عائدون
بقلم:
ياسر عبد التواب
إنه النور يشرق من خلف الغيوم ، إنه الأمل يسفر
من بعد اليأس ، إنه الحق يبزغ من
بعد الضلال.
إنها العودة…عودة أمتنا إلى سدة القيادة …وإلى
موقع السيادة ؛ فهي أمة وجدت لتسود ، وقد قال خالقها : {
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر ..{ [آل
عمران: ] ، فإذا أنعم الله
على هذه الأمة بالخيرية فإن هذا
يعني أن مكانها الطبيعي هو قمة الهرم البشري ويعني ذلك أيضًا أن وظيفتها الأولى هي
قيادة البشرية لا بالطغيان في الأرض ولكن بالخير الذي يعم البشر من مسلمين وغيرهم قال
تعالى : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا
بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله
عاقبة الأمور ..} [ الحج 41 ]
قد يقول قائل : إنكم تحلمون….أليست الأمة
تعيش هذا الواقع المر الأليم ؟ ألم تنحدر الأمة إلى أدنى
مستوياتها علميًا وفكريًا وسياسيًا ؟ نقول : لم يغب ذلك عن ذهننا لكننا نرى ضياءً يلوح في الأفق ، ونلمح شعاعًا في نهاية الممر ، فلقد
سقطت كل الأقنعة واندحرت جميع الأفكار، وانهزمت المبادئ والفلسفات، وكان سقوطها
مريعاً حطم كل أفكارها ودمر كل
مبادئها ، ولم يبق إلا الإسلام يكتسب كل يوم أرضًا جديدة بمبادئه العادلة وصفاته
الحميدة وربانية توجيهاته ، موازنته الرائعة بين المادة والروح ، وطلبه للآخرة
بعمارة الدنيا.
وبالرغم من ضعف حال المسلمين وتسلط قوى الكفر
عليهم ، إلا أن ما تعانيه الأمة ليس إلا مخاضًا للولادة وآلامًا للتعافي بعد المرض
؛ فإن المريض إذا أحس بآلامه كان ذلك من علامات الوعي التي تسبق الشفاء ..فإذا
عوفي المريض استطاع تدارك ما فاته مما سبقه إليه غيره ، فالتقدم المادي يمكن
تحييده إذا استخدمنا ما معنا من إمكانات بشرية وفكرية وجغرافية ومادية ونفطية ،
فضلاً عن القوة الروحية التي تمتلكها هذه الأمة وتمتاز بها على سائر الأمم..فيمكن
بذلك تعويض فارق التقدم المادي أو اللحاق به أو كسبه معنا ،وهذا بلا شك يجعل
رؤيتنا للعودة واضحة ، فالله تعالى
أرحم بخلقه أن يتركهم هملاً يتيهون في دنياهم على غير هدى يقول تعالى : {
ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } [ آل
عمران-179 ]
وها نحن نرى مبشرات من دخول طوائف جديدة في الإسلام من مشارق الأرض
ومغاربها لتنضم إلى مسيرتنا بالرغم من كل الاضطهاد وبالرغم من كل المعوقات
والدعايات الباطلة التي يرمي بها أهل الكفر ديننا الإسلامي الحنيف
ولكن استعجال العودة يضر كاستعجال المريض
للشفاء أما الذي ينفع و لا يضر هو
الشوق إلى العودة مع الأخذ بالأسباب ، فلابد من اجتياز مراحل العلاج ، وأولها عودة
الأمة إلى كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم
وهنا ينبغي أن نقف وقفة لنقول : لسنا دعاة تجميل
لواقعنا الأليم فالمرض شديد والجرح غائر
لاسيما مع هذا الانهزام الأحمق لأفكار الغرب والرضوخ لضغوطه والتأثر
لشهواته ودغدغته للغرائز حيث لم يبق
له إلا ذلك المجال ليدخل إلينا منه
،ولهذا نقول : لن تنتصر أمتنا بانسلاخها من مبادئها بل بعودتها إليها ، فهل يعي ذلك شبابنا وفتياتنا الذين ضاعت –وللأسف –
أوقاتهم في المتنزهات والأسواق
وقتلت مواهبهم بالاهتمام
بسفاسف الأمور كالأزياء والزينة و متابعة أخبار الفن والرقص والانهماك في تقليد
أبطال الرياضة ؟؟
لن تنتصر الأمة بالانحسار عن مواقع التأثير
والإعلام،ولا بالتقوقع على الذات وترك مخالطة الناس، وإنما تنتصر بالالتزام الشرعي
المنضبط الذي يحرص على خوض غمار الحياة ودروب العمل بدون تنازل عن مبادئنا
الإسلامية الأصيلة وبدون مهادنة
لباطل أو تمييع لحق.
فنحن أيتها الدنيا عائدون ، إلى الريادة والقيادة لا إلى التكبر والمراءاة ، قال
تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } [ الصافات 171-173 ]