من أقوال الصحف العالمية
ترجمة
وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي
mehegazi@yahoo.com
نشرت إندبندنت Independent البريطانية في 22/3/2002 مقالين لكاتبها فيل ريفز Phil Reeves
من الكيان الصهيوني أولهما بعنوان "الشرق الأوسط ينزلق في
اتجاه الحرب بعد الاستهزاء بعرض عرفات للسلام". يقول الكاتب:
انزلق الشرق الأوسط
أكثر في اتجاه الحرب حينما أصر رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون مساء أمس على
ضرورة تجريد الفلسطينيين من السلاح وأعلن عن خطة لإنشاء حواجز تعزل المناطق
الفلسطينية تماما.
وقف السيد شارون موضحا
في خطبة تلفازية لشعبه أنه ما زال مصرا على استخدام القوة العسكرية معلنا أن
إسرائيل لن تهدأ حتى يتم تدمير "شبكة الإرهاب". كان ذلك في أعقاب يوم
قامت فيه القوات المسلحة الإسرائيلية بشن موجة أخرى من الضربات الجوية والأرضية ضد
الفلسطينيين.
كان كلامه لاحقا لمقتل
تسعة من الفلسطينيين في هجمات على غزة والضفة الغربية وبعد سقوط قذيفة صاروخية
داخل مبنى السيد عرفات كجزء من عملية الرد المستمر على ازدياد معدل الهجمات
الفلسطينية وعلى الأخص مقتل ستة جنود بإحدى نقاط التفتيش يوم الثلاثاء.
نادى السيد شارون
ملتمسا وحدة الصف داخل إسرائيل، فهو يواجه لأول مرة منذ انتخابه نقدا ملحوظا من
كافة الاتجاهات السياسية بسبب فشله في إخضاع الفلسطينيين بالإضافة إلى عدد من
الإحباطات التي تحط من قدر الجيش الإسرائيلي.
لابد وأن تكون خطبة
شارون قد أثارت استياء الاتحاد الأوربي الذي يزداد قلقه من عجز أمريكا الواضح عن
إيجاد حل يسيطر على الصراع. أعلن البيت الأبيض بالأمس عن "قلقه الشديد"
بشأن العنف لكنه ظل مفلسا لا يملك أي أفكار جديدة. لقد سقط 50 قتيلا حتى الآن هذا
الأسبوع.
خط السيد شارون عددا
من الشروط التي لا أمل في نجاحها، إن لم يكن لأي سبب فهو لأن القيادة الفلسطينية
تعجز عن تطبيقها حتى لو أرادت. شملت تلك الشروط القضاء نهائيا على التنظيمات
التحتية لما يسمى بالمنظمات الفلسطينية الإرهابية، وهي من وجهة النظر الإسرائيلية
فئة تشمل المجموعات السياسية الرئيسية. والفلسطينيون لا يمكن أن يقبلوا أيضا مطلب
السيد شارون بنزع سلاحهم تماما "قبل تحقيق أي تقدم." لقد أصر على ضرورة
التوقف التام للعنف الفلسطيني كشرط لقبوله التفاوض، وهو مطلب يعتبره المجتمع
الدولي غير واقعي على الإطلاق ويعوق سير الأمور عن عمد. لكن شارون لم يتمسك - كما
كان يفعل في الماضي - بسبعة أيام من الهدوء كشرط لتطبيق خطة ميتشل للسلام. ورفض
إعطاء أية تفاصيل عما سمي بالمناطق العازلة والتي قال أن الغرض منها هو زيادة أمن
الإسرائيليين. وقد اعتبرها الفلسطينيون على الفور خطة لتعزيز الاحتلال الإسرائيلي.
من المتوقع أن تشمل
تلك المناطق العازلة ما سبق الكشف عنه من مقترحات عن عزل القدس بالمزيد من نقاط
التفتيش والخنادق داخل المناطق العربية المحتلة. لم تخدم تلك الإجراءات أي غرض حتى
الآن سوى زيادة عمق الاحتكاك بين الجانبين لأنها تزيد من الحضور العسكري
الإسرائيلي داخل المناطق المحتلة. يرى الفلسطينيون أن تلك الخطوات جزء من مخطط
سياسي طويل الأمد للسيد شارون لتعزيز قبضة إسرائيل على القدس، بما في ذلك القطاع
الشرقي العربي وأجزاء كثيرة من الضفة الغربية.
علق صائب عريقات - وهو
أحد مفاوضي السلام الفلسطينيين السابقين - بعد أن سمع الخطاب "أنا أشد رعبا
عما كنت عليه منذ نصف الساعة. إنها رسالة واضحة بأن السيد شارون يود إخراس صوت
الاعتدال والسلام في إسرائيل."
وبصفة خاصة لم يشر
السيد شارون إلى النداء الذي وجهه السيد عرفات للفلسطينيين قبلا في نفس اليوم
طالبا منهم الالتزام بوقف إطلاق النار الذي أعلنه يوم 16 ديسمبر والذي أعقبته
أسابيع من الهدوء التام. ربما كانت تلك خطوة تكتيكية من الزعيم الفلسطيني الذي
تتهمه إسرائيل بتكرار عدم الوفاء بوعوده. لكن ذلك كان مصاحبا لإعلان من رئيس
مخابرات السيد عرفات بمدينة نابلس بالضفة الغربية عن القبض على ثلاث رجال تتهمهم
إسرائيل باغتيال وزير سياحتها "رشافام زئيفي" في العام الماضي. كان
الوزير اليميني المتطرف البالغ من العمر 75 عاما قد قتل بإطلاق النار عليه من
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثأرا لاغتيال إسرائيل لرئيس الجبهة. كانت مشاكل
السيد عرفات قد ازدادت تعقيدا نظرا للتأييد الشعبي لاغتيال الوزير الذي كان يدعو
للطرد الجماعي للعرب من الأراضي المحتلة. كان ذلك الاعتقال واحدا من شروط السيد
شارون لإنهاء حصار المقر الرئيسي للسيد عرفات والذي حال بينه وبين السفر لحوالي
ثلاث أشهر، لكن السيد شارون قال أن إسرائيل ما زالت بسبيل بحث التقارير عن ذلك
الاعتقال.)
تقرير الكاتب لم يخرج
عما تردد من أنباء في هذا الشأن، وهو يوضح مدى استسلام القيادة الفلسطينية
للتعليمات الإسرائيلية بشأن القبض على المجاهدين الفلسطينيين الذين يقومون بأعمال
"إرهابية" لا يرضى عنها العدو الصهيوني, والسيد عرفات هنا لم يخرج عن
ذلك النمط المتخاذل للعديد من "القادة" العرب الذين قد لا يساوي تقييمهم
كسياسيين ثمن الكراسي التي يصرون على استمرار الجلوس عليها رغم أنف شعوبهم.
أما المقال الثاني
لنفس الكاتب بنفس الجريدة وفي نفس التاريخ فقد كان عنوانه "نقاط التفتيش
الممقوتة تتصدر قائمة الأهداف الفلسطينية". يقول المقال:
(يجمع عرب غزة والضفة
الغربية على مقت نقاط التفتيش الإسرائيلية التي يرونها سببا للإذلال اليومي
والتعاسة الاقتصادية، وتضع الجماعات الفلسطينية المسلحة تلك النقاط على رأس قائمة
أهدافها.
وجه الفلسطينيون ضربة
موجعة للجيش الإسرائيلي حيث قتلوا ستة جنود بنقطة تفتيش بالضفة الغربية وبالأمس
بعد يومين قام مسلح آخر بتوجيه إنذار آخر بأن الميليشيات سوف تركز هجومها على
الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة. صرح الجيش الإسرائيلي بأن المسلح جرح
جنديين وأصيب في مقتل عند نقطة تفتيش قرب طولكرم وأن مسلحا فلسطينيا آخر قد فر
بسيارة.
يرى الفلسطينيون في
نقاط التفتيش - بأبراج مراقبتها ومدافعها الرشاشة - رمزا كريها للاحتلال
الإسرائيلي، وازدادت الكراهية عمقا يوم أمس عندما أردى الجنود بالنار شابا
فلسطينيا عمره 27 عاما عند عائق للتفتيش بين القدس ورام الله. قال الجيش أن
التحقيق قد بدأ في مقتل "وليد الشيخ"، لكن ذلك لم يهدئ من غضب
الفلسطينيين لأن القتل والضرب عند نقاط التفتيش لا يتم التحقيق فيه بجدية من جانب
العسكريين الإسرائيليين وغالبا ما يخلى سبيل الجنود الإسرائيليين دون عقوبة. قام
الجنود عند نفس النقطة في "القلندية" بفتح النيران على سيارة نقل صغيرة
فجرحوا سناء النابلسي وزوجته رندة التي كانت تحمل ابنتها البالغة من العمر 18 شهرا.
عندما بدأت الانتفاضة
منذ 17 شهرا كان معظم العنف يتصاعد حول نقاط التفتيش بالمناطق الواقعة تحت سيطرة
الإسرائيليين والمتاخمة للجيوب الواقعة تحت الإدارة الفلسطينية. قام الجنود بقتل
أو تعجيز مئات الشبان الفلسطينيين بسبب الاضطرابات. تلاشت تلك المواجهات لكن القوات
المسلحة الإسرائيلية قد زادت من عدد نقاط التفتيش داخل الأراضي المحتلة إلى ما
يربو على 100 نقطة لفرض حصار داخلي تسبب في عزل المدن والقرى لشهور. تم إقامة دستة
من نقاط التفتيش حول بيت لحم والقرى المجاورة مدعمة بالخنادق والكتل الخرسانية
وأكوام التراب لفرض الحصار على السكان. أصبحت تلك النقاط الآن أهدافا رئيسية. ذكر
ذلك أحد المسلحين الذين أعلنوا مسئوليتهم عن الهجوم القاتل. قالت كتيبة شهداء
الأقصى أن العملية كانت "ضمن الحرب على نقاط التفتيش إلى أن يتم كسر الحصار
القذر المهين." كان هجومهم أحد أسباب الأعمال الانتقامية الإسرائيلية الكاسحة
يوم أمس، قام المسلحون الفلسطينيون في ذلك الهجوم بذبح حارس وقتل ستة جنود بالرصاص
ثم تمكنوا من الهرب.
قال الفلسطينيون أن
رجلا فلسطينيا اسمه "نصار سالم رنتيسي" ضرب بالرصاص في ساقه ورفض الجنود
السماح له بالعلاج الطبي فنزف حتى الموت عند نقطة تفتيش قرب رام الله. وقال جهاد
ياغي البالغ من العمر 23 عاما أن الجنود في "عين عارق" حاولوا هذا
الأسبوع إرغامه على الزحف تحت سلك بارتفاع وسطه يمتد بعرض الطريق قبل السماح له
بالمرور. قال "إنهم يقومون بإذلالنا وأنا سعيد بذلك الهجوم عليهم."
ما أكثر قصص نقاط
التفتيش بين الفلسطينيين. قامت جماعة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسليم B'Tselem
"
بتوثيق 19 حالة لفلسطينيين قتلوا دون جريرة عند حواجز الطرق، وهناك حالات كثيرة
منعت فيها سيارات الإسعاف الفلسطينية من الوصول إلى المرضى وحالات لفلسطينيين مرضى
ونسوة حوامل منعن من دخول المستشفيات. المشكلة بالنسبة للعديد من الفلسطينيين
تتعلق بالأحوال المعيشية فنقاط التفتيش قد رفعت أسعار البضائع والنقل فالرحلة
لبضعة أميال تستغرق الآن ساعات للدوران حول نقاط التفتيش على الطرق الترابية،
وحواجز الطرق تمنع الطلبة من الوصول إلى مدارسهم وتمنع الكبار من الذهاب للعمل.
يقول الجيش الإسرائيلي
أن نقاط التفتيش تمنع المسلحين وانتحاريي المفرقعات، لكن الدليل على فاعليتها غير
واضح، ويقول الناقدين أن الغضب الذي تولده يدفع بالشعب الفلسطيني إلى التطرف
وتفريخ المزيد من المسلحين المتشددين يوما بيوم. إنها "مصانع لانتحاريي
المفرقعات" كما يقول المحلل الفلسطيني خليل "شقيقي".)
فليغفر لي القارئ
تشويه أسماء بعض الأماكن والأفراد العرب نظرا لنقلها عن الإنجليزية دون معرفة مني
بالأصل العربي. من الواضح أن المقال
قد تعرض لأشياء واضحة لم ترسخ بعد في ذهن القيادة الصهيونية، لكن شراذم الشعب
اليهودي التي خدعها وهم أرض الميعاد فوق أرض فلسطين المسروقة قد بدأ يحس بالثمن
الباهظ لتلك الأسطورة. مرور الزمن يزيد من عمق مقبرة الوعد الصهيوني الأجوف الذي
لن يحققه التأييد الأمريكي الأعمى أو ذلك المخزون الهائل من القنابل النووية بدولة
إرهابية تقاس مساحتها بالأشبار، زرعها الغرب بيننا لإذلالنا وإخضاعنا لسيطرته.
أما جريدة فاينانشيال
تايمز البريطانية فقد نشرت بتاريخ 22/2/2002 مقالا من القدس المحتلة بقلم آفي
ماشلس Avi Machlisيسير على نفس الوتيرة
ويحكي عن مناطق العزل المبهمة التي اقترحها شارون في خطبته التي أراد أن يبدو فيها
كما لو كان جورج بوش صغير آخر. يقول المقال في إحدى فقراته:
(علق صائب عريقات أحد
كبار المفاوضين الفلسطينيين بقوله "أعتقد أن ذلك يعني الاستمرار في احتلال
58% من أرض الضفة الغربية وتعزيز المستوطنات. كانت الخطبة خالية من المادة ومن
الاستراتيجية وهو يحاول إخراس الأصوات الإسرائيلية العاقلة والشجاعة التي تدعو
للسلام والحوار."
قال الرسميون الإسرائيليون أن خطة مناطق
العزل لم توحي بأي تغيير للوضع القائم للمناطق المحتلة أو قبول حدود "الخط
الأخضر" الذي فصل إسرائيل عن الأراضي المحتلة قبل الحرب العربية الإسرائيلية
في 1967. وقال "دور جولد Dore
Gold" أحد مساعدي السيد
شارون أن الهدف هو "خفض عرضة جزء من الوادي الساحلي في إسرائيل لأنواع
الهجمات الإرهابية التي نواجهها" باستخدام عدد من الإجراءات مثل الأسوار
ودوريات التفتيش الخاصة.
وقد حذر كوفي عنان
السكرتير العام للأمم المتحدة - بعد خطبة السيد شارون - من أن خطة أمن إسرائيلية
من طرف واحد لن تساعد على إنهاء العنف بدون أجندة سياسية خاصة تبحث أوجه الخلاف
الأعرض. قال السيد شارون أنه سوف يستمر في محاولة الوصول إلى وقف إطلاق النار
ومقابلة كبار الرسميين الفلسطينيين. وقد اعترف بقلق المجتمع الإسرائيلي من استمرار
الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ونادى بوحدة الصف بينما قال بأن الفلسطينيين يفترضون
خطأ أن زيادة النقاش حول السياسات الحكومية يوحي بأن المجتمع الإسرائيلي ينهار
فقال " إن دولة إسرائيل ليست بسبيل الانهيار والشعب الإسرائيلي أقوي وأصلب
مما يظنون")
وليقل شارون ما شاء له
القول فأرض الواقع تحكي غير ذلك، لأن النقلة النوعية للمقاومة الفلسطينية اليوم
تبث الرعب في قلب المجتمع الصهيوني، والمفاضلة ليست في صف شارون حينما يقارن
الشباب اليهودي بين الرقص في صالات الدسكو بتل أبيب والرقص علي حافة القبر بالأرض
المحتلة. لقد تحول حلم أرض الميعاد إلى كابوس يقلق باعة الوهم من جيل شارون
المنقرض من أبناء عصابات شتيرن والهاجاناه. الزمن في صف أبناء فلسطين البررة والتاريخ
لليهود بالمرصاد، فهم اليوم يصنعون بصلفهم وغرورهم الواثق هتلر الأمريكي الجديد
الذي سينتبه يوما إلى أن ما فعلوه بالشعب الأمريكي لا يختلف عما فعلوه بالشعب
الألماني.
أفردت الجارديان
البريطانية في يومي 21 و22/2/2002 عدة مقالات مطولة عن الموقف الفلسطيني الإسرائيلي
لا يتسع المقام للتطرق إليها كلها. كان أبرزها مقالين متضادين لكاتبين يهوديين
أولهما يدعى "بني موريس Benny Morris" ويعمل أستاذا لتاريخ الشرق الأوسط بجامعة بن جوريون، كان
مدافعا عن الحقوق الفلسطينية غير راض عن تشريد آلاف الفلسطينيين ودخل السجن لرفضه
أداء الخدمة العسكرية بالضفة الغربية، لكنه سرعان ما تحول عن موقفه وتغيرت نغمته
وأصبح رافضا لمبدأ التعايش السلمي بين اليهود والفلسطينيين. جاءت الفقرات التالية
بمقاله الطويل الذي كتبه بعنوان "لا فرصة للسلام":
(أعتقد أن الإشاعة القائلة بأنني قد أجريت
جراحة زراعة للمخ لا أساس لها على قدر ما أذكر، أو أنها على الأقل سابقة لأوانها.
لكن تفكيري فيما يتعلق بأزمة الشرق الأوسط القائمة وبأطرافها قد تغيرت تغيرا جذريا
خلال العامين الماضيين. أتصور أن شعوري يشبه إلى حد ما شعور واحد من المسافرين
الغربيين استيقظ فجأة على الصوت القبيح لهدير الدبابات الروسية تشق طريقها في
شوارع بودابست عام 1956.
إذا تطلعت إلى الوراء في عام 1993 حينما
بدأت عملي عن "الضحايا المستحقين " وكانت إعادة دراسة لتاريخ الصراع
الصهيوني العربي منذ 1881 إلى الوقت الحاضر، أجد أنني كنت متفائلا مع شيء من الحذر
حول احتمالات السلام في الشرق الأوسط. ثم كانت دراستي التدريجية في منتصف
التسعينيات لتاريخ العلاقات الفلسطينية الصهيونية لما قبل 1948 والتي أوضحت لي مدي
عمق واتساع المشاكل والعداوة. لكن الفلسطينيين والإسرائيليين كانوا على الأقل
منخرطين في حديث السلام ومتفقين على اعتراف كل بالآخر ووقعوا على اتفاقية أوسلو والتي
كانت خطوة أولى تبشر بانسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق المحتلة وقيام الدولة
الفلسطينية ومعاهدة للسلام بين الشعبين. بدا الفلسطينيون كما لو كانوا قد تخلوا عن
الحلم والهدف استمر عقودا طويلة بتدمير الدولة اليهودية والحلول مكانها، وبدا كما
لو أن الإسرائيليين قد تخلوا عن حلم "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من
البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن. ولأن العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية هي
جوهر النزاع العربي الإسرائيلي فإن الوصول إلى تسوية سلام شامل بين إسرائيل وكل
جيرانها العرب بدت في حدود الإمكان.)
لاحظ المغالطات اليهودية والزيف التقليدي
لهذا "المؤرخ" اليهودي الذي يكذب ببساطة - شأنه شأن معظم أبناء جلدته من
اليهود - فيقول بأن "إسرائيل الكبرى" تمتد في الخيال اليهودي من البحر
الأبيض إلى نهر الأردن وليس من النيل إلى الفرات كما هو مرسوم على حائط الكنيست
الصهيوني.
يمضي الأكاديمي اليهودي اللئيم يشرح كيف
أتاه اليأس بسبب الرفض السوري المتكرر للعروض السخية من الرؤساء الإسرائيليين
المتعاقبين بالانسحاب من الجولان في مقابل توقيع معاهدة سلام شامل، فيقلل في شرحه
من أهمية الجشع اليهودي والرغبة في استقطاع أجزاء من الوطن السوري عند التسوية
ويدعي أن رفض سوريا للسلام مرده الرغبة المتأصلة في تدمير الدولة اليهودية. كم
يثير هذا الكذب اليهودي القرف والتقزز من هؤلاء اليهود الذين ابتلى الله البشرية بكذبهم
وغشهم.
يمضي الكاتب إلى الادعاء بأن الفلسطينيين
رفضوا عروض التسوية المسرفة في الكرم اليهودي منذ عهد أمين الحسيني مرورا بياسر
عرفات ولا ينسى أن يورد حكمة "أبا إبان" القائلة بأن "الفلسطينيين
لم يضيعوا أية فرصة لتضييع الفرص Palestinians had never missed an opportunity to miss an
opportunity" وكل هذا بالطبع هراء تاريخي فالعرب كانوا
دائما وما زالوا تحت سيطرة حكام من صنائع الغرب وموالين له ينفذون مخططاته
وألاعيبه المباشرة وغير المباشرة.
يمضي الكاتب إلى ترديد الكذبة التي تدعي
حقوقا لليهود وللحركة الصهيونية على أرض فلسطين منذ 3000 سنة، ربما تحولت مع
التضخم اليهودي التاريخي إلى 3 مليون سنة، بل وربما إلى 6 مليون، ذلك الرقم السحري
المحبب إلى نفوس اليهود والذي يحبون العزف على أنغامه.
على أي حال نجد أن الكاتب اليهودي يختتم
أكاذيبه بنبوءة تقول:
(أعتقد أن ميزان القوة العسكرية أو الوضع
السكاني لفلسطين - أي معدلات المواليد غير المتوازنة - سوف تحدد مستقبل البلاد
فإما أن تصبح فلسطين دولة يهودية بدون أقلية فلسطينية ملموسة أو أنها سوف تصبح
دولة عربية ذات أعداد يهودية تتناقص تدريجيا أو أنها سوف تصبح أرضا فانية من
المخلفات النووية لا حياة عليها لأي من الشعبين.)
حتى تلك النبوءة فإنها قاصرة لا تغطي كل
الاحتمالات فالأرجح أن المشروع الصهيوني سوف يفشل وسوف يرحل من اليهود من كان
قادرا على الحركة من ذوي الجنسيات المزدوجة ومعظمهم من الأمريكيين، أما غير
الأمريكيين فربما تمكنوا من الهجرة إلى أمريكا ذات الأرض الواسعة القادرة على تحمل
نفاية الجنس البشري، وسوف تعود فلسطين إلى أهلها بعد تجربة سخيفة زاد عمرها عن نصف
قرن من الموت والدمار، وليقل المؤرخون من اليهود وغير اليهود ما شاءوا لأن التاريخ
له حسابات أخرى لا تهمها خرافة أرض الميعاد الزائف.
تولى آفي شلايم
Avi Shlaim الرد على الكاتب السابق في اليوم التالي 22/2/2002. شلايم كاتب يهودي آخر
من كتاب نفس الجريدة (الجارديان) يتميز بقدرة فائقة على التحليل والاستنباط ويعمل
أستاذا للعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد. أقتطف من مقاله الجزء التالي:
طبقا لرواية "بني" نجد أن تحوله
كان عملية درامية للغاية. لقد تخيل أنه يشعر إلى حد ما كمسافر غربي استيقظ على صوت
هدير الدبابات الروسية تطحن شوارع بودابست في 1956، لكن المقارنة تحوي بلا شك بعضا
من الخطأ. لا يمكن أن يكون بني قد سمع صوت هدير الدبابات الفلسطينية بأي مدينة
إسرائيلية لأنه لا توجد دبابات فلسطينية، ما قد يكون سمعه هو صوت دبابات المركافا Merkava
تغزو المدن الفلسطينية بالضفة الغربية ومعسكرات اللاجئين بغزة في
خرق بالغ الوضوح لسلسلة طويلة من الاتفاقيات التي وضعت تلك المناطق تحت سيطرة
السلطة الفلسطينية. هناك خطأ آخر بسيط في مقارنة "بني" وهو أن
الفلسطينيين في أي تحليل لا يمكن إلا أن يكونوا الضحية بينما تكون إسرائيل القوة
العسكرية العظمى المعتدية المسيطرة. إذا ما كنا بسبيل البحث عن سوابق تاريخية لهذا
الصراع غير المتكافئ لكان الأصوب أن نجدد الصورة الإنجيلية لداود وجالوت David and Goliath.
داود الفلسطيني يواجه جالوت الإسرائيلي.)
يمضي الكاتب إلى مدح ما نشره "بني
موريس" من كتب تاريخية موثقة وكيف أنه أسهم في إيضاح الحقائق ومنها أن
الفلسطينيين لم يهربوا من أراضيهم بمحض إرادتهم أو بناء على تعليمات من قادتهم،
وكيف أن السمة السائدة في كتابته كانت تمسكه بتوثيق ما كتب عنه ساردا الأحداث دون
تدخل بتقييمها فاصلا نفسه عنها في موضوعية بالغة الدقة وضعته في درجة أكاديمية
مرموقة. لكن الكاتب يستمر:
(من المؤسف أن مقال "بني" في
الجارديان لا تعرض أيا من موضوعيته الأكاديمية واستخدامه الدقيق للأدلة . وبدلا من
تقديم الدلائل فأننا نجد أنفسنا أمام مونولوج مطول من رثاء للنفس ملئ بالكراهية
والاحتقار للعرب بصفة عامة وللفلسطينيين على وجه الخصوص.)
يمضي الكاتب محللا ادعاءات موريس العارية من
أي دليل سوى خياله الجامح الذي فقد القدرة على التمييز بين التاريخ والخيال. فيقول
الكاتب أن فشل اتفاقيات أوسلو ليس بسبب عرفات كما يدعي موريس وإنما بسبب استمرار
إسرائيل في بناء المستوطنات غير الشرعية فوق الأراضي المحتلة التي كان من المفروض
أنها جزء من أرض فلسطين المزمع إنشاؤها على 22% من أرض فلسطين الأصلية. يختتم الكاتب
مقاله اللاذع بالعبارة:
(إن استنتاجات "بني" تنتج طبيعيا
من تسجيله القاصر المعيب لتاريخ العقد الأخير وخاصة العامين الأخيرين. لقد استنتج
أن لب المشكلة اليوم هو عدم اعتراف القيادة الفلسطينية بشرعية الدولة اليهودية. أما
الاستنتاج الذي أخرج أنا به من التاريخ كما أعرفه فهو أن المشكلة الأساسية اليوم
هي استمرار الدولة اليهودية في احتلال معظم الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها
في يونيو 1967.
تعترف كل الدول العربية ويعترف الفلسطينيون
بحق إسرائيل في الوجود في نطاق حدود ما قبل 1967. لا أحد منهم يعترف بشرعية
المشروع الاستعماري فيما وراء الخط الأخضر، وأنا معهم كذلك، وهنا أفترق عن
"بني موريس" فتفسيره للتاريخ بعد أن تحول عن طريقه ليس سوى التاريخ
القديم بنزعة انتقامية ولا يمكن تمييزه عن دعايات المنتصر. كان في الماضي يمتلك
شجاعة اقتناعه أما اليوم فإنه يمتلك شجاعة تحيزه.)
هذا هو حصاد هذا الأسبوع يا عزيزي القارئ
ومنه تري حجم الشرخ الذي أصاب الكيان الصهيوني وكيف أن أكاذيبه لا تروج إلا في الإعلام
الأمريكي وتنهار تدريجيا في الإعلام الأوربي رغم سيطرة اليهود عليه. وإلى اللقاء
في الأسبوع القادم بإذن الله.