"هذيان القوة" ، أم إستراتيجية محددة المعالم والأهداف ؟

 

بقلم : د . محمد دياب

لقد بلغت الولايات المتحدة ، بحلول القرن الحادي والعشرين ، ذروة قوتها وسطوتها ، وحققت أقصى هيمنة وتأثير على النظام الدولي . إن وصول أمريكا إلى هذا المستوى يعني دخولها مرحلة التحول من دولة عظمى إلى "إمبراطورية"

 

أكثر فأكثر ترتسم معالم المرحلة التالية من حرب الولايات المتحدة على ما تسميه الإرهاب . مع كل خطاب أو حديث للرئيس الأمريكي ، ومع كل تصريح أو تعليق لمسؤول آخر في إدارته ، يتبين بجلاء أكبر أن واشنطن حددت لنفسها الأهداف الجديدة ، وهي على وشك حسم خياراتها ، إن لم تكن  قد حسمتها  بعد .

من الواضح أن أحداث أيلول ( سبتمبر) 2001 ، رغم كل مأسويتها والخسائر الفادحة التي نجمت عنها ، قدمت للادارةالامريكية فرصة ذهبية للمضي قدماً في تكريس سياسة التفرد في زعامة العالم واحتكار " حق" اتخاذ القرارات التي تقرر أحيانا مصائر شعوب ودول  بكاملها وفي فرض هذه الزعامة وتلك السياسة على الجميع ، الحلفاء منهم قبل الخصوم والأعداء . وانغمس القادة الأمريكيون في خطاب تطغى عليه النزعة السطحية والتبسيطية :  " من ليس معنا ، فهو ضدنا "،" الحرب بين الخير والشر " ..  وبالطبع هم" الأخيار" وكل من ليس معهم يصنف في خانة "الأشرار" ! .. إلي أن وصل الرئيس بوش أخيراً إلى تحديد " محور الشر " الذي تنتوي واشنطن خوض الحرب ضده . وهو محور يتكون من دول لا رابط حقيقي بينها ، في حين أن المقصود في الواقعي حركات وقوي يجمع بينها العداء لإسرائيل والنضال ضد الاحتلال الصهيوني والقهر الذي يمارسه ضد آخر مظهر من مظاهر الاستعمار بأبشع أشكاله.

قد يكون القادة الأمريكيون معذورين ، غداة الصدمة بتركيز الاهتمام على مسألة الإرهاب ومكافحته . فما حدث في ذاك اليوم من شهر أيلول (سبتمبر) وجه ضربة أليمة بالغة التأثير لأمن الولايات المتحدة ومكانتها وهيبتها واقتصادها.. الخ، غير أن ما بات جلياً من المواقف والتصريحات والممارسات اللاحقة ، لم يصادر عقولهم بقدر ما أنه نبههم إلى توفر فرصة( ما كانوا ليحلموا بتوفرها في ظروف أخرى) تتيح لهم صياغة النظام الدولي على النحو الذي سعت إليه واشنطن ، ورسم خريطة جديدة للمشهد الدولي ، وليس الإقليمي فقط ، مع تحديد موقعهم فيه كقوة مهيمنة لا منافس لها .

كما أن الحديث عن "محور الشر" قد لا يعني شن الحرب على الدول المدرجة فيه،بقدر ما هو موجه إلى دول أخرى لإفهامها أن واشنطن لم تعد تقبل بعلاقات بين أنداد ، بين قوى متساوية . الحديث موجه لأوربا نفسها ( وهذا ما يفسر اللهجة الأوربية، خصوصاً الفرنسية ، المتزايدة الحدة في رفض " المنطق" الأمريكي التبسيطي في تقسيم العالم على هذا النحو البدائي ). كما أنه موجه إلى روسيا لكي لا تبالغ في رهانها على " شراكه استراتيجية" مع القطب الأوحد في العالم ، ولكي تعرف حدود موقعها ونفوذها ومصالحها ، حتى في المنطقة كانت تعتبرها على الدوام بمثابة " الفناء الخلفي لها " وهو موجه كذلك للصين لكي تحد من طموحاتها وتطلعاتها للقيام بدور الدولة العظمى ، ولو على المستوى الإقليمي . وهو موجه أخيراً إلى العالم العربي و الإسلامي ، لكي يدرك الجميع على مساحة هذا العالم ، أن تناهى المواقف الأمريكية والإسرائيلية لا يعني أقل من التطابق الكامل في مصالح الحليفين الاستراتيجيين ، وعلى الجميع أن يبني مواقفه وسياساته انطلاقاً من هذه " الحقيقة " وإلا وصم الجميع بصفة الإرهاب ، وتوجب تأديبه !

" محور الشر " حسب المفهوم الأمريكي ، ممكن أن يتوسع تبعا لمتطلبات المعركة ولخدمة الهدف النهائي ، وكذلك تبعاً لمواقف الدول والقوى المختلفة ودرجة انصياعها للإدارة الأمريكية . فواشنطن في قمة النشوة اليوم بقدراتها الاقتصادية الضخمة وقوتها العسكرية الهائلة ونفوذها وسطوتها السياسية ، وبالهوة التكنولوجية التي تزداد اتساعاً بينها وبين كل الفرقاء الآخرين .. من أوربا ، واليابان ، إلي الصين ، إلى روسيا .. الخ هذه "النشوة" تجعلها تدير ظهرها للكثير من الاتفاقات والمعاهدات الدولية ، وتتفرد في القرارات المصيرية .

هكذا تتكشف أكثر فأكثر الأهداف الحقيقية البعيدة المدى لحرب أمريكا المعلنة على ما يسمى الإرهاب . فهذا "الإرهاب" ما هو إلا ذريعة ، الهدف منها تبرير سياسة التفرد بالعالم . هذا النزوع إلى الأحادية والتفرد وفرض الهيمنة المطلقة ، يجد جذوره في " أيدلوجيا " اليمين الأمريكي ، الذي لم يعد حكراً على الحزب الجمهوري ، وان كان هذا الحزب معقلاً لأعتى صقوره ، فبعد انتهاء الحرب الباردة لم يعد أمام الولايات المتحدة من ينافسها عسكرياً ، وصار بإمكانها أن تفرض على حلفائها ومنافسيها في الميدان الاقتصادي ( أوربا واليابان ) رؤيتها لصورة المشهد العالمي في القرن الحادي والعشرين ، وأن تفرض إرادتها لما تراه مناسباً من قواعد ومعايير للنظام الدولي . فعلى حد قول أحد أبرز ممثلي جناح الصقور في اليمين الأمريكي جيسي هيلمز : " نحن مركز العالم ،وهكذا يجب أن نبقى . فعلى الولايات المتحدة أن تقود العالم حاملة مشعل الأخلاق والسياسة والحق .."( ! )

أو لم تكن كونداليزا رايس ، مستشارة الأمن القومي الأمريكي اليوم هي من صاغ بالأمس القريب ، قبيل انتخاب الرئيس بوش ، وقبل دخول العالم حقبة ما بعد أيلول ( سبتمبر) الخطوط الرئيسية لما ينبغي أن تكون عليه السياسية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين ، أو لم تعتبر في حيينها أن حق الولايات المتحدة في الانفراد بقيادة العالم أمر لا شك فيه ، وأنه مفروض بقوة الأمر الواقع ، بفضل قوة أمريكا وجبروتها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً ، وان على الآخرين الإقرار بذلك والتسليم به ؟! ( انظر مقالتها الشهيرة بعنوان : " مطالعة في السياسة الخارجية الأمريكية : تعزيز المصلحة القومية" في مجلة "فورين افيرز"، شباط/فبراير2000).

وها قد حان الوقت اليوم لكي تفرض أمريكا على الآخرين التسليم بذلك ، الفرصة سانحة اليوم ولا يجوز تفويتها ! إن حرب الولايات المتحدة ضد "الإرهاب" والمرشحة للاتساع ، سواء من حيث الوسائل المستخدمة أم من حيث المساحة الجغرافية التي ستغطيها ، إنما تهدف أساساً إلى تأكيد هذا الأمر الواقع وترسيخه .

 

 

 

      لقد بلغت الولايات المتحدة بحلول القرن الحادي والعشرين ذروة قوتها وسطوتها ،وحققت أقصى هيمنة وتأثير على النظام الدولي.  إن وصول أمريكا إلى هذا المستوى يعني دخولها مرحلة التحول من دولة عظمى إلى "إمبراطورية " . وهذا يعني مواجهتها خطر تراجع قوتها ، ليس بالمعنى المطلق بل النسبي . فتاريخ الدول والأمم الحافل بالأمثلة على تصاعد قوة ما  للهيمنة المطلقة على العالم ،بيد أن هذه الهيمنة تدفع قوى ودول أخرى للبحث عن منابع القوة والصعود لكي تنافسها . إن دورة صعود الحضارات وتراجعها تؤكد ذلك .

      في كتابه الشهير " صعود الإمبراطوريات وسقوطها " يتوصل بول كندى إلى استنتاج مفاده أ، التراجع ( الانهيار حسب تعبيره) الحتمي للقوة الأمريكية في العقود المقبلة مسألة محسومة . وقد صاغ كندي قانوناً مفاده إن استمرار دولة عظمى على قمة الزعامة العالمية يتعلق مباشرة بقدرتها على تأمين وسائل السيطرة على مقدرات العالم، وقدرتها على تأمين ثمن هذه الوسائل . فيقول " الدول الكبرى بحاجة إلى المال والقوة . المال كي تستمر القوة، والقوة كي تحمي هذا المال . لكن عملية التآكل المتبادلة بين الاثنين تؤدي في نهاية المطاف إلى السقوط بسبب الوهن ". وهذا يعني ، حسب كندي، أنه إذا زادت التزامات الإمبراطورية (الدولة العظمى) الإستراتيجية عن قدرتها الاقتصادية والمالية تنهار هذه الإمبراطورية (آخر مثال على ذلك سقوط الإمبراطورية السوفيتية تحت وطأة المتطلبات العسكرية والاقتصادية لحماية نفوذها وتوسيعه في ظل في ظل تراجع قدراتها الاقتصادية وصولا إلى استنزافها ) وفي رأي كندي أن الولايات المتحدة أصبحت تضطلع اليوم بمهام المهيمن على النظام الدولي والأمن العالمي بما قد يفوق قدراتها . وبالتالي فهذا القانون حسب رأيه ، لابد أن ينطبق في ا يتعلق بمسألة الانهيار الحتمي بالمعنى التاريخي ، أي أن ذلك قد يأخذ عدة عقود . ما بين ثلاثين وأربعين عاماً يبقى أن نشير إلي أن كندي صاغ رأيه هذا قبل بضع سنوات ، في العقد الأخير من القرن العشرين بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة .

      السؤال هو : هل ستنتظر القوى و الدول الأخرى كل هذه المدة للتخلص من هيمنة الولايات المتحدة وتفردها ؟  وهل  سترضى قوى كبرى تاريخياً، كأوربا وروسيا والصين بدور التابع الدائر في فلك القطب الأوحد ؟ وهل ستتخلى طوعاً عن مصالحها الحيوية في ظل سياسة الغطرسة الامريكيةالتي لا تأخذ في الاعتبار مصالح أي طرف آخر ؟ إن التاريخ العالمي يثبت أن حقبات الهيمنة المطلقة لا تدوم طويلاً ، وأن القوى الأخرى تسعى دوماً لإزاحة هذه الهيمنة، كما أن ظروف التطور المعاصرة بوتائرة المتسارعة لا بد وأن تجعل فترة هبوط وصعود القوى الكبرى أقصر نسبياً . ربما لا يكون هذا "التنبؤ" دقيقاً ، وربما يكون في جزء منه نابعاً من الرغبة الذاتية الكامنة لدى المرء احتجاجاً ورفضا لمنطق الهيمنة الصلفة والظالمة ، ولكن الأكيد هو أن الحقبة الراهنة من التاريخ العالمي لن تتسم بالهدوء ولا باستكانة القوى والدول الرافضة للهيمنة والانفراد والتسلط في عالم القرن الحادي والعشرين !