المبادرة
السعودية.. الفكرة والتوقيت خاطئان
بقلم : عاطف
الجولاني
كثيرون هم الذين تفاجأوا بالتصريحات الأخيرة
لولي العهد السعودي التي دعا فيها إلى تطبيع عربي كامل مع الكيان الصهيوني في حال
موافقته على الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 ، وقد ذهب البعض لوصفها
بالمبادرة، في دلالة على حجم الاهتمام الذي أثارته تلك التصريحات التي لم
تكن متوقعة من حيث المضمون أو من حيث التوقيت أو من حيث الجهة التي أطلقتها.
من حيث المضمون، جاءت المبادرة لتتحدث عن تطبيع
كامل مع الكيان الصهيوني بعد أن تراجع هذا التطبيع والاختراق الصهيوني أشواطا
بعيدة إلى الوراء، وتوارى المطبعون بجريمتهم المخزية عن الأنظار، ووصلت عملية
التسوية الى طريق مسدود. وكان لانتفاضة الأقصى المباركة الفضل الكبير في ذلك، بعد
أن نجحت في تعرية صورة الصهاينة على حقيقتها دون رتوش. لذلك لم يكن غريبا أن
تستقبل مبادرة الأمير عبدالله بكثير من الاهتمام صهيونياً وأمريكياً وعربياً. فقد
رأى فيها معسكر السلام والتسوية قشة يمكن التعلق بها بعد أن تبخرت آمالهم
ورهاناتهم على خيار التفاوض.
ومن حيث التوقيت جاءت المبادرة السعودية في
توقيت غير مناسب على الإطلاق. ففي الوقت الذي تحقق فيه المقاومة الفلسطينية تطورا
ونجاحات رائعة، ويصل فيه الوضع الأمني في الكيان الصهيوني إلى الحضيض، وتتراجع
شعبية شارون بصورة حادة، فإن الجميع كان ينتظر من القادة العرب اسثمارا لهذا الظرف
المواتي، وإسنادا حقيقيا للمقاومة الفلسطينية، وفضحا لجرائم شارون، وإدانة
للانحياز الأمريكي الأعمى، لا التغطية على الانتفاضة وعلى نجاحات المقاومة من خلال
طرح مبادرات تشغل الأوساط السياسية والإعلامية ولا يتمخض عنها شيء ذو بال وجدوى.
ومن حيث التوقيت كذلك، ألقت المبادرة ظلالا
كئيبة لكونها جاءت بعد أيام فقط من مبادرة عربية أخرى دعا فيه مسؤول عربي إلى أن
"يتوسل" العرب الى أمريكا للتدخل من أجل إنصافهم ووقف الجرائم
الاسرائيلية بحقهم!!.
أما من حيث الجهة التي أطلقت المبادرة، فقد كان
مفاجئا أن يقف وراءها الأمير عبدالله الذي نظر العرب بكثير من التقدير لمواقفه
القوية في أكثر من قضية خلال السنوات الماضية، وقد جاءت المبادرة الأخيرة لتثير
الكثير من الأسف لدى قطاعات واسعة عولت على أن تلعب السعودية دورا إيجابيا في
تصليب الموقف العربي أمام الضغوط الأمريكية والصهيونية.
ما نخشاه، أن تكون مبادرة التطبيع مع (اسرائيل)
هي الشغل الشاغل، والقضية الأبرز التي ستطرح على جدول أعمال القمة العربية القادمة
في بيروت، بدل البحث عن وسائل دعم الانتفاضة والمقاومة. وهذا ما تتمناه دون شك
أمريكا و(اسرائيل)، ويدخل الغصة في الحلق.