هؤلاء
هم رعاياك يا مولاي..
السعودية
تتخلى عن فضيلتها الوحيدة: الصمت..
لا..
ليس القضاء والقدر كما يزعم فقهاء السلاطين أعوان الشياطين..
من باعوا آخرتهم بثمن بخس .. والدليل نبراس ساطع يسطع على البسيطة سناه منذ خمسة
عشر قرنا.. نبراس يقول: لو أن شاة بالعراق عثرت لسئل عنها عمر لم لم يمهد لها
الطريق..
شاة..
عثرت..
شاة عثرت وليس بشرا احترقوا وتفحموا حتى لم يبق منهم خلية يمكن
التعرف منها على هويّـاتهم كي يدفنهم ذووهم.. وليكون آخر ما يفقدونه في هذه الدنيا
التي فقدوا فيها كل شئ هو الحق في أن يدفنهم ذووهم .. وهو حق ترجع حجيته في
التاريخ إلى قابيل وهابيل.. لكن ضحايانا المساكين فقدوه..
فقدان مطلق.. وبؤس مطلق..
أظن أن الحزن الذي شمل الأمة لم يكن فقط بسبب فداحة الكارثة..
وهى أكثر من فادحة.. ولا بسبب أعداد الضحايا وهى أكثر من هائلة.. وهى بالتأكيد
أكثر من الرقم المعلن.. إذ أن المسئولين اكتفوا بعملية حسابية بسيطة خسيسة.. قاموا
فيها بضرب عدد الستين ( وهو عدد المقاعد في كل عربة قطار) في رقم (سبعة) وهو عدد العربات التي احترقت ليدور
الناتج حول رقم الأربعمائة.. جعلوا – في العملية الحسابية الخسيسة – أكثرهم قتلى و أقلهم جرحى.
تجاهلت العملية الحسابية الخسيسة أن الزحام الرهيب في قطار
الصعيد قبل العيد كان يعنى أن كل عربة كانت تحتوى على ثلاثمائة راكب على الأقل ..
وهناك تقديرات أخري تصل بالعدد إلى ستمائة في كل عربة..
أقول أن الحزن الذي شمل الأمة كان أكبر حتى من فداحة الكارثة
وعدد الضحايا.. فقد كان كل واحد في الأمة يدرك أنه شارك بصورة أو بأخرى في بؤس
هؤلاء البائسين وفى النهاية المروعة التي انتهوا إليها..
حدثنى صحافي غطى الكارثة أنه يعرف جيدا هذه الفئة التي احترقت
ولم تدفن في مقابرها.. الفئة التي تركت أهلها وقراها وجاءت تعمل في القاهرة كي
توفر كسرة خبز لأبنائها.. قال الصحافي أن معظمهم لم يكن يستطيع أن يوفر أكثر من
خمسة عشر جنيه يرسلها كل شهر إلى أفواه أسرته الجائعة.. خمسة عشر جنيه.. ثلاثة
دولارات بسعر البنك ودولاران بسعر السوق السوداء.. في الشهر.. وليس لفرد.. بل
لأسرة..
تذكرت من يسرقون آلاف الملايين فيساعد كبار المسئولين على
تهريبهم للخارج – مرة كان أحد هؤلاء المسئولين هو النائب العام بشحمه وبلحمه!!-
فتبادر السلطة إلى منحهم حصانة تحميهم من تسليط الاتهام عليهم.. والسلطة في هذا
التصرف لا تحمى فقط رجالها و إنما تحمى نفسها لأن هؤلاء المسئولين لو حوسبوا
فعوقبوا فتكلموا فإنهم سوف يكشفون
الحلقة المفقودة بين المليارات المنهوبة وبين السلطة نفسها..
تذكرت ذلك .. وشعرت بغصة..
تذكرت أيضا أن ثمن عربة واحدة من عربات تفريق المظاهرات التي
تعج بها كل محافظة في مصر- والهم في العالم الإسلامي واحد - يصل إلى مليوني دولار.. أي إلى عشرة
ملايين جنيه.. تذكرت ذلك فطفقت أقوم بعملية حسابية غير خسيسة.. قسمت فيها عشرة
ملايين جنيه على خمسة عشر جنيها.. وكان الناتج ما يقرب من ثلاثة أرباع المليون..
عربة واحدة يوجد منها في المحافظات العشرات وفى القاهرة مئات يماثل ثمنها ما يوفره
750000 عامل من أهل الصعيد يعملون في القاهرة.. ثم واصلت العملية الحسابية غير
الخسيسة لأضرب الرقم الأخير في أربعة ( عدد أفراد كل أسرة ) ليكون الناتج ثلاثة
ملايين.. عربة واحدة.. واحدة فقط..
وازدادت الغصة..
أظن أن جزءا من الحزن والغضب والعار الذي شعرت به الأمة كان
يعود إلى إحساس كل واحد فينا أنه مسئول عن الجريمة إما بالمشاركة الخسيسة أو
بالصمت الجبان.
كانت الأمة تشعر بالغصة.. و أنها بصمتها عن الفساد والإفساد
والسرقة والنهب والتنصل من المسئولية هي التي تركت هؤلاء يعيشون مثل تلك الحياة
الموجعة ليموتوا مثل تلك الميتة
الفاجعة..
كانت الأمة كلها تشعر بالغصة عدا السيد رئيس الوزراء.. الذي
طالعنا بجفون متهدلة وعيون يحيطها السواد – ليس بسبب الحزن – ليقول أن كل شئ على
ما يرام.. وليلقى بمسئولية الحادث الفاجع المروع الرهيب على الضحايا أنفسهم الذي
أوقد أحدهم موقد غاز فانفجر فأدى إلى الكارثة.
وجدت نفسي أواصل عمليتي الحسابية غير الخسيسة لأسأل عن ثمن
زجاجة خمر.. وكم أسرة من أسر أهلنا في الصعيد يمكن أن تعول.. لكن عجزت عن إتمام
حسابي.. فلا أعرف كم يبلغ ثمن زجاجة خمر.
كان الضحايا هم المسئولين إذن.. هؤلاء الضحايا التعساء الذين
لم يدفنوا في قبور ذويهم لا يكفون أبدا عن تنغيص حياة السادة .. هم السبب.. لا مجال إذن للتعاطف
معهم.. وكان هذا هو ما يرمى إليه السيد رئيس الوزراء. وكان يمكن لهذا البيان
المقزز أن يمر لولا أن طوفان الحزن الفاجع عند الأمة قد اكتسحه.. و أدرك السادة
حجم الغضب المتقد في قلوب الناس.. فهرولوا مروعين مرعوبين مفزوعين لتغيير
الاسطوانة المقززة.. وصدرت الأوامر إلى التلفاز ليس بإعلان الاحتشام والوقار بل
بمجرد أن يغطى عورته.. وهى أوامر عكس التي صدرت إليه فور الكارثة..
لم يتحرك السادة إلا خوفا وفزعا وهلعا..
لم يكن التحرك
لصحوة ضمير.. بل لامتصاص الغضب.
لم يسأل أحد رئيس الوزراء لماذا بادر بإلقاء اللوم على الضحايا
وكان ما قاله كذبا.. لم يقل له أحد أن الزحام الخانق وتكدس الناس – بشهادة الشهود
– لم يكن يتيح لأحد أن يشعل سيجارة لا موقد غاز..
كان رئيس الوزراء قد ألّف حكاية موقد الغازعلى أساس العملية الحسابية الخسيسة التي
أرادوا بها تقليل حجم الغضب والقاضية بأن كل عربة كانت تحتوى على ستين راكبا مما
يعطى الفرصة لإيقاد الموقد. ولكن الكذبة انهارت عندما ظهر أن كل عربة كانت تحتوى
على عشرة أضعاف هذا الرقم.
لم يسأل أحد رئيس الوزراء أيضا عن سر إشادة الدولة – التي
تعودنا منها الإهانة لا الإشادة – بسائق القطار الذي لم تعلن في نفس الوقت اسمه..
لتصنع من واقعة لا أشك في براءتها من أي ريبة لغما قد ينفجر في أي لحظة لكنها
الحماقة وقصر النظر والخوف على المنصب.. ( لا أحب الاستطراد في هذه النقطة)..
ولم يسأل أحد رئيس الوزراء عن سبب انتشار النار السريع في
عربات معدنية لا يتوقع أبدا أن تسري فيها النار بهذه السرعة.. ولم يسخر أحد من
تصويره الزري البائس لما حدث و إلقائه اللوم على سرعة الرياح التي ساعدت على
انتشار النار من العربة الأخيرة التي ابتدأ فيها الحريق إلى العربات الأخرى.. لم
يقل له أحد أن اتجاه الريح في قطار يسير بسرعة 110 كم في الساعة لابد أن يكون في
عكس اتجاه القطار إلا إذا كانت تلك الرياح إعصارا تتجاوز سرعته 150 كم في
الساعة!!.. و أن اتجاه الرياح قلل من انتشار النار ولم يزدها.
ولم يسأل أحد رئيس الوزراء أين كان عمال العربات.. ولماذا لم يفتحوا
الأبواب.. ولا أحد قد سأله عن هوية المجرم الذي أمر بإغلاق النوافذ بالأسياخ
الحديدية.
أذكر أن أمر الأسياخ الحديدية تلك قد بدأ منذ عشرين عاما..
وكانت هيئة السكك الحديدية قد أعلنت عن مكافأة قدرها عشرة آلاف جنيه لمن يتقدم باقتراح يقضى على ظاهرة
التسطيح على القطارات.. وهى الظاهرة التي يقوم فيها بعض الركاب بتسلق القطار
والركوب على سطحه هروبا من ثمن التذكرة الذي لا يتجاوز جنيهات قليلة لكنه بالقسمة
على خمسة عشر جنيها يشكل ثروة هائلة.. ثروة هائلة تدفع مثل هذا الراكب المسكين إلى
المخاطرة بحياته في سبيلها. وتعددت اقتراحات من طمحوا لنيل الجائزة، وكان منها
اقتراح باستعمال الكلاب البوليسية التي يتكلف الكلب الواحد منها أكثر من تكلفة
مائة أسرة، بل وبلغ الأمر أن مسئولا اقترح إطلاق الرصاص عليهم.. ونشر هذا في
الصحف.
كنت قد نسيت الأمر كله حتى الكارثة عندما وجدت أسياخ الحديد
تلك وقد انحشرت فيها جثث الضحايا المتفحمة والذين حاولوا الفرار فلم يستطيعوا.
وأظن أن إغلاق نوافذ القطار بالأسياخ الحديدية كان الاقتراح الذي فاز بالجائزة.. فقد كان من يصعدون
على سطح القطار يتسلقون النوافذ المفتوحة.
لم يسأل أحد رئيس الوزراء عن أي من ذلك.. ولا عن أسئلة أخرى لم
يتسع لها المجال..
ولا أحد سيسأله أيضا هل تكفى استقالة وزير ومدير..
ولا أحد سيسأله لماذا كل الوزراء فاشلون.. ورؤساء الوزراء كذلك..
ولا أحد سيقول له أن العيب لم يكن في الوزير ولا في المدير و
إنما في النظام كله.. نظام تعود على ازدراء الناس والاستهانة بحياتهم وموتهم كما
تعود دائما على إلقاء اللوم عليهم..
ولا أحد سيقول له أن مفهوم إدارة الدولة عند وزارته –
والوزارات التي سبقتها وتلك التي ستلحقها -
قد تقلص وانسحب وتنصل من مسئوليته تجاه الأمة لتقتصر مهامه على هدف واحد
فقط هو الحفاظ على نظام الحكم.. فلا يحركها إلا ما قد يتهدد ذلك النظام من انفجار
غضب الناس.. ولا تأبه بشيء دون ذلك..
لم يقل له أحد أيضا أن سوء الإدارة قد وصل إلى أنه ليس هناك
مكان في البلاد إلا وهو يحتوى على كارثة كامنة ليس الغريب أن تحدث بل الغريب مع كل
هذا الفساد والاستهتار والممارسة الإجرامية من السلطة في حق الأمة ألا تحدث.
***
كان قلبي يتمزق و أنا أرقب عربات القطار المحترقة والجثث
المتفحمة المحشورة بين الأسياخ.. رأيت وجهى بينها وقد احترق و رأيت قلبى قد تفحم..
وتحول الحادث إلى رمز.. كان القطار فيه هو مصر وكانت الجثث المحترقة المحشورة بين
الأسياخ هي الأمة..
وكان الرمز موجعا..
وكان حقيقيا..
كان الفارق أن المعنى في القطار المحترق قد تجسد.. فيما عدا
ذلك.. فإن الأمة التي نتصور أنها حية تسعى إنما هي محشورة بين أسياخ الفساد والظلم
والقهر والجبروت وقانون الطوارئ وتزوير الانتخابات والقضاء العسكري.. و أن اللهيب
الذي تشعر به الأمة ليس إلا تنويعة أخرى من النار التي احترق فيه ضحايا القطار
وتفحموا..
***
ووجدتني أنصرف عن صورة رئيس الوزراء – فهو بلا قوة ولا حول –
وعن صورة القطار المحترق والجثث المتفحمة المحشورة بين الأسياخ فرأيت الأمة كلها جثث متفحمة ورأيت الوطن
قطارا محترقا له نوافذ مسدودة بالأسياخ..
فتوجهت ببصري إلى صورة الرئيس مبارك متمتما في ألم لا يوصف:
هؤلاء هم رعاياك يا مولاي..
***
السعودية تتخلى عن فضيلتها الوحيدة: الصمت..
طعنة في القلب هي مبادرة الأمير عبد الله الذي ظلت الأمة
تتهامس بقدراته واتجاهاته ضد أمريكا وحماسه الشديد لفك الارتباط معها ونصرة
الإسلام والمسلمين..
طعنة في القلب..
المبادرة إصرار على الإيغال في الخطيئة العربية الفادحة التي
بدأها بورقيبة و أخلص لها الملك حسين
وجاهر بالفحشاء فيها أنور السادات.. وهى إصرار على التقدم في طريق الهزائم
والعار.. وعلى الجهاد بكل وسيلة.. لتجنب الجهاد.
طوال الأعوام الأخيرة تثور الشائعات كل حين و آخر عن أن أمريكا
ترفض أن يتولى الأمير عبد الله العرش بعد أخيه الملك فهد بسبب توجهاته العربية
والإسلامية.. فهل المبادرة هي الثمن والقربان ..
كان المأمول من السعودية أن تفعل أكثر بكثير مما فعلت.. لكنها
التحفت بالصمت.. وكان هذا الصمت هو فضيلتها الوحيدة حين لم تجاهر بالفاحشة
كالآخرين – كمصر على سبيل المثال- ..
لكنها تخلت عن فضيلتها الوحيدة.
أخشى أن هذه المبادرة ستكون وبالا على الأمير .. وعلى المملكة
كلها.. وعلى العالم العربي والإسلامى أيضا .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى
العظيم.
***