رسالة مفتوحة إلى سمو الأمير عبدالله

 

 

سيدي.. سمو الأمير

تحية عربية عطرة وبعد

 

كل عام وأنتم بخير أولا، بمناسبة عيد الأضحى السعيد الذي نتمنى أن يمر كل عام عليكم وعلى أمتنا العربية وعلى أهلنا تحت الإحتلال الصهيوني بخير وحرية وهدوء وسعادة.

 

قرأنا قبل عدة أيام ما نشرته صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، عن قول سموكم أنكم كنتم ستدلون بتصريح يفيد أن الدول العربية ستبادر إلى تطبيع كامل مع الكيان الصهيوني (الذي سميتموه إسرائيل)، في حالة انسحابه  إلى حدود عام 1967. لقد قرأت مثل غيري ما قلتموه للصحيفة، وتأملت به كثيرا..  ولأنني أعتقد أننا تحت عصا واحدة، بل محنة واحدة، قررت أن أكتب لسموكم هذه الرسالة المفتوحة..

 

ولأنني مطلع على أكثر من موقف لسموكم في هذا المجال، فقد كنت ميالا إلى اعتبار تصريحكم، فعلا من أفعال المناورات السياسية التي يحتملها وضع الصراع العربي الصهيوني أحيانا ما دامت لا تقترن بفعل يحولها إلى واقع..

 

في البداية أخبركم أنني احد المواطنين العرب المقاومين للتطبيع مع العدو الصهيوني.. (وفي علم الإقليمية العربية فإنني لست فلسطينيا أيضا)، وأعتقد أن مشاغل سموكم تجعلكم في غنى عن أن تعرفوا أكثر من ذلك عني..

 

سمو الأمير

حاشا أن أشكك في فهمكم لتركيبة الكيان الصهيوني وأسباب مجيئه إلى المنطقة.. وأخطار استمرار وجوده منتصرا فيها..

 

ولكنني وبعد إذنكم.. أود لو أذكركم ببعض الحقائق والبديهيات حول هذا العدو وحول الصراع معه، عساها تؤدي إلى التمهل قليلا قبل اتخاذ قرار بالدعوة أو التلميح إلى احتمال إقامة أي نوع من العلاقات الطبيعية مع مثل هذا العدو..

 

صحيح أن هناك عالما خارجيا غير عربي، يفهم الأمور بطريقة غير طريقتنا، ومصالحه تتعارض مع مصالحنا نحن العرب، وعلاقاتنا متداخلة معه تداخلا كبيرا غير قابل للفك..

 

ولكن هذا العالم، وبشكل خاص الجزء الأمريكي منه، هو عالم منحاز تماما إلى الكيان الصهيوني، وقد عبرتم أنتم أنفسكم عن ذلك في تصريحات ومواقف سابقة، وهي تصريحات تقدر وتثمن لكم، لأن الكثيرين من المسؤولين العرب لم يجرؤوا أن يقولوها، رغم أن علاقاتكم أنتم مع أمريكا وثيقة وقوية أكثر من أي واحد منهم!!

 

وصحيح أن هناك 11 أيلول (سبتمبر) الذي أنتج نوعا خاصا من العلاقات بين الدول والحكومات، وتمخض عن وحش أمريكي هائج، تعتقد معظم الحكومات أن التعامل معه يجب أن يكون دقيقا ومدروسا، وهو وحش ذو علاقات شبه اندماجية مع العدو الصهيوني!! وصحيح أيضا أن هذا الوحش أصبح يتصيد أية فرصة أو مناسبة للإنقضاض بأسلحته وقنابله ومؤامراته على كل ما هو عربي أو إسلامي لا يسير في ركابه!! وأنه من القوة بحيث يصعب كبح جماحه.. وصحيح أن مثل هذه الظروف قد تنتج مناخا يستوجب المناورات السياسية.. 

 

ولكن ما يجب أن نقوله وننبه له، هو أن طريق التطبيع مع الكيان الصهيوني هو طريق ذو اتجاه واحد، تصعب العودة منه.. بل تستحيل العودة منه.. لأنه ومنذ بداياته، تتشابك فيه الخيوط ولا يمكن أن يظهر في عتمته الخيط الأبيض من الأسود..  وتتلاشى فيه القيم وتصبح شريعة الغاب هي المرجع والشرعية في حل قضايا الإنسانية، وتسود لغة عصابات المافيا على العالم!

 

ولكن نظرا لأنكم وضعتم شرطا لهذا التطبيع الذي كنتم على وشك دعوة الدول العربية له.. وهو انسحاب العدو من الأراضي المحتلة، ولأنكم ربطتم الدعوة بوقف معاملته الهمجية للفلسطينيين، فإننا على الأقل ندرك أنكم لستم مثل أولئك المهرولين الذين ارتموا على أقدام التطبيع دون قيد أو شرط، ودون أن يقدم لهم العدو فعليا أي وعد بأي شيء، بل إننا حتى الآن نثمن صمودكم بعيدين عن التطبيع رغم علاقاتكم المميزة مع أمريكا وهي راعية التطبيع الأولى وداعيته..

 

سيدي..

 

إنني لن أتكلم عن القيم والأخلاق فقط.. رغم أن وجودكم على الأرض الإسلامية المقدسة يشكل سببا أساسيا وعقائديا لترفضوا سقوط القيم، ولتتبنوا حملة عالمية لجعل هذه القيم والأخلاق هي المرجع في حل قضايا الإنسانية مهما كان الثمن.. إن أرضكم هي "أرض متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؟

 

إن رفض نشوء مثل هذا الكيان العدو يجب أن يبقى سائدا في عالمنا، وإذا نشأ بقوته الغاشمة، فإن رفض التعامل معه على أساس شرعي وطبيعي، هو الحالة المثلى إلى أن يزول، لا أن نقدم له كل التقدير ونحوله من عدو مجرم متوحش معتد باقر للبطون ماص لدم الأطفال سارق للأرض مستعبد للعمال ومهدد لمستقبلنا طامع به، إلى صديق حليف نستقبله بوجه بشوش ونرحب به أهلا حيث حل وسهلا حيث نزل..

 

هذا العدو التلمودي غير الشرعي.. عدو الإنسانية منذ نشأت..

 

هل فعلا ندخل عدوا مثله إلى عالمنا فيأكل الأخضر واليابس، ويشرب الماء والنفط ويقضم الشجر والحجر، كل ذلك جزاء أفعاله الإجرامية على مدى القرن الفائت وبدايات القرن الحالي؟

 

هل ندخله فعلا مدننا وبيوتنا وبنوكنا ومصانعنا وكل مؤسساتنا ومقدساتنا؟ وهل فعلا ستعمل نساؤنا خادمات في مؤسساته ورجالنا عبيدا في مصانعه؟

 

هل فعلا سيرفرف علمه فوق الرياض وبقية العالم العربي مثلما رفرف فوق القاهرة وعمان؟ وهل نجعله حليفا قائدا لمسيرة المنطقة الإقتصادية، وهو المصير الحتمي لهذه المنطقة إذا استسلمت له؟

 

لماذا نستقبله سائحا يستمتع بشمس بلادنا ودفئها وهو الذي سخنها بدماء شهدائنا وأهلنا؟

 

لماذا تسود فكرة ان العلاقة مع هذا العدو يجب أن تكون إما أسود أو أبيض؟

 

أي فكرة "اننا إذا لم نكن قادرين مرحليا على قتاله، فعلينا أن نحوله إلى صديق"؟

 

لماذا لا يبقى عدوا لنا حتى لو انتصر عسكريا بحيث نرفض التعامل معه ونقاطعه، وهو الذي لا يمكن أن ينجح مشروعه العدواني علينا نجاحا فعليا إلا إذا قبلناه طبيعيا في المنطقة؟

 

 سيدي..

 

ورغم ثقتي مرة أخرى بفهمكم لتركيبة هذا العدو.. إلا أنني أرجو أن تسمحوا لي بتوجيه بعض الأسئلة..

 

تشكل القدس ركنا رئيسا في فكر هذا العدو وأسباب تشكيله، وعاملا أساسيا في مقومات استمراره، وخصوصا ساحة المسجد الأقصى، الذي ينوي هدمه يوما ما، كشرط رئيس لمصداقيته أمام يهود العالم الذين يريدون أن يروا الهيكل المزعوم، فهل فعلا تتوقعون أن ينسحب منها كما طلبتم، بالمفاوضات، فيعمل هو على تدمير نفسه بنفسه؟

 

ورغم إيماني أن الحدود الشرعية مع هذا العدو غير موجودة، لأنه غير شرعي بكل مكوناته، ولأن الحرب معه لم تبدأ عام 1967 فقط، إلا أنني أريد أن أسأل سموكم سؤالا بسيطا، حول الحدود التي تريدونه أن ينسحب إليها، أي حدود 1967.. هل هناك من يستطيع أن يعرفها، بعد فك الإرتباط الأردني وعقد الأردن لمعاهدة وادي عربة، وقبوله أن تكون حدود كل فلسطين حدودا لهذا العدو؟

 

كما أنني أسألكم، في ظل فهم هذا العدو لاحتمالات التغيير في تركيبة امتنا العربية، واقتناعه بأن الغلطة الأولى العسكرية للكيان الصهيوني ستكون الغلطة الأخيرة، هل فعلا سيقدم لنا الجولان في ملف جميل من ملفات المفاوضات، وهل سيحرر سيناء من القيود والشروط بنزعها من السلاح، وهل سيزيل مستوطناته من غزة والضفة والأغوار والجولان، وهل سيعيد لنا حقوقنا الحقيقية بالمياه، وهل سيسمح للاجئينا بالعودة بدل مشتتيه في العالم، وهل سيزيل أسلحته النووية ومفاعلاته، أي هل سيعطينا استقلالا فعليا، فقط مقابل وعد بالتطبيع، أو حتى مقابل التطبيع الرسمي الكامل؟

 

من واقع فهمنا للتاريخ القديم والحديث، ندرك أن هذا العدو لن يوقف معاملته الوحشية لأهلنا في الأرض المحتلة، إلا في حالة واحدة وهي حالة وصولهم إلى الإنهاك الكامل، والأستسلام عجزا وضعفا، ووقفهم كل أشكال المقاومة بعد ذلك، وهنا سيكون العدو منتصرا مغرورا، وهو أصلا لا ينقصه الغرور، وسوف يتحول إلى حالة استعباد كامل لشعبنا، وسيلحق الجولان بيافا وحيفا، وسيبدأ بالخروج إلى مناطق جديدة لاحتلالها، لأن هذا هو مشروعه الحقيقي، وهو الآن مشغول بمواجهة أطفال وشباب الحجارة الذين طوروا أساليبهم القتالية.. رغم الحصار العالمي والعربي لهم، وأصبحوا قادرين على التحدي والتصدي والوصول إلى عمقه رغم كل احتياطاته الأمنية والعسكرية.. ومواجهته بالأسلحة العادية البسيطة وقتل جنوده وأفراده..

 

سندخل لو حدث الإستقرار الذي يحتاجه هذا العدو، في متاهات هيمنته الإقتصادية والأمنية التي ستتبع فرض مشروع الشرق أوسطية المشؤوم.. وعند ذلك فإن الظاهر سيكون الهدوء والباطن الموت، وربما يتنازل عن بعض المناطق إداريا للسلطة الوطنية التي يمكن أن تقبل بالفتات.. وهي لا تملك حق التنازل عن أي أرض عربية.. فهل عندئذ ستعتبرون الهدوء الحاصل حالة من الإستقرار تستوجب مصالحته والتطبيع معه؟ 

 

ألا تعتقدون من تقييمكم لتصرفات هذا العدو مع الدول العربية التي سبقت غيرها للتطبيع معه، وتصرفاته مع السلطة الوطنية، أنه سيكون المستفيد الوحيد من التطبيع دون أن يقدم أية تنازلات من ناحيته، لأن في هذه التنازلات مقتل مشروعه؟؟

 

إن هذا العدو يأخذ ولا يعطي، وهذا عادي في مثل حالته، لأنه إذا بدأ يعطي ينتهي، وهو يعي ذلك، ولهذا لن يعطي، فلماذا نقيم معه علاقات طبيعية من جهة واحدة؟

 

وهل نحن فعلا في حاجة لرضاه عنا أو علينا؟ هل أنتم فعلا في حاجة لهذا الرضى؟

 

سيدي..

 

إن القضية ليست مجرد وقف للعنف في المناطق المحتلة..

 

إنه مصير المنطقة برمتها.. مهدد معرض للدمار.. ولا تشكل الجبهة الفلسطينية في المسألة إلا جبهة صغيرة محدودة، إمشتعلت لإن أهلها رفضوا الذل والخضوع..

 

والحل الوحيد يكمن في عدم التخلي عنهم، لا ضمن الحلول الخضوعية والإستسلامية، ولكن ضمن شرعية الدفاع عن الحقوق العربية الكاملة في فلسطين.

 

لماذا لا تتركون الزمن يتكلم؟

 

لقد وصل العدو في هذه المرحلة إلى أسوأ أوضاعه منذ أعلن نفسه دولة.. لقد فقد الأمن الذي يرتكز عليه مصيره.. ويشكل التطبيع معه اولى الخطوات في طريق إنقاذه.. إنه يفقد ما يزيد عن 16 قتيلا كل شهر، منذ انطلقا انتفاضة الأقصى، وهو ما لا يستطيع أن يواصل احتماله..

 

لقد بدأ أفراده يهاجرون، وبدأ جنوده وضباطه يرفضون الخدمة.. لقد بدأوا يدركون استحالة تحقيق حلمهم التاريخي.. فلماذا نعيدهم إلى ساحة الأمل؟ لماذا تتركون تصريحاتكم تبدو وكأنها امتداد لمحاولات آخرين في المنطقة يسعون فعلا لإنقاذه مما أوصلته إليه الإنتفاضة؟

 

سيدي.. إن ترحيب بعض المهادنين بتصريحاتكم، مهما كانت مواقعهم، ليست هي المقياس لصحة الموقف، بل إن المقياس هو التقييم الشامل لتأثير دعوتكم المحتملة للتطبيع مع العدو، على المسيرة بكاملها:

 

  ¨   عربيا (وفلسطينيا ضمن الإطار العربي).. حيث يشكل التطبيع تنازلا عن الحقوق العربية في علاقات بينية حرة متكاملة مستقلة اقتصادية وجغرافية وعسكرية واجتماعية.

 

  ¨   وإنسانيا حتى لا تشكل دعوتكم تنازلا عن حقوق الإنسانية في رفض سواد شريعة الغاب، وسابقة خطيرة في العلاقات الدولية، بإضفائكم الشرعية على اية مجموعة من العصابات القوية، إذا غزت شعبا ضعيفا في عقر داره..

 

وأذكركم في النهاية أننا ما دعوناهم للمجيء إلى بلادنا.. لقد جاؤوا محتلين معتدين ليخرجونا من ديارنا، وعلينا كأمة لها تاريخها، أن نقاتل من يخرجنا من ديارنا..

 

 

 

وتفضلوا سموكم بقبول فائق الإحترام

 

المهندس علي حتر