جنون
شارون والاندحار المطلوب
على غير هدى يتصرف شارون، يُصعد حملته العسكرية
وعدوانه على الشعب الفلسطيني لكن دون ان يدري ماذا يريد.. والى أين يسير؟! انه
يتحرك برد فعل غريزي جبل عليه، تحكمه عقدة "العسكرتاريا" التي تتلبسه
منذ عقود، والخوف من السقوط في مواجهة حملة نتنياهو للتشكيك بقيادته.
فشارون ليس له أي تصور للحل السياسي، وأكثر من
ذلك، فهو يخشى أن يضبط متلبساً بالحديث عن حلول سياسية، فالمتربصين به كُثر، وكما
يبدو أنه رئيس للوزراة في الوقت المستقطع، وامكانية عودته لدورة رئاسية قادمة أمر
مشكوك فيه، فليناور على بقائه في السلطة الى اطول مدة بخلاف ما يسعى له نتنياهو
واليمين المتطرف وربما نافذين في حزب العمل واليسار الاسرائيلي.
واذا كان شارون، قد حاز التأييد لفوزه اولاً
ولاستمراره في رئاسة الحكومة ثانياً، على خلفية امنية وانه يملك الحل السحري
"للارهاب"!! ولقمع تطلعات الشعب الفلسطيني فان اليوم يبدو غارقاً حتى
اذنيه في حماية وعده بتوفير الامن، والدفاع عن شرفه الذي استباحته اعمال المقاومة،
وحبات المسبحة المنفرطة، ها هي تسقط الواحدة تلو الاخرى، لتؤكد عمق ازمته والافق
المسدود الذي يناور فيه.
وعلى خلفية كل ذلك، فليس مستبعداً، ان يعمد
شارون لسفك المزيد من الدم الفلسطيني، وان لا يخالجه ادنى تردد وهو يرتقي درجة
اخرى في مسيرة الدم التي يراهن عليها، ولكن سيظل مفهوماً وواضحاً ان تصعيده، ينطلق
من واقع العجز، وغياب الرؤية، واكثر من ذلك، لغاية صغيرة؛ تأمين استمراره في الحكم
وحماية صورته العسكرية التي لطختها تضحيات المقاومة الفلسطينية.
واذا كان بؤس واقع شارون، هو الدافع وراء حملة
التصعيد الجديدة التي يقودها، فالمراهنة على انتصاره تظل مراهنة بعيدة، والمؤكد ان
صبر الاسرائيليين، اذا ما استمر الصمود الفلسطيني، لن يطول، وسينقلب بصورة صاخبة
ضد شارون، بعد ان اسهمت سياساته المتخبطة في انزلاق الواقع الاسرائيلي الى دوامة
الدم والقتل بدون نهاية واضحة في المدى القريب والمتوسط.
ان الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال يعاني، ومن
المتوقع ان تشتد معاناته في الايام القليلة القادمة، ولكن المؤكد ايضاً انه لم
تبلغ رسالة الشعب الفلسطيني ومطالباته بحقوقه الى آذان كثيرة، هنا وفي كل مكان،
وبوضوح، مثلما هي الآن، في اوج التصعيد، حيث استنزاف العدو واقتدار الصمود.
واذا كان البعض يتحدث عن مبادرة ولي العهد
السعودي، حول الانسحاب الاسرائيلي حتى حدود الرابع من حزيران، مقابل التطبيع
الشامل، هو الحل وليس التصعيد العسكري التي تقوده المقاومة الفلسطينية، فان المنطق
السليم يقتضي، فهم أي قيمة لمثل هذه المبادرة؟! وهل كان سيلتفت اليها احد، لو انها
جاءت قبل بدء انتفاضة الاقصى؟!
ان الحقيقة لا تغطى بغربال، فالمقاومة
والمقاومة وحدها، هي التي انتشلت الواقع الفلسطيني، من هوة الضياع، الذي سعى شارون
لدفعه نحوها، وان أية مبادرة سياسية، مهما تدنى سقفها، لم يكن ليصغي اليها احد
لولا عنفوان المقاومة الفلسطينية، من الخطيئة بعد ان بلغ الواقع الفلسطيني هذا
المستوى من الصعود ان يعمد البعض الى الالتفاف على انجازاته، بطرح المراهنة على
الحلول السياسية، وحتى انسحاب الاحتلال من حدود الرابع من حزيران لم يعد امراً
بعيد المنال، ولا يجوز ان يكافأ الاحتلال عليه بالحديث عن تطبيع شامل.
ان المطلوب دعم الشعب الفلسطيني في مقاومته،
بكل وسيلة وبصورة لا يعتورها نقص ولا حسابات صغيرة، فعمر حكومة شارون قارب على
الانتهاء، والانسحاب من الضفة والقطاع، عاجلاً ام آجلاً سيتقرر، رغم انف الاحتلال
والسؤال لماذا تسارع مستويات عربية مسؤولة، لمكافأة الاحتلال على هزيمته؟ وسد الافق
امام وضوح انجاز المقاومة والاستمرار في دحر الاحتلال؟ فليس ثمة مقارنة بين انسحاب
من الضفة وغزة يكافأ مقابله الاحتلال ويُعفى فيه من خزي الهزيمة، وانسحاب يقرره
تراجع الاحتلال، واندحاره، حتى لو كان لاهداف امنية وسياسية، او عبر خطة فصل،
فالانسحاب الاخير، له معانيه، ويجنب العمق العربي، من اقصاه الى اقصاه، خطر الاختراق
الاسرائيلي، وتفشي وجوده في المنطقة، فضلاً عن منحه المشروعية والشرعية.