بقلم : د.
احمد نوفل
ما فتيء وما برح وما انفك، القائد الثائر
المناضل البطل الرمز "القاعدة التعويضية كلما صغرت المسميات كبرت
الاسماء" اقول ما زال هذا المذكور يتحفنا بمناسبة وغير مناسبة، وفي تكرار غير
محمود، بأن شعب فلسطين شعب الجبارين، وهو يحيل الى الآية الكريمة "دلالة
الثقافة القرآنية الواسعة والمعمقة" وهي في سورة المائدة وهو قوله تعالى في
قصة امر موسى بدخول الارض المقدسة حيث يتقاعس قومه عن تنفيذ امر الله والاستجابة
الكريمة بل يقولون: "ان فيها قوماً جبارين" ثم يخلصون الى انه لا يمكن
لهم ان يدخلوها طالما شعبها فيها، والشعب بهذا الوصف.. جبارين.
ولنا على هذا الاستشهاد عدد من الاعتراضات وهو
استشهاد في غير محله، لا شكلاً ولا مضموناً..
فأولاً: فات "المستشهد" "ليس من
الاستشهاد بالمعنى الذي يشتق منه الاستشهاديون لا، وانما من باب استشهد: روى القول
وحكى".
اقول، فاته ان الجبارين قوم مشركون كافرون ونحن
لا ننتمي الى الكفار المشركين والا كنا نعتز بأبي جهل وابي لهب بداعي القومية
والعروبة والوطنية العظيمة!! وثانياً: أنى للمستشهد ان يثبت ان شعب فلسطين ينتمي
سلالياً وعرقياً ونسبياً الى شعب الجبارين؟
وثالثاً: نحن في التاريخ ننتمي الى الايمان
والمؤمنين ولا ننحاز بأثر رجعي الى الكفر والكافرين فهل ننحاز كمصريين الى فرعون
ضد موسى، بدعوى ان موسى يمثل بني اسرائىل؟ وهل ننحاز ضد اسرائيل "يعقوب"
عليه السلام بدعوى وحجة انه جد بني اسرائيل الموجودين اليوم؟ ان بعض الجهلة
والمغفلة يقرأون تاريخ الاديان وتاريخ الايمان بعيون العصبية والقومية فينحازون
الى معسكرات الكفر فيخرجون من الايمان وهم لا يشعرون.
بل ان البعض يصرح بأنه لا يستطيع ان يحب انبياء
بني اسرائيل! ونسي هؤلاء انهم انبياء الله ورسل الله والذين اختارهم الله فنحبهم
لاختيار الله لهم، وهم ونحن بريئون من كفرة بني اسرائيل ولو بعث انبياء اسرائيل
لقاتلوا بني اسرائيل، ولقاتلهم بنو اسرائيل.
فيا هؤلاء ان التاريخ لا يقرأ بعيون العصبية،
والعقلية الجاهلية ولكن يقرأ بالروح الايمانية فيقرأ المؤمن وينحاز الى الايمان
والى المؤمنين حيثما وجدوا وأنى كانوا.. ويبرأ المؤمن من الكفر والكافرين ولو
كانوا اقرب الناس اليه.. وكم جنت علينا هذه العصبية النتنة الجاهلية، ألم نقرأ في
القرآن براءة ابراهيم عليه السلام من ابيه؟ ألم نقرأ براءة نوح من زوجه وابنه؟
ورابعاً: ان الجبارين الذين يتباهى بهم انتهوا
بالخروج من فلسطين وانتهى الامر كما ينتهي بكل مشرك كافر ظالم ان ينهزموا فهل هو
يبشرنا بمثل مصيرهم؟ وهل يعي مثل هذا او هؤلاء ما يقولون؟
شعب يتألق
قدر شعبنا العظيم في فلسطين، واخواننا في ارض
الاسراء ان يكونوا طليعة أمتهم في مواجهة اشرس حملة واعتى قوة و"اجرم"
شعب.
قدر المرابطين في ارض الاقصى ان يصبروا
ويصابروا ويرابطوا كما هو قدر المجاهدين على مر السنين.
قدر هذه الطليعة العظيمة ان تدفع زكاة الانفس
لا عن نفسها فقط ولكن عن كل امتها.. وهذا من الله تشريف واصطفاء.
قدر هؤلاء الكرام ومشاريع الشهداء ان يكونوا
بين مطرقة الاعداء، وسندان من هم في الظاهر اصدقاء، من سلطة تتهم الشهداء بأنهم
صناعة الاعداء، وان ما أبدعوه من اسلحة عجزت امة المليار ان توجه مثله الى صدر
الاعداء وان ملكت افضل منه، لكن المهم ان يسدد الى مقتل العدو لا ان تزين به
الساحات.
من كان يظن او يتوقع ان يسطع الشعب بهذا
العنفوان والشموخ وان يشتعل بهذا الوهج الاسنى وان يدفع زكاة الدم عن طواعية وطيب
نفس بل عن تسابق وتنافس.
والناس تضحي بالانعام، فان شعبنا في يوم التضحية
الاكبر يضحي بأنفس الخيرة من ابنائه الكرام.. فتقبل الله شهداءكم وجراحاكم
وتضحياتكم، يا شعب العطاء. ان شمسكم ستقشع ليل العرب وان دماءكم ستوقظ نيام العرب،
فلا تهنوا، ولا يخذلنكم حاقد موتور مسموم ينعتكم بما فيه، ولا يفت في عزائمكم
ماترون من خذلان فيوشك امتكم ان تكون خير ظهير.. وصبركم وتحملكم هو الصوت الذي
يوقظ النائمين..
من كان يظن ان شعبنا المحصور المقهور يبدع مثل
هذا الابداع ويقهر بدمه آلة الخراب والدمار والموت؟
من كان يظن ان الكف تواجه السيف؟ لقد فعلها
شعبنا ونجح.
واتركوا الذين يهنئون اليهود بكل مناسبة سراً
ويدعون الوطنية جهراً ويزايدون عليكم، ويتهمونكم بأنكم اضعتهم حلمهم في الدولة،
دعوهم لوهمهم، فوالله ما أتى بهم الا انتفاضتكم، ومايقرب الدولة الا شهداؤكم لا
موائد مفاوضاتهم ولكنهم قوم يجهلون.
بدأ
البلدوزر يترنح، بدأ الجيش يتذمر، انها بداية انهيار فاصبروا، ووالله ان النصر ليس
بعيداً ان ظللتم على وقفتكم ووحدتكم. عدوكم مهما ضخموه هش لحبه الحياة، وانتم
اقوياء لحبكم الشهادة ان شعبنا يتألق، وان كان يتألم.. وهو ألق عظيم لانه ناشيء عن
احتراق وألم عظيم.