خارج اطار التاريخ  !

 

بقلم : مجدي أحمد حسين

 

حادث قطار الصعيد .. أو المذبحة التى راح ضحيتها عدد لايقل عن 600 و ربما يصل الى أكثر من 800 قتيلا .. هز البلاد من أدناها الى أقصاها .. وقد بلغ الغضب حدا غير مسبوق .. حتى ان اقالة وزير النقل و رئيس هيئة السكك الحديدية .. لم تشف الغليل .. فهذا حادث مروع خسائره تصل الى مستوى خسائر الحروب .. و هو لا يمكن ان يُعزى الى اهمال محدد من مسئول معين .. فى نقطة معينة أو أكثر .. نحن أمام انهيار شامل لكل قواعد الادارة و الأمان و الأخلاق و القانون و الدستور .. فحالة القطاع الشعبى من القطارات و الذى يمثل 90% من القطارات .. تتعارض مع كل هذه القواعد .

وهذا أمر لايحتاج الى بحث أو تنقيب أو ارسال خبير .. أو رفع تقرير .. فهذه الحالة من الانهيار الشامل .. تحدث جهارا نهارا .. كل يوم .. منذ عدة سنوات .. لايستطيع مسئول واحد ان يدعى انه لا يعرفها .. كما ان جماهير الشعب ارتضت هذه الأحوال .. و تكيفت و تعايشت معها كما تتعايش مع كل شتى ألوان الغبن و الظلم .

وقد جاء هذا الحادث أو هذه الكارثة و كأنها أشبه بالانذار .. كى نرى صورتنا فى المرآة .. نرى صورة حكامنا بأعيننا .. وكيف ينظرون الينا و كيف يتعاملون معنا ؟ و نرى رضاءنا بهذه المهانة .. ولنرى كيف نستمر تحت وطأة هذا العذاب المهين ؟ و قد كانت حجتنا دائما بيننا و بين أنفسنا .. أننا نريد أن نعيش (فها نحن نموت ) .. نريد ان نعيش بجوار الحائط : فها نحن نموت بلا جثة معروفة ولا قبر !! وهذا عقاب دنيوى لمن يستسلم للظلم . وهذا هو المعنى الأعمق الذى يجسد مغزى الآية الكريمة (ظهر الفساد فى البر و البحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون ) صدق الله العظيم ..

و الآن تحاول الحكومة و اعلامها .. ان تحول المسألة .. الى وجود اهمال تم اكتشافه فجأة فى عربات الدرجة الثانية و الثالثة .. وانه سيجرى العمل بحزم على تلافى هذا "القصور" !

 ان حال عربات الدرجة الثانية و الثالثة التى  يستخدمها 90% من الركاب .. هى حال الأمة بأسرها .. أو بالأحرى حال 90% منها.. غير المترفين و أتباعهم ..

ما الفرق بين أوضاع القطارات .. و أوضاع المدارس و الجامعات .. ألا توجد قلة مترفة يتم تعليمها فى مدارس بها حمامات سباحة .. و تصل مصاريفها السنوية الى 14 ألف جنيه .. أما مدارس الأغلبية فهى بلا دورات مياه و أحيانا بلا أماكن للجلوس..

و بالتأكيد بلا ملاعب .. الخ الخ .

ما الفرق بين أوضاع مستشفيات القلة الغنية .. و بين أوضاع المستشفيات العامة ؟! و بين أوضاع درجات السكك الحديدية ؟!

وهكذا اذا قلبت بصرك فى شتى أرجاء المجتمع .. ستجد قلة صغيرة مترفة تعيش فى عالم مترف مليئ بكل مظاهر البذخ و السفه و الاسراف.. و ستجد أغلبية ساحقة تعانى من شظف العيش ؟!

ستجد القرى السياحية تسد أفق الشمس على طول سواحل مصر الشمالية و الشرقية .. وستجد مياه النيل و الكهرباء و الطرق المعبدة و شبكات التليفون و الصرف الصحى قد وصلت لها.. و لن تجد هذه الخدمات فى معظم ربوع قرى مصر و أحيائها الشعبية .

وكل من يسير فى القاهرة يعرف الفارق بين استخدام المواصلات العامة و السيارة الخاصة .. حتى ان بعض الشرائح تضيق على نفسها فى بعض الضروريات مقابل توفير سيارة .. وهو حل غير واقعى أدى الى الاختناق الحالى و المستمر فى القاهرة ..

وهكذا فان ما جرى فى قطار الصعيد عند العياط .. لم يكن حادث قطار .. و لكن كان قصة أمة بأسرها تكثفت فى مشهد واحد.. و من خلال هذا المشهد يمكن قراءة الكثير حول الحالة الراهنة للمجتمع المصرى .

سيراهن الحكام على امتصاص غضب الناس .. باقالة المسئولين .. و تشكيل اللجان ..  و عادة النسيان  .. ولكن هذه المرة سيكون الأمر صعبا .. فالكارثة ذكرت الناس بشخصية رئيس مجلس الوزراء .. وهو شخص فى غيبوبة .. ولايدرى ما يقول .. فى أحيان كثيرة .. ولايعرف قدر منصبه .. وهو بالأساس لم يكن يوما يصلح له .. وتعيينه رئيسا للوزراء .. كان يشير الى ان هذا المنصب الرفيع يجب ان يشغله شخص بلا خطر .. و الأفضل ان يكون فاشلا .. غير واثق فى نفسه .. وان يسمى نفسه انه منسق بين الوزراء .. وهو لايتواضع حين يقول الزملاء الوزراء .. فهو زميل لهم و ليس رئيسا .. وهو و كثير منهم لا يصلحوا لمنصب الوزير .. لأن هذا منصب سياسى بالأساس .. و تصريحات عاطف عبيد تعليقا على حادث القطار .. تعكس انه لا يفهم ألف باء السياسة .. وان تصريحاته كان يمكن ان تؤدى الى كارثة .. والى ثورة .. و قرار الرئيس مبارك باقالة الوزير و رئيس الهيئة .. معاكسة لتصريحات رئيس الوزراء.. و بالتالى فان بقاء رئيس الوزراء بعد ذلك فى منصبه سيصبح مهزلة جديدة.

و طبعا بعد كل ما جرى فى البلاد .. فان تغيير الأشخاص لم يعد يعنى الكثير .. اذا أنت استبدلت نكرات بنكرات .. فاشلين بفاشلين .. موظفين ضيقى الأفق بموظفين آخرين ..

أتباع نظرية التطبيع و التبعية بأمثال لهم ..

فمنذ عامين و التغيرات تتم نحو الأسوأ .. يخرج جويلى و يحل محله أحد أتباع يوسف والى .. و تخرج مجموعة من الوزراء .. و تحل محلهم مجموعة من خريجى جامعات كندا و أمريكا .. و تخرج نادية مكرم عبيد .. و يأتى بدلا منها أحد نشطاء التطبيع مع العدو الصهيونى .. من أتباع يوسف والى .. و جهابذة الحكم .. فرحون جدا .. وسعداء جدا .. فالنظام مستمر و قائم كالطود .. كالبنيان المرصوص .. منذ عشرات السنين .. ويمكن ان يستمر هكذا ما بقى الحكام أحياء .. و من يخلفهم .. و النتيجة ان البناء يبدو واقفا كما هو بالفعل .. ولكن السوس ينخر فى تكوينه الداخلى .. و ليست القضية متى ينهار .. فهو بدون اصلاح سينهار فى لحظة واحدة .. لا يعلمها الا الله .. كما انهار منزل دمياط الآيل للسقوط ..

القضية الأخطر ان مصر تخرج من مجرى أحداث العالم .. وكأنها خارج التاريخ .. ما حدث فى قطار الصعيد كان كاشفا للحالة العامة .. ف 88% من المصريين فقراء .

وهو تقدير للدكتور نادر فرجانى يكاد يتطابق مع احصائية السكك الحديدية و هى ان 90% من الركاب يستخدمون الدرجتين الثانية و الثالثة . متوسط الانفاق الحقيقى على الغذاء للفرد انخفض بنسبة 13% فى الريف و 8% فى الحضر . وان سوء التغذية قد انتشر الى حد ظهور ظاهرة تقزم الأطفال بنسبة 30% و ترتفع النسبة فى الصعيد الى 40%  أى ان الشعب المصرى يتعرض لظاهرة تراجع النمو من حيث الحجم و الوزن و الطول !! وهى ظاهرة مرضية .

كذلك انخفض نصيب العمل من الناتج الاجمالى من 45% فى منتصف السبعينيات الى 24% فى منتصف التسعينيات .

ولعل الفقر الذى يلازم أغلبية الشعب المصرى بصورة متصاعدة و تركز الثروة فى أيدى الأقلية المترفة هو من الأمور التى لا تحتاج الى برهنة .. ولكن لزمت التذكرة حتى لا تتجه الأذهان الى مسألة سوء حالة عربات الدرجة الثالثة .. وكأنها مسألة فنية .. أو كأنها مشكلة خاصة بالسكة الحديد .. بل هو فى واقع الأمر مجرد مظهر لسوء توزيع الثروة القومية لصالح القلة المستغلة التى لا تدفع الضرائب .. وترتبط مصالحها بأوضاع التبعية للولايات المتحدة ، و بالنشاط الطفيلى غير المنتج .

ولكن نعود مرة أخرى .. الى القضية الأخطر .. و هى ان مصر فى ظل هذا الحكم تخرج من مجرى تطورات العالم .. و كأنها خارج التاريخ ..

كثيرة هى البلاد التى عانت من مظاهر الفقر .. و الزيادة السكانية .. و التخلف التكنولوجى .. و لكنها لم تستسلم الى هذه الأوضاع ..

و كلما قرأت عن التجارب التنموية فى آسيا .. شعرت بالأسى الشديد على مصر .. مصر فعلا خارج التاريخ حتى اشعار آخر .. تبيع موقعها الجغرافى و مخزونها الحضارى .. بأبخس الأثمان للسيد الأمريكى .. وهى تتصور انها تحسن المساومة .. لأنها لا توافق على كل أوامر الولايات المتحدة .. رغم ان كل طفل أمريكى قدم لمصر 100 دولار مساعدات اقتصادية كما ذكر السفير الأمريكى فى مصر لزوم كسر العين .

حكامنا أشبه بالثرى المتقاعد.. الذى أصابته الشيخوخة.. فقرر ان يؤجر أهم مشروعاته .. ليعيش مستورا بريعها .. غير آمن رغم ذلك على كرامته أو مستقبله أو العاملين لديه ..

حكامنا ينتهجون سياسة ارضاء الأمريكان و الأمة المصرية العربية الاسلامية فى وقت واحد .. و يبدو انهم شطار جدا .. وليكن .. ولكنهم نسوا ان البيت قد نخره السوس من داخله .. و الأمريكان لا يريدون أكثر من ذلك .. ان تظل مصر معطلة .. و بالتالى يظل قسم كبير من الأمة العربية الاسلامية معطلا حولها ..

منذ عدة سنوات حاولت ان أدق ناقوس الخطر بمجموعة من المقالات .. مثلت نوعا من السياحة فى البلدان الآسيوية صغيرها و كبيرها .. فى مجالات العلوم و الاقتصاد و العسكرية .. و عقدت مقارنات مع الأوضاع المماثلة لمصر .. و حاولت تحريض الحكومة على فعل الخير .. و أن تأخذ بأسباب القوة .. وان تضع مصر فى حجمها و مكانها الطبيعى .. ولكن ذهبت محاولاتى أدراج الرياح ..

وماذكرته لم يكن شيئا مبتدعا فقد أصبح بعد ذلك الحديث عن النمور السيوية على كل لسان .. وأصبحت المقارنات جارية على قدم و ساق .. و أصبح موقف حكومتنا السنية محرجا .. و أصبحت لاتطيق سماع هذا الحديث .. الذى بدأ يزحف على الصحف الحكومية .. ولكن الحكام وجدوا الحل .. فرأوا ان يتخلصوا من هذا الاحراج بالتصريحات المتوالية .. عن ان مصر هى الأسد الافريقى المقبل الذى سيكسر الدنيا (على أساس ان الأسد أقوى من النمر .. أو هكذا رأت الحكومة ) .. و يمكن مراجعة تصريحات كبار المسئولين فى منتصف التسعينيات . و طبعا ذهبت هذه التصريحات أدراج الرياح و ظلت التقارير تتوالى عن معدلات النمو فى افريقيا التى تفوق معدلات النمو المصرية .

و عندما جاءت أزمة النمور الآسيوية .. تصور حكام مصر .. ان المشكلة قد حُلت ، فبدلا من تقديم الاعتذار عن عدم اللحاق بهذه الأمم الصاعدة .. زادت التصريحات و الفزلكة .. عن خبرة مصر العظيمة فى الاقتصاد و التى حققت الاصلاحات بدون أى آلام .. وبدون اضطرابات كتلك التى حدثت فى آسيا أو فى روسيا ..

و كتبت فى حينه ان هذه الأزمة التى ألمت بالنمور الآسيوية ..أزمة عارضة رغم شدتها.. وانها من تدبير التآمر اليهودى الأمريكى لوقف هذا الصعود المخيف للاقتصاد الآسيوى .. وان هذه الاقتصادات قد حققت الاقلاع التنموى .. و حققت مستويات من النمو الاقتصادى .. لن تفقدها .. بل ستظل تبنى عليها .

و بالفعل لم يمر عام أو عامين حتى تعافت هذه الاقتصادات الواحدة تلو الأخرى . أما الصين و الهند فلم تتأثرا بالأزمة أصلا و ظلت معدلات نموهما تتراوح بين 8 - 12% و كلما تابعت ما يجرى فى البلدان الآسيوية.. كلما شعرت بالدوار .. و كأنك تقرأ عن أشياء تجرى فى كوكب آخر .. بمعدلات مختلفة لا نعرفها فى بلادنا ..

فقد انقسمت الصناعة العالمية الى ثلاثة مستويات .. من حيث التعقيد التكنولوجى.. و كلما تقدمت مجموعة من الدول استغنت عن صناعات معينة .. و تركتها لمجموعة أدنى من الدول .. فالدول التى تتخصص فى التكنولوجيا الفائقة (الالكترونية ) تنقل صناعة الحديد و الصلب و السفن لدول أقل تطورا .. وهذه المجموعة الثانية تنقل صناعة النسيج مثلا لمجموعة ثالثة أدنى و هكذا .. و فى الهرم الآسيوى تجد الفلبين و اندونيسيا فى القاع .. و اليابان فى القمة .. و الصين بدأت تزاحم على القمة و تهدد اليابان بأخذ المركز الثانى منها .. و فى الوسط تجد دول مثل كوريا الجنوبية .. تايوان .. ماليزيا .. و وفقا للترتيب الهرمى .. ستجد كوريا الجنوبية لديها أهم مصانع للحديد و الصلب فى العالم .. و كذلك أكبر ترسانة لبناء السفن .. و ستجد أندونيسيا التى هى فى القاع الصناعى وصلت الى مرحلة انتاج طائرات مدنية صغيرة .. ولايمكن لمصر ان تجد لنفسها مكانا على خريطة صناعة الدول النامية ..

فى زيارتى الأخيرة لايران رأيت السيارة الايرانية  "بايكان" تملأ الشوارع فى طهران .. ووجدت كثيرا من الطرازات الفرنسية و اليابانية و الالمانية .. و التى علمت انها مصنعة بالكامل فى ايران .. بنسب تصل الى 90% .. أى بما فى ذلك المحرك نفسه .. و صناعة السيارات تقوم بتشغيل 300 ألف عامل اذا أخذنا فى الاعتبار الصناعات المغذية ..

فى مصر فاننا نعلم ان السيارات المصرية أصبحت حلما مستحيلا .. رغم اننا بدأنا صناعة تجميع السيارات فى أواخر الخمسينيات .. ومع الأيام تزداد المكونات الأجنبية .. وعلى عكس ايران فان صناعة السيارات فى مصر تحولت الى تجميع شبه تام يصل الى 90% مكون أجنبى .. وان عملية التجميع لا تستهدف الا التهرب من الضرائب التى يتعين دفعها .. فى حالة استيراد السيارة كاملة الصنع فى الخارج . فيتم ادخالها مفككة و تركيبها فى ورشة داخل مصر تسمى تجاوزا مصنع !!

فى الخمسينيات و الستينيات كانت مصر متقاربة تكنولوجيا مع الهند بل و تسبقها فى عدة مجالات . المسألة ليست بالحجم ولكن بالاصرار و حسن الادارة .. والهند لم تقضى بعد على مشكلة الفقر (الدخل السنوى للفرد 400 دولار ) و لم تقضى بعد على الأمية (38%) .. ولكنها تصدر الآن برامج كمبيوتر ب 6 مليار دولار .. حيث يعمل فى هذا القطاع ثلث مليون متخصص .. وهو الأمر الذى يدفع الشركات العالمية للانتقال الى الهند لتكون قاعدة انتاجها .

التقدم فى مجال الأقمار الصناعية و الصواريخ أصبح أمرا مشتهرا .. و الجديد هو مشروع لارسال مركبة فضائية للقمر .. الذى مايزال فى مرحلة الدراسة الأولية .. كذلك تم التوصل لتصميم نهائى لطائرة قادرة على اطلاق عدة أقمار صناعية بتكلفة منخفضة . و تجربة الهند ترد على ادعاءات حكومتنا التى ترمى كل شئ على عدد السكان و على الفقر .. فالهند بلغ عدد سكانها أكثر من مليار .. ولايزال نصفهم يعانى من الفقر ( أقل من دولار يوميا ) .. الا انه يعتمد على القطاعات الرائدة كقاطرة لدفع الاقتصاد ككل الى الأمام .. وهى نفس تجربة الصين التى نجحت عندما ركزت على الشرق الساحلى .. ثم بدأت الآن الحملة لتطوير الغرب على الطريقة الأمريكية القديمة فى التوجه من الشرق الى الغرب .. وهذه هى الطريقة المستقرة فى احداث ثورة فى التنمية .. لابد من التركيز على قطاعات رائدة لدفع الاقتصاد ككل الى الأمام ..

فى بلادنا .. وبعد عشرين عاما من الحكم .. فان حكامنا لم يتوصلوا بعد الى أى قطاع رائد فى الاقتصاد .. لقد ظنوا انه السياحة .. وهم مصرون على انه القطاع الرائد .. مهما صرخنا فى وجوههم بانه لا ينفع بلادنا .. لأسباب عملية .. فنحن فى موقع حساس فى مواجهة اسرائيل .. وستظل منطقتنا غير مضمونة الاستقرار .

وهى ظروف لا تسمح بازدهار السياحة .. كما ان السياحة من السهل ضربها من الخارج بتدبير أى عملية ارهابية .. كل عام أو عامين .. وقد جاءت الأيام لتبرهن على ما نقول .. حوادث ارهابية .. حرب الخليج .. حادث الاقصر - الانتفاضة - 11 سبتمبر .. ومع ذلك مايزال جهابذة الحكم يتعاملون مع السياحة كقطاع رائد .. وهذا أمر لامثيل له فى أى تجربة تنموية فى العالم !!

و النتيجة المنطقية لكل هذا العبث ان القطاع الرائد تحول الى السلف و الدين من الأجانب .. وهذا يكون بثمن سياسى باهظ.. و الحكومة مستعدة دائما لدفعه .. وهذا ما يؤدى بدوره الى استمرار مصر فى نفس الدوامة .. و عجزها عن القيام بالدور الذى يليق بمكانتها .. والدول المانحة فى شرم الشيخ تكرر مأساة اسقاط ديون مصر فى حرب الخليج الثانية .

لنعود مرة أخرى . الى شرق آسيا .. حيث الحدث الاقتصادى الأول .. هو هجرة الشركات الصناعية اليابانية الى الصين .. لتحقيق أرباح أعلى .. حيث العامل الصينى بنفس كفاءة العامل اليابانى ولكن بأجر أقل بكثير . وبالأحرى فان الحدث الاقتصادى الأول هو ظاهرة الاكتساح الاقتصادى الصينى .. لمنطقة جنوب شرق آسيا .. كمحور أساسى .. ثم فى دوائر متسعة من العالم ..

ولا يمكن تفسير ظاهرتى النهوض الصينى أو الهندى بالحجم الكبير .. لان بلدان أصغر حجما من حيث السكان و الأرض حققت بدورها نتائج تنمية مبهرة فى آسيا .. بل ان نجاح هذين العملاقين يمثل ردا مفحما على الذين يزعمون - فى مصر - ان زيادة عدد السكان تلتهم كل شئ .. وتمنع التنمية ..

و النهوض الاقتصادى لا يعتمد على وصفات اقتصادية فحسب .. بل يعتمد على رؤية حضارية شاملة مركبة .. وما يحدث فى الصين على الجانب السياسى مذهل .. وأكثر أهمية مما يجرى فى الاقتصاد .. لأن السياسة هى الأصل .. هى العقل الشامل الذى ينظر الى المجتمع نظرة كلية تاريخية متكاملة .. و هذا العقل السياسى هو الذى يولد تجارب تنموية اقتصادية ناجحة . و الحكمة الصينية السياسية تتضمن توازنا بين الخبرات المختزنة لدى الشيوخ .. وبين ضرورة التجديد فى القيادة .

و النظام الصينى ينفرد بهذه الخاصية .. هو يجدد القيادة السياسية بدون صراعات .. و يسمح لأجيال جديدة بتولى القيادة .. دون ان يستغنى عن خبرة الشيوخ .. ولكن عليهم اخلاء المواقع التنفيذية لجيل صاعد .. حتى مستوى رئيس الجمهورية ..

النظم الحزبية الغربية تحقق حكمة التجديد فى أطقم القيادة التنفيذية عن طريق لعبة الانتخابات التى تجرى بالأساس بين فريقين .. أما فى الصين فان عملية التجديد تجرى فى اطار الحزب الواحد و بدون أجنحة و صراعات و مؤمرات .. و كأن هناك عقلا حكيما يدير الصين خارج الأطر الرسمية و الشكلية ..

وهذا العقل الحكيم الذى يريد ان يعبئ الأمة ولا يفرقها .. يريد ان يضيف لا ان يخصم .. فالخارجون وديا من السلطة مرشحون لمواقع المستشارين و الخبراء .. ليس على سبيل الهزل - كما نفعل نحن- و حيث نصف المستشارين بانهم قد أصبحوا على الرف .. بل انهم فى الصين يمارسون عملا حقيقيا فى المواقع المختلفة و تؤخذ أراؤهم مأخذ الجد .

وهكذا يحدث التوازن بين حكمة الشيوخ و ديناميكية و فاعلية الشباب أو الجيل الأصغر (الخمسينيات) ..

و هذا العقل الصينى الحكيم .. أنشأ من قبل مجلسا لا يضم أعضاء الحزب الشيوعى الحاكم ليمثل جماهير الشعب .. و يحدث توازنا مع المجلس (البرلمان ) المقصور على الحزب الحاكم .

و هذا العقل الصينى الحكيم .. هو الذى سمح بانتخابات محلية حرة بلا تزوير .. و حيث سيطر اللاحزبيون على كثير من هذه المجالس ..

و بالتالى شعرت القاعدة الجماهيرية بان المشاركة السياسية مسألة جادة و حقيقية .. وهذه المجالس تتمتع بحرية كاملة فى ادارة شئونها و اتخاذ القرارات الخاصة بمجالها  الجغرافى . ورغم ان الصين قارة .. و اطلاق الحريات فيها مسألة ذات خطر .. الا انها تتم بشكل تدريجى .. و التسامح مع الأراء المخالفة يتسع .. مع التركيز على اشغال الناس بالمشاركة فى بناء مشروع نهضوى واحد يعود بالخير على الجميع .

هذه العقلية التى تعبئ ولاتفرق .. توحد ولا تبدد .. كانت ضرورية لاطلاق القفزة الاقتصادية الكبرى التى يشهدها الاقتصاد الصينى منذ سنوات .. و أيضا سياسة اطلاق المبادرات فى اطار سياسات قومية عامة .. أى تشجيع المبادرات فى السوق .. فى اطار تخطيط عام .. و الاستفادة من الاستثمار الأجنبى .. مع الحفاظ على الاستقلال .. بل و اكتساب الخبرات التكنولوجية منه للاستغناء عنه فى مراحل قادمة ..

معظم البشرية مشغولة فى قضايا جادة لبناء مجتمعاتها .. و المشاركة فى سباق العالم و القوة و الحضارة .. و حكومتنا مشغولة بأتفه المسائل و تشغلنا فى أسخف القضايا .. ( استمرار الشواذ فى الحكم - جزرة القطار - الطفاية - الخ ) .. حكومتنا مشغولة باخماد صوت .. آخر معارض .. على أساس ان المعارضة تحولت الى ادارة بيروقراطية تابعة لوزارة الداخلية .. باعتبارها الجهة التى تعطى تراخيص حق المعارضة و حدودها .. حكومتنا نجحت فى القضاء على طبقة المثقفين و العلماء المستقلين .. ومن تبقى منهم ملتزما بضميره .. يفضل العمل منفردا خوفا من البطش ..

و حكومتنا لا تريد تفجير طاقات الأمة ولا استنهاضها .. لتحقيق نهضة اقتصادية و اجتماعية شاملة .. فهى تعالج نقص الأموال العامة .. الناجم عن سفه الانفاق .. وسفه الاستيراد .. بالقروض .. و أصبح الارتكان لأمريكا .. هو خطة منع السقوط المدوى .. و لذلك تظل زيارة البيت الأبيض من أركان العقيدة السياسية للحكام .