بقلم : د. خالد عبدالله*
لم يكن
خطاب شارون المليء بالتخليط، المتناقض في إيماءاته والمشوش في إيحاءاته إلا مرآة
لحال المؤسسة الإسرائيلية. فقد تكلف الشجاعة والجزع يحتويه، وتصنع القدرة والعجز
يلفه، وتوشح الأمل والإحباط يقض مضجعه. كما أخفق في هديره أن يواري ضعفه، وفشل في
وعيده أن يلهم أتباعه، ولم يكن جديد وعده بحمايتهم إلا قديم ميثاقه لتسييجهم
بالأمن. فهي ذات الأسطورة تكسوها الألفاظ الواسطة التي تحجب بلاهة أسسها. ومن يظن
أن شارون استثناء للتوجه العام للمؤسسة الإسرائيلية فقد أغفل أن يتهم حكمته أو أن
يحاكم إدراكه. ولربما أذهل البعض عن رؤية الحقيقة أن شارون مجنزر حتى أنيابه ينفث
نيرانا لا تتوقف، وأعمى البعض الآخر عن توخيها اقتضاء مصالح وتسويغ سياسات. فذريعة
" الأمن القومي " لم تفارق السياسة الإسرائيلية في أية فترة من عهودها
توسلا إلى التوسع واحتيالا من أجل الضم. وحينما بدا للعالم أن إسرائيل لا تحتاج
للأمن بقدر ما تحتاجه الأنظمة العربية المولية أدبارها، بدأت المؤسسة الإسرائيلية
تتحدث عن الأمن الشخصي لكل إسرائيلي. وعندما غاب الأمن عن الإسرائيليين صدقوا
دعاوى شارون بأنه سيمنع عنهم الفزع ويؤمنهم من الخوف. ولم يكن أولئك الذين أعطوه
أصواتهم بجاهلين أن سلامتهم على يده وسيلتها ترويع الفلسطينيين، وأن أمنهم الذي
يسعى إليه سبيله إرهاب المدنيين. فتاريخه الدموي كتاب مفتوح، وجرائمه حكايات يسير
بها الناس داخل إسرائيل وخارجها. حتى أولئك الإسرائيليين الذين يصرخون بعقم
سياساته أملوا أن ينجز ما وعد بسكوتهم عنه في بدايات حكمه. وأمريكا الجمهورية
تلمست في نجاحه، حينما كانت عرجاء الشرعية، مثالا يدفع عن نهجها الشرس النقد
ويمنحه المصداقية.
ولأنه خيل
لشارون أن مركبه إلى الهيمنة على الفلسطينيين وتحقيق مخططه سهل طريقه، فلم ير
تبعات أفعاله أو يتصور عواقبها. لكنها سرعان ما أدركته وتكاد تغرقه. ولكن ثلاثا من
هذه العواقب أوجعته. فقد أصبح الأمن قبل عهده مطمح الإسرائيليين. وأصبح المحاصرون
محاصرين. وإذا لم تستطع الدبابات الإسرائيلية أن تلزم الفلسطينيين بيوتهم، فقد
أجبر الخوف الإسرائيليين أن يقبعوا في منازلهم. فقد لقفت عزيمة النضال عند الشعب
العربي الفلسطيني كل عربداته وأحابيله، وبادرته بقدرتها على أن تجعل بأسه وبالا
عليه، وغطرسته إصرا على إسرائيل. ثم إن إسرائيل التي عاشت ازدهارا خلال عقد
التسعينات فتحت أبوابه أوسلو، وجدت أن اقتصادها يتدهور في عهد شارون. فقد ازدادت
البطالة حتى أصبحت تقريبا 9%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي من عليائه من أكثر من
7% إلى ما بين 2- 3%. وهذا عامل طارد لبعض أنواع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل. كما
أن الجالية اليهودية في العالم ما عادت تشعر أنها تقف على صخرة صلد من التفوق
الأخلاقي، فقد بدأت تبدو للكثير، بسبب القمع الإسرائيلي الذي يذكر بالممارسات
النازية والفاشية، أن صفة الضحية ليست إلا إحدى صفاتها، وأنها تحسن ككثير آخرين أن
تلبس لبوس الجلاد. وهذه النظرة إلى إسرائيل أنها بطاش يولد العداء تخلق مشكلة أمام
الهجرة إليها. فبعض الذين كانوا يهاجرون إليها تدفعهم الحمية للدفاع عنها من الخطر
المحدق بوجودها ما عادوا يرون ذلك، والبعض الأخر يردهم فقدان الأمان، وآخرون ما
عادوا يجدوا فيها الواحة الأخلاقية. وتلك هي مأساة المشروع الصهيوني أنه من أجل أن
يجمع اليهود في أرض فلسطين لا يملك إلا أن يستخدم وسائل تنفرهم منها. بل أن اليهود
الذين لم ينون الهجرة أصلا إلى إسرائيل لأنهم مطمئنون حيث يعيشون باتوا قلقين على
هذا الاطمئنان من تصرفات إسرائيل. ولذلك، بدأت ترتفع أصوات البعض منهم مطالبين
أمريكا بالضغط على شارون حتى يتوقف عن أفعاله.
وخطاب
شارون خير تعبير عن معضلته فهو يرى أنه ( ليس هناك حل سحري للحرب )، أي أنه لم
يتمكن بعد من فرض إرادته على الشعب العربي الفلسطيني. ولكنه يؤكد أنهم سيخرجون (
ظافرين لأنه ليس هناك طريق آخر )، لأنه لا يرى إلا طريقه. فهو بطبيعة الحال لا
يرفض هنا الحدود الدنيا لمطالب الفلسطينيين، فهذه أصلا لا تخطر على بال معظم
الإسرائيليين من العمل كانوا أو من الليكود، وإنما يرفض البديل العمالي الذي هو
تحسين بسيط على بديل شارون ويبتعد عن الحدود الدنيا الفلسطينية كما ونوعا. فما
يتخيله هو عشرات من المراكز الفلسطينية السكانية التي ليس لها امتداد يمدها
بالحياة أو تواصل مع بعضها أو مع إسرائيل. وإذا قبل الفلسطينيون بذلك فإنهم بمرور
الوقت وتضاؤل سبل الحياة سيجدون حياة أفضل في الجوار. فالهدف لدى اليمين
الإسرائيلي هو ترحيل الفلسطينيين عن وطنهم، كان الكثير يتصور أنه سيتم بالحرب لكن
تبدل الأوضاع الدولية يفرض تغير الوسائل، لكن القهر يبقى السمة الأساسية وإن كان
اقتصاديا. ولكن كيف يفي بعهوده بضمان الأمان للإسرائيليين، بتقديم المزيد من
الوعود. ويقترح من أجل تحقيق ذلك إقامة مناطق عازلة لفرض الفصل الأمني. وهو حل يدل
على بلادة متناهية في التفكير أو استخفاف مشين بعقول الإسرائيليين. ولقد أغضب هذا
المقترح الكثير من المعلقين في إسرائيل لأنه يزري بقدرتهم على التفكير. ولا ترشدهم
التجربة الإسرائيلية المتواصلة على عقم هذا الحل على امتداد ما يسمونه الخط الأخضر
فحسب، وإنما استحالة تطبيقه على امتداد العشرات من الحدود. فالضفة الغربية وقطاع
غزة مليئين بالمستوطنات
وبالكتائب العسكرية الإسرائيلية، فأنى له أن يحميها من الاختراق. ويبدو أن
شارون قد وصل إلى الحائط فمن ينقذه يا ترى؟
والأنظمة
التي قعدت بها الهمم عن نصرة شعبنا في فلسطين ورأت في انتفاضته إحراجا وإرباكا
لها، بل خطرا على بعضها، وجدت أن واجبها تجاه أمريكا يرتب عليها التزامات منها
تخليص شارون من ورطته. فلقد أفلحت العصا والجزرة الأمريكتين في أن تجند الطاقات
العربية لخدمة شارون. وما يقتل النفس غما أن تصور هذه الخدمات لأمريكا نصرة
للفلسطينيين. فبعد أشهر طويلة من مقاطعة الفلسطينيين التي تخللتها مكالمات وزيارات
وفتاوى للضغط عليهم لإيقاف الانتفاضة تفاجئنا الحكومة المصرية بنشاط مكثف، بعيد
مؤتمر شرم الشيخ وقبيل الزيارة الرئاسية القادمة للولايات المتحدة، تتبادل فيه
الزيارات مع من يشبعون الفلسطينيين قتلا. فهذه استحقاقات لا ترهق الشعب العربي
الفلسطيني فحسب، ولكنها تثقل الدور القيادي لمصر. ولكم بدا ذلك واضحا خلال السنوات
الماضية، فكلما اقتربت مصر من مصالح الجماهير العربية كلما زاد ذلك من الضغط على
حكوماتها حتى تستظل بالموقف المصري. ولكم ألهبت تصريحات عمرو موسى، حتى مع إدراك
المدخل الذاتي فيها، خيال الكثير من العرب أن مصر تعرف موقعها وستنهض بمسؤولياتها.
ولكن، في نفس الوقت، كلما بدت حكومة مصر أكثر إذعانا لمطالب أمريكا كلما أسرع
الضعاف من العرب للمزايدة عليها في التنازلات فتخسر ويخسرون.
وتفاجئنا
السعودية، وبالذات الأمير عبد الله، أنه في أعقاب حملة إعلامية أمريكية عليها
تكتشف أن لديها مبادرة للسلام تناقش أبعادها مع صحفي صهيوني قبل أن تشاور أهلها
بها. ولو بقيت التنازلات، المبادرة، في خطابها العام لكانت أهون الشرين لكنها مضت
في تفسير مسئوليها لتفرض على أهل فلسطين وعلى العرب صفقة ضيزى. فهي تقبل ببقاء
المستوطنات حول القدس، وتتبرع بحائط البراق. ثم تجازي إسرائيل على انصياعها
للقرارات الدولية بتطبيع كامل. فماذا أبقت للعرب من بعد ذلك ما يقايضوها به على
أسلحة دمارها الشامل. أم هل يتوقعون أن تقابل إسرائيل سخائهم بكرمها. والمحزن في
هذه التنازلات أنها تحظى برضاء ودعم القيادة الفلسطينية التي بات سجنها يرهقها
وتريد أن تخرج منه. ولكم هي مشينة هذه المقايضة. فالقيادة الفلسطينية تعلم خطط
شارون، وتدرك أن المفاوضات معه لن توصلها حتى إلى ما عرضه باراك، وبالتالي فأي
تنازلات له تطيل أمد حكومته ولن تؤدي إلى أكثر من أن يعاود الرئيس الفلسطيني
جولاته. ولو كان للقيادة الفلسطينية قليلا من صبر مانديلا على سجنها لحج إليها
العالم بدل أن ترحل إليه، ولألزمت الحكومات العربية بنهجها ولو رياء. ولا ينبغي
للقيادة الفلسطينية أن تتوقع من الجماهير العربية أن تخرج إلى الشوارع من أجلها إن
تصرفت كحكوماتها.
ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في ذهنية
التنازلات السائدة في البلدان العربية التي تتصور أنها تبعد الخطر بإلقامه ما
يريد، ويغيب عن البال أن مطالب أمريكا لائحتها طويلة، وأنه إذا لم يلحق التنازل
الواحد الضرر بأسس النظام فإن مجموع آثار التنازلات لا محالة مؤدية إلى ذلك. ولقد
اندثر ذلكم العصر الذي كانت تأبه فيه أمريكا لزوال الأنظمة الصديقة. وإذا ما تساءلتم كيف الانفلات من الضغوط
الأمريكية، فالإجابة في منتهى السهولة. فحينما تهددكم بحقوق الإنسان والديمقراطية
وحرية الرأي فسارعوا بتنفيذها. وإذا كانت مبادراتكم للسلام مع إسرائيل يرفدها
إيثاركم لشعب فلسطين فإن مواطنيكم أولى بإيثاركم لأنهم قد أتعبتهم الابتزازات
الأمريكية وأرهق كاهلهم ما يغنموه منكم.
* الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن