر الفرنسي روجيه غار ودي أن إسرائيل جنت ثمار الحرب التي شنها هتلر وواصلت سياسته.

وكانت إقامة ندوة "الإعلام العربي وانتفاضة الأقصى" في بغداد, في الفترة من 8 إلى 10 كانون ثاني (يناير) 2002، مناسبة ليعرض فيها العديد من الإعلاميين والمثقفين العرب أفكارهم حول الصراع العربي الإسرائيلي، إذ أكد نعيم الطوباسي نقيب الصحفيين الفلسطينيين رفض التهديدات والقمع الصهيوني المنظم, الذي ينفذه شارون بدعم أمريكي.

وقال ماهر سلامة عضو أمانة سر المكتب الحركي للصحفيين الفلسطينيين، إنه مع كل جهد عربي مشترك في خدمة القضايا بشكل عام, والإعلام خاصة, كونه من أهم وأخطر الأسلحة حالياً، فيما أشار محبوب علي نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب، إلى أن الضغط الصهيوني المدعوم أمريكيا لن يجبر العرب على التنازل عن حقوقهم, بما فيها إقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس.

ويجمل الرئيس العراقي صدام حسين كل الآراء السابقة بقوله "إن النضال ضد الصهيونية العدوانية والتوسعية ليس قضية فلسطينية أو عربية.. إنه قضية إنسانية, وإن الكيان الصهيوني كان منذ إقامته وحتى هذا اليوم أداة الإمبريالية".