بقلم
: د. بشير موسي نافع
اتخذت
ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش قرارها بالعمل علي اسقاط النظام العراقي علي
الارجح في اجتماع لمجلس الامن القومي في منتصف كانون الاول (ديسمبر) الماضي، اي
مباشرة قبل موسم عطلات نهاية العام وبعد ثلاثة اشهر فقط من احداث الحادي عشر من
ايلول (سبتمبر). القرار بالطبع هو مجرد خطوة اولي ولا يعني بالضرورة ان الطريق نحو
اسقاط النظام القائم في بغداد طريق سهل وواضح المعالم، وهو ما سيتطرق له هذا
المقال بعد قليل. ولكن ما يستحق النظر اولا هو السرعة التي انتقلت بها الادارة
الامريكية من الحرب علي افغانستان الي التخطيط لحرب محتملة علي العراق. تدلل هذه
السرعة بوضوح الي ما اشرت له في الاسبوع الماضي من ان الرئيس بوش ومجموعة الصقور
المتحكمة في القرار الامريكي قد اعلنوا الحرب ليس علي الارهاب فقط، بل علي النظام
العالمي كله. بل يمكن القول ان مسألة الارهاب (الذي هو ظاهرة لا يمكن معالجتها
بالحروب) هي في الحقيقة مسألة صغيرة في التصور الامريكي الجديد للسياسة الخارجية
والنظام الدولي.
ليس
المقصود هنا القول بأن واشنطن ليست في حالة حرب ضد الارهاب. لا، فالحقيقة ان هناك
عملا امريكيا واسع النطاق قد بدأ فعلا ضد كل ما تعتبره الادارة الامريكية ارهابا.
ولكن هذا العمل ليس هو مربط الفرس في السياسة الامريكية الجديدة، هذا العمل هو في
الحقيقة مسوغ مناسب (قدمته مجموعة من الاسلاميين قصيري النظر) لاهداف اكبر من
القضاء علي القاعدة ومحاربة جماعة أبو سياف ومطاردة حفنة من المسلحين في الصومال.
الهدف الاكبر الان هو ادخال العالم في حالة من الطوارئ حيث يمكن ان تحل مسائل
الحرب والامن والاستعدادات العسكرية محل الاولويات الحيوية لعالم اليوم من بيئة
وتجارة عادلة ونقل التكنولوجيا وفقر وتعامل مع مناطق التوتر المتفجرة. في مثل هذا
الوضع ستقود الولايات المتحدة العالم من فوهة البندقية وابراج حاملات الطائرات،
ويصبح علي الاخرين السمع والطاعة وتقديم الدعم والعون والتسهيلات لقوي الجيش
الامريكي المنتشرة في انحاء العالم بحجة استعادة الامن وتحقيق العدل.
قبل
افغانستان، مثلا، كانت الولايات المتحدة هدفا لهجوم دولي واسع النطاق لرفضها
التوقيع علي اتفاق اقامة محكمة جنائية دولية دائمة وعلي اتفاق حماية البيئة. بعد
افغانستان اصبح بامكان الولايات المتحدة ان تتنكر لكل الاتفاقات الدولية الخاصة
بالحرب وتضع المئات من اسري الحرب الافغانية في معسكرات اعتقال بشعة، ترفض
اعتبارهم اسري حرب، وتخطط لاخضاعهم لمحاكمات عسكرية.
بيد
ان اختيار العراق هدفا اساسيا بعد افغانستان يحمل في حد ذاته دلالات خاصة به،
دلالات تتعلق بالتسارع الهائل في اضطراب العلاقة بين الاسلام والولايات المتحدة
الامريكية. ان احدا لا يمكنه ان يتجاهل بداية تبلور توجه امريكي ـ غربي استراتيجي
ضد الاسلام وضد العرب. ليس هذا تقديرا مجانيا سريعا ولا يقصد به تهييج العواطف بل
هو تقدير يستهدف قراءة دقيقة وموضوعية للموقف. لقد عملت اوساط عديدة، امريكية
وامريكية ـ يهودية متصهينة واسرائيلية ذات نفوذ في الولايات المتحدة، منذ مطلع
التسعينات من اجل تأجيج العداء الغربي ضد الاسلام والمسلمين، ومن ثم اطلاق حالة من
الصراع الشامل بين الطرفين. في ظل هذا العداء وحالة الصراع التي قد يولدها ستجد
الدولة العبرية امنها وامانها الاستراتيجي وستؤكد من جديد موقعها ودورها التحالفي
مع الولايات المتحدة الامريكية والقوي الغربية الرئيسية، خاصة وان عقد التسعينات
وعملية السلام قد وضعت الدولة العبرية امام خيارات حاسمة بالنسبة لحجمها ودورها
وموقعها في المشرق والعالم ككل. بشكل من الاشكال، نجحت هذه القوي فعلا في تحقيق
هدفها. نجحت اولا في تحضير مناخ ثقافي ـ سياسي في الغرب لديه القابلية لاستقبال
موضوعة الخطر الاسلامي، ثم نجحت في الوصول الي مواقع بالغة التأثير في ادارة
امريكية ليست صهيونية التوجه اصلا، كما في الاوساط القريبة من الادارة. كان الجميع
بانتظار الفرصة المناسبة لاطلاق صفير الحرب ضد الاسلام، وجاءت احداث ايلول
(سبتمبر) الماضي لتوفر المسوغ الاكبر لهذه الحرب.
ان
مقالة مارغريت ثاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، في نيويورك تايمز قبل
اسبوعين لم تأت من فراغ. ثاتشر هي اكثر رؤساء الوزراء البريطانيين السابقين تأثيرا
منذ تشرتشل، وتربطها علاقات وصلات حميمة بدوائر الحرب الدائمة في الحزب الجمهوري
وفي الدوائر التي جاء منها وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد ونائبه بول
وولفووتز واصدقاؤهما في مراكز الدراسات والبحوث ذات التأثير علي الادارة الامريكية
الحالية. في مقالتها، كتبت ثاتشر بوضوح حول اعتقادها بالتماثل بين الخطر الشيوعي
علي الغرب ابان الحرب الباردة والخطر الاسلامي Islamism داعية الي اعلان الحرب علي الاسلاميين.
وقد
سبقت مقالة ثاتشر تصريحات ساذجة، ولكنها بالغة العداء ايضا، لوزير العدل الامريكي
حاول فيها تحديد الفرق بين الاسلام والمسيحية، واصفا الاسلام بالعدوانية والتحريض
علي القتل والموت. وهناك عشرات المثقفين والكتاب الامريكيين، يعتبر بعضهم من أبرز
الاسماء في الساحة الثقافية وتربطه علاقات وثيقة بدوائر صنع القرار، يساهمون الان
في تأسيس ارضية ايديولوجية للحرب ضد الاسلام، بغض النظر عن جهل الكثير منهم بتاريخ
الاسلام وثقافته . يضاف الي هذا كله سلسلة من القوانين والتشريعات التي اقرت مؤخرا
في اغلب الدول الغربية للتضييق علي العمل الاسلامي، اعادة النظر في قوانين الهجرة
من اجل تقييد هجرة المسلمين الي الدول الغربية واعتقالات بالجملة لكل من يشتبه
بنشاطه الاسلامي. شيئا فشيئا، وسواء في دوائر الثقافة او السياسة او القانون،
تختفي الحدود الفاصلة بين المقاومة والارهاب ويتسع نطاق التصدي لكل ما هو اسلامي،
من العمل السياسي والخيري الي التعليم والثقافة. باختصار شديد، كل من يتجاهل حقيقة
ان تحول الحرب ضد الارهاب الي استراتيجية امريكية للعلاقات الدولية يحمل في احد
اهم ابعاده حربا ضد الاسلام سيخطئ خطئا بالغا في قراءة التطورات اللاحقة.
بيد
ان الحرب ضد الاسلام وتدمير مصادر الخطر المتوهمة في اوساطه ليست حربا سهلة. يعرف
دعاة هذه الحرب في واشنطن وحلفاؤهم في اوروبا ان الوضع الاسلامي يختلف اختلافا
جوهريا عن المنظومة الشيوعية، فليس هناك من دولة اسلامية قائدة كبري كالاتحاد
السوفييتي ولا كومنترن ولا احزاب شيوعية، كما ان الاسلام دين وعقيدة لملايين من
مواطني الدول الغربية ذاتها وليس ايديولوجية شمولية يمكن تقويض نفوذه بنعوت الشر
واسلحة الحرب الاعلامية والفكرية كما كان الحال مع الشيوعية. ان من الصعب الادعاء
بوجود تصور واضح ومكتمل لدي صناع القرار الامريكيين حول الابعاد والكيفية التي
ستكون عليها حربهم القادمة، بل ان تصريحات المسؤولين الامريكيين تصب جميعها في
خانة عدم الوضوح وعدم اكتمال الرؤية. ولكن هناك، علي اية حال، درجة من الوضوح تكفي
لتحديد بعض ملامح هذه الحرب.
في
الحالات التي لا يمكن فيها شن حرب عسكرية تقليدية والتي تفشل فيها الاغراءات
والضغوط السياسية، وهو ما قد ينطبق علي حزب الله وحماس والجهاد، ستلجأ الولايات المتحدة
الي الحرب الاستخباراتية بالتعاون مع حلفائها وخاصة الدولة العبرية، او الي
استهداف الدول الداعمة والمؤيدة لهذه القوي. ثمة حالات ستواجه استخباراتيا وسياسيا
ولكن بشكل غير مباشر، مثل العديد من الجمعيات والهيئات الاسلامية الخيرية
والثقافية، خاصة تلك النشطة في العالم العربي. هناك حالات اخري ستواجه مواجهة
عسكرية، سواء بشكل مباشر او غير مباشر كما في الفلبين ودول اسيا الوسطي. وستلجأ
الولايات المتحدة الي المواجهة العسكرية ضد دول وانظمة ايضا مثل العراق، وربما
ايران والسودان بعد ذلك. وعلينا ان نفرق دائما بين ما تدعيه الاوساط الامريكية
وبين حقيقة الامور فيما يتعلق بمبررات الحرب.
ان
استهداف نظام او دولة ما لا يعني بالضرورة ان هذه الدولة تمثل خطرا فعليا علي
المصالح والسياسات الامريكية، او انها ذات علاقة بالارهاب او تهدد الامن الامريكي.
ففي حين يمكن الجدل حول ما تشكله ايران من تهديد للمصالح الامريكية في الشرق
الاوسط، آخذين بعين الاعتبار علاقة ايران بالاسلاميين الفلسطينيين وحزب الله
والتحالف الامريكي مع الدولة العبرية، فان احدا لا يمكنه القول بان العراق او
السودان يمثلان تهديدا ما، لا سياسيا ولا تسليحيا. بل ان الدلائل تشير الي ان
بغداد والخرطوم علي استعداد دائم وكبير، ومنذ عدة سنوات، للتوصل الي تفاهم مع
الحكومة الامريكية حول كل المسائل العالقة. فلماذا اذن هذا الاستهداف الامريكي
للنظام العراقي وهذا النشاط الامريكي الايديولوجي والاعلامي الهائل لوضع بغداد في
موقع لم ترده، لم تسع اليه، ولا ترغب في ان تكونه؟
حرب
امريكية جديدة ضد العراق، تنجح في النهاية في اسقاط النظام واستبداله بنظام حليف
لواشنطن، ستمثل ضربة معنوية هائلة للقوي المناهضة للنفوذ الامريكي في العالمين
العربي والاسلامي. ليس هذا بالطبع لان هذه القوي تعتبر حليفة للنظام العراقي، وهي
في اغلبها ليست كذلك، بل لانها تعارض النفوذ الامريكي في المنطقة. والاهم ان
انتصارا امريكيا في العراق سيؤكد للجميع، للاوروبيين كما للعرب والمسلمين، ان
الارادة الامريكية لا ترد وان من العبث الوقوف في وجه هذه الارادة. انتصار امريكي
في العراق سيقدم دليلا جديدا علي امكانية تحقيق الهيمنة الشاملةFull Spectrum Dominance
التي تبرز باعتبارها المبدأ الحاكم لسياسات مجموعـــــة وزارة الدفاع الامريكية
بقيادة دونالد رامفسيلد. الهدف الاخر هو النفط وما تشير له الدراسات من احتياطي
نفطي عراقي هائل. الشيء الاكيد ان هذه الحرب لا علاقة لها بالديمقراطية ولا حقوق
الانسان. ولكن هناك هدفا اخر هو ايران.
اذ
يدرك الساسة الامريكيون ان هجوما عسكريا مباشرا ضد ايران سيكون مغامرة محفوفة
بالمخاطـــــر واحتمالات الفشل. فان امكن احاطة ايران بانظمة حليفة للولايات
المتحدة في افغانستان والعراق، ناهيك عـــــن تركيا، فان ايران ستتلقي هزيمة
استراتيجية فادحـــة بدون ان تطلق الولايات المتحدة الامريكية ضدها طلقة واحدة.
لا يعني هذا كله ان المخطط الامريكي ضد
النظام العراقي سهل التحقيق. لقد استدعت الادارة الامريكية مؤخرا عشرات الضباط
العراقيين المعارضين للتشاور في واشنطن، كما ان بعضا من قادة المعارضة يرسمون
سيناريوهات زاهية لاصدقائهم في واشنطن. النظام العراقي، فوق ذلك، لا يتمتع بدعم
شعبي واسع، كما ان الانظمة العربية المعارضة لحرب امريكية جديدة في العراق، مثل
مصر وسورية، لا تحتفظ بالضرورة بود كبير للنظام الحاكم في بغداد. ولكن هذا كله لا
يعني ان المهمة الامريكية ستكون سهلة. ان ايقاع الهزيمة بالآلة العسكرية العراقية
ليس مطلبا ممكن التحقق بدون تدخل امريكي مباشر وكثيف. وحدها القوي الكردية والقوي
المرتبطة بايران تمثل وزنا عسكريا يمكن الاعتماد عليه، ومشاركة هذه القوي ستجد
معارضة من انقرة وتعزز من دور ايران المستقبلي في الشأن العراقي.
هذه
المرة لن يكون هناك جيش مصري او سوري لتقديم الغطاء للقوات الامريكية وليس ثمة من
كويت محتلة لتؤمن رأيا عاما دوليا مؤيدا. خلال الشهور القليلة الماضية، عندما
يتوافد المسؤولون الامريكيون علي العواصم العربية للحصول علي موافقتها ودعمها لغزو
العراق، سيلوح امام ناظري كل زعيم عربي مشهد بالغ الهول، مشهد الدبابات والقوات
الامريكية في شوارع بغداد.