مبادرة الامير عبدالله بين الموقفين العربي والغربي

 

بقلم : د. يوسف نور عوض

 

نحتاج في البداية الي التفريق بين الاسلوب العربي والاسلوب الغربي في إدارة الازمات، فالملاحظ بصفة عامة أن العرب نادرا ما يهتمون بالأهداف او الجوانب الاستراتيجية وربما لأسباب ثقافية فإن إهتمامهم يتركز في معظم الاحوال علي الجوانب الاخلاقية حتي لو كان ذلك علي حساب الحقوق، وليس ذلك شأن العقل الغربي الذي تسيطر عليه البراغماتية والنزعات الذرائعية.إذ يلاحظ أن العالم الغربي نادرا ما يهتم بالجوانب الاخلاقية، فهو يحدد دائما سقوفا عالية للاهداف حتي يتم الخلاف حولها ثم تبدأ بعد ذلك سلسلة التنازلات من أجل أن يصل الغربيون الي السقف الذي حددوه سلفا ويعتبرون ذلك درجة عالية من التنازل، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد بل يكمل الغربيون في العادة اهدافهم بوضع صياغات غامضة لتلك الاهداف يختلف حولها مستقبلا كما هو الشأن في القرار 142 حيث شكلت كلمتا اراض والاراضي جوهر الخلاف في اللغة العربية، مع ان الكلمتين في اللغة الانكليزية لهما مغزي واحد.

وإذا طبقنا هذا الواقع علي مجمل الاتفاقات التي وقعها العرب مع الغربيين واليهود خرجنا بنفس النتيجة بدءا باتفاقات كامب ديفيد وانتهاء بتقرير ميتشيل وتفاهمات تينيت.

وإذا نظرنا الي إتفاقات كامب ديفيد التي حاول السادات أن يوهم العرب بانها حققت لمصر ما لم تحققه الحرب، ويلومهم علي انهم لم يتبعوا طريقه تبين ان كل ما قاله السادات لا اساس له من الصحة وان كل الذين يلوحون بعبقريته لا يقفون علي أرض صلبة، ذلك ان السادات الذي أخرج مصر من خط المواجهة العربية مع اسرائيل وكشف ظهر القضية الفلسطينية لم يستطع أن يسترجع سيناء كما يدعي حيث ما تزال سيناء حتي يومنا هذا محظورة علي القوات المصرية ولا تستطيع الحكومة المصرية أن تتحرك فيها بحرية، فأي استرجاع يشير إليه الرئيس السادات؟

وفي هذا الاطار تأتي المبادرة التي أطلقها الامير عبدالله ولي العهد في المملكة العربية السعودية، وهي المبادرة التي رحبت بها الدوائر الامريكية والاسرائلية واعتبرها كثير من القادة العرب خطوة جريئة ويمكن اتخاذها أساسا لتسوية القضية الفلسطينية. وتأتي هذه المواقف قبل انعقاد مؤتمر القمة المقرر عقده في بيروت الشهر القادم مما يؤكد أن مبادرة الامير عبدالله سوف تحظي بدعم كامل من الرؤساء العرب والدوائر الاجنبية.

والسؤال هو ما الجديد الذي طرحه الامير عبد الله؟ الاجابة هي ان الامير عبد الله اكد علي المطالب الفلسطينية المشروعة وهو ما ظلت ترفضه اسرائيل بصورة مستمرة وتدعمها في ذلك الولايات المتحدة، فما الذي يجعل مبادرة الامير عبدالله في هذه المرة تكتسب أهمية خاصة وما الذي يرجي من اسرائيل في ضوء سياساتها المعروفة؟

الجديد في الامر دخول المملكة العربية السعودية كطرف فاعل في حل القضية الفلسطينية. ولا يعني ذلك ان السعودية لم تكن تقوم بدور فاعل من قبل، ذلك ان مواقف السعودية في تقديم الدعم المادي للفلسطينيين غير مسبوقة كما ان مواقف الملك فيصل معروفة في قطع النفط وتقديم الدعم لدول المواجهة بعد حرب عام 1967 وكذلك إعلان رغبته في الصلاة في القدس.ولكن المملكة العربية السعودية بسبب تقاليدها التي استنتها لنفسها وفرضتها ظروفها الخاصة كانت تبتعد عن المواقف العامة والخلافات الدولية العلنية وهو موقف يعرفه كل الذين تعاملوا معها من قبل ويقدرون لها هذا الجانب الخاص بها. غير ان الحرب ضد الارهاب فرضت واقعا جديدا وربما هو الذي جعل المملكة العربية تنهج أسلوبا جديدا في التعامل الدولي وهذا من حقها ويجب الا يفسر بأكثر من ذلك، ولكن ذلك لا ينفي ان المواقف من القضايا العربية العامة وفي مقدمها القضية الفلسطينية حق عربي عام ولا بد أن يخضع للنقد والتحليل. وفي نظرنا منذ البداية أن التعامل الفعال مع العالم الغربي يجب ان يبدأ من سقف أكثر قوة وصرامة ويشبه الي حد كبير المواقف التي كان يتخذها الرئيس جمال عبد الناصر من الغرب واسرائيل، ذلك انه في الوقت الذي كان الرئيس عبد الناصر يدعو الي تدمير اسرائيل او القائها في البحر كان اقصي مطمح اسرائيل ان تجلس مع دولة عربية واليوم وهي تري الدول العربية تتهافت نحو التطبيع معها، فإنها تتنكر لكل الشرائع والمقدسات الانسانية وتجيز لنفسها القتل وسفك الدماء دون حسيب او رقيب وتقف الدول العربية كلها في موقف العجز غير قادرة علي أن تفعل شيئا، وبالتالي فإنه علي الرغم من تظاهر اسرائيل بإهتمامها بالمبادرة السعودية فإن أقصي ما تنظر إليه هو ان يتبني مؤتمر القمة في بيروت الموقف السعودي وان تفتح حوارا جديدا مع المملكة العربية السعودية حتي تكون هي ومصر أهم أضلاع المثلث العربي علي وفاق معها وهو ما يجعلنا في الواقع نتوقف عند المبادرة السعودية لنري الدوافع التي تنطلق منها.

وفي البداية لا بد لي أن أن انوه ان كثيرا من الكتاب في العالم العربي وخاصة الكتاب الذين يكتبون في صحف يمولها رأس مال سعودي يتحفظون كثيرا في كتاباتهم في كل امر يتعلق بالمملكة العربية السعودية، وهم في الواقع لا يسدون من خلال هذا المسلك خدمة حقيقية للمملكة العربية السعودية، ذلك ان النقد القائم علي الحب اكثر فائدة من الاطراء القائم علي المصلحة، وأعتقد أنه في هذه المرحلة التي تتعرض فيها المملكة لهجمة شرسة من الولايات المتحدة فإن الواجب يحتم علي جميع العرب أن يقفوا لمساندة المملكة، ذلك أن المملكة ليست كما تحاول ان تصورها الصحافة الصهيونية، في الولايات المتحدة الامريكية فهي ليست دولة تديرها منظمة سرية، كما ليست المملكة دولة تنعدم فيها الجرأة كما قال توماس فريدمان في مقاله الاخير عندما زعم انه التقي في المملكة العربية السعودية بنوعين من البشر، الاول مجموعة من الناس المغلقين عن ثقافة العصر ويريدون ان يعيشوا في مجتمع مغلق، والثاني مثقفون يتحدثون بالحقيقة سرا، وهذا الموقف اكده من قبل موردخاي آبير في كتابه السعودية في عصر النفط وهو الكتاب الذي حاول ان يؤكد فيه نظرية المنظمة السرية التي تحكم السعودية التي تتكون من الاسرة الحاكمة والعلماء من الشيوخ والتي تواجه في الوقت الحاضر جيلا جديدا من النخب المثقفة والاقليات الدينية من الشيعة في شرق البلاد وكل ذلك يدل علي عدم فهم لطبيعة المجتمع السعودي والطريقة التي يحكم بها ومحاولة إقامة التوازن بين الحداثة والتراث الذي تعيش عليه المملكة العربية السعودية، وكنا فصلنا في مقال سابق مظاهر التحديث في المملكة العربية السعودية والاسباب التي تحول دون اتخاذ خطوات جريئة من اجل تغيير الواقع بشكل درامي وتلك مهمة يبدو أن الامير عبدالله مهيألها خاصة وهو الامير الذي دعا الي الانفتاح الاقتصادي في المملكة وقام بجولة واسعة من أجل تحقيق هذا الهدف، وهو الذي وجه رسالة شديدة اللهجة الي الرئيس بوش يخبره فيها إن المملكة لا يمكن أن تصبح رهينة في يد الولايات المتحدة انطلاقا من فهم الامير أن ما يربط المملكة بالولايات المتحدة هو المصالح وليس العمالة التي لا تحتاج المملكة لان تقدمها للولايات المتحدة وهي الراعية للأراضي المقدسة والحامية للأسلام ومقدساته علي أراضيها، ولكن ذلك كله لا يجعلنا نتجاهل الحقائق السياسية وما تتطلبه من حنكة في تحقيق الاهداف، وهو الذي يفسر تصرف المملكة الاخير في سياقه الصحيح. ودعنا الان ننظر في بعض المواقف التي استجابت لنداء الامير عبدالله لنعرف امكانات فرص النجاح لهذه المبادرة الجديدة. وفي البداية نتوقف في اسرائيل عند تصريح يوسي بلين الذي يعتبر أحد مهندسي السلام، فقد ذكر بلين أن مقترحات الامير عبدالله التي تدعو الي التطبيع مع اسرائيل في مقابل الانسحاب من الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967 سيكون مقبولا للرأي العام في اسرائيل علي حد قوله، ويري أن المبادرة السعودية هي أهم تطور في الشرق الاوسط منذ عام ألفين وذلك بالنسبة لاهمية الامير عبدالله في هذه المنطقة وخروجه علنا للقول إنه يساند مبدأ التطبيع.. ووجدت المبادرة استجابة أيضا من الرئيس الاسرائيلي موشي كاتساف وفي الوقت الذي يؤيد فيه شمعون بيريس المبادرة ويعتبرها مثيرة فإن أرييل شارون الذي بيده الامر يبدي حذرا من المبادرة وذلك حتي يخلص نفسه من رد الفعل المباشر تجاهها. ويقول خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي إنه سيجتمع مع الامير عبدالله لبحث هذه المبادرة وهكذا تتفاعل المبادرة في أوروبا وفي داخل اسرئيل وفي الولايات المتحدة ولكن هل يعكس كل هذا الاهتمام رغبة حقيقية من اجل الخروج من المأزق أم ان الامر في النهاية لا يعدو كونه تجييش موقف عربي ودولي من اجل تحقيق المصالح الاسرائيلية، ذلك ما يجب ان تتعامل معه المبادرة السعودية بحذر بكون موقف المملكة العربية السعودية هو آخر المواقف القوية التي يمكن أن تلعب بها الامة العربية بعد أن رفعت كل دول المواجهة راية الاستسلام ولم يعد عندها ما تستخدمه من أجل تقوية الموقف العربي، وفي ضوء ذلك يجب أن تفهم اسرائيل أن العالم العربي لا يقدم لها تنازلات مستمرة وإنما هي خيارات توجد بدائل لها إذا ما أصرت اسرائيل علي مواقفها.

ولا يصرفنا كل ذلك عن التوقف للنظر في المبادرة السعودية من جوانب موضوعية تغلب كل الاحتمالات، والاحتمال الاول هو أن السعودية تعتبر الطرف المناسب في هذه المرحلة لطرح مثل هذه المبادرة، بعد أن توقفت سائر الاطراف العربية الاخري ومنها مصر وسورية والاردن عن طرح المبادرات، ولكن مبادرة تحمل طابعا عربيا شاملا كانت تستوجب المزيد من الاتصالات مع الجوانب العربية قبل إعلانها، ذلك أن اتخاذ القرارات الكبري من هذا المستوي من خلال مؤتمرات القمة التي لا تخضع قراراتها للدراسات الجادة ربما لا يكون مناسبا، وربما يوجه رسالة خاطئة الي اسرائيل علي أن مثل هذه المواقف إنما تصدر من حالة ضعف عامة تنتظم العالم العربي، والاحتمال الثاني هو أن العالم الغربي بعد أن رصد التدهور في العلاقات السعودية الامريكية يريد أن يوظف هذا الوضع من أجل إعادة السعودية الي وضعها السابق بعد ان تقدم تنازلات بمستوي التطبيع مع اسرائيل، ولكن هذا الطريق، أيضا محفوف بالمخاطر. خاصة وأنه لا توجد استجابة من الجانب الاسرائيلي في ما يتعلق بالجوانب السياسية التي تحتم استمرار الصراع العربي الاسرائيلي ومنها مسألة الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة والقدس وحقوق اللاجئين.

والاحتمال الثالث هو محاولة غربية لدق إسفين بين مصر والمملكة العربية السعودية، بكون المبادرة السعودية تعطي الرياض دورا كانت تستأثر به مصر في ما سبق. ويظهر التخوف جليا في التصريحات التي أدلي بها وزير الخارجية المصري أحمد ماهر.

ولكن هذه الاحتمالات كلها تتلاشي إذا ما نجح سولانا في بلورة مبادرة سعودية أوروبية تكون بمثابة مواجهة حقيقية للإنحياز الامريكي لدولة اسرائيل. عندها سيدخل المعادلة طرف قوي ومؤثر وستظهر النوايا الاسرائيلية الحقيقية، وحتي ذلك الوقت فإن المطلوب من الدول العربية أن تقف بحذر شديد وألا تتخذ أي قرار يكون فيه مزيد من التنازل لاسرائيل دون أن يكون هناك التزام حقيقي من الجانب الاسرائيلي بحل سائر القضايا المعلقة بينها وبين الدول العربية، وفي كل الاحوال فإن الدول العربية لا تتبع حتي الان أسلوب التفاوض الصحيح ذلك أن الطرف الذي يبحث عن حقوقه لا يقدم مبادرات التنازلات وإنما يتخذ المواقف الصارمة التي تجبر الطرف الاخر علي تقديم التنازلات. والسؤال الذي يتبادر الان هو هل يعني الحماس الذي يظهره الغرب للمبادرة السعودية انه لم يكن يري في الماضي الحقوق العربية وفجأة بدأ هذا العالم يري الحقيقة واضحة من خلال هذه المبادرة؟ الحقيقة هي أن العالم الغربي غير معني بالحقوق الفلسطينية التي تم التعبير عنها في سائر القرارات الدولية والاتفاقات مع الجانب الاسرائيلي. ولكن الغرب معني بشيء واحد هو التطبيع الكامل مع اسرائيل دون أن ينال العرب حقوقهم. هذا هو أسلوب الغرب في التعامل، أما التأييد الذي يصدر من الحكام العرب الذين لم تكن لهم مواقف صلبة في الماضي فغير مهم. ومؤدي القول أنه إذا أريد لمبادرة الامير عبد الله أن تنجح فيجب أن يكون هناك موقف اسرائيلي واضح قبل التزام العرب بها.