بقلم : إسلام الحديدي
إن ذلك الحادث المأسوي الذي حدث في قطار الصعيد وراح ضحيته
المئات من مواطني شعب مصر الكادحين ، قد ذكرني بموقف كان قد حدث لي منذ عدة سنوات
في قطار مثل هذا القطار المنكوب.
ولقد رأيت أن أسرد لجميع الأخوة القراء تفاصيل ما قد حدث لي
داخل أحد قطارات الصعيد ، ليروا بأنفسهم ويشعروا بحجم المأساة التي يعاني منها
سواد وعامة الشعب المصري من محدودي الدخل ، الذي يضطر بسبب ضنك العيش والحالة
الاقتصادية المتردية أن يستقل قطار الدرجة الثالثة الذي يعتبر أرخص وسيلة مواصلات
متوفرة .. اللهم إلا إذا سافر من القاهرة للصعيد سيرا على الأقدام !!!
منذ حوالي ثلاثة سنوات وفي شهر يناير في نهاية إجازات نصف
العام ، كنت أعمل مهندسا للأجهزة الطبية في أحد الشركات ، واقتضت ظروف عملي أن
أسافر إلى مدينة بني مزار التي تقع قبل المنيا بحوالي 40 كلم ، وذلك لتركيب وصيانة
مجموعة من أجهزة غسيل الكلى في مستشفى بني مزار العام.
وتم بالفعل حجز تذكرة لي في قطار الدرجة الأولى المكيفة المتجه
إلى المنيا ، حيث أن ذلك القطار كان لا يقف في المراكز والقرى الصغيرة .. فكان
يتحتم علي بعد أن أصل المنيا أن أبحث عن أية وسيلة مواصلات أخرى في اتجاه القاهرة
للوصول إلى بني مزار.
وبعد وصولي إلى المنيا سألت هناك عن كيفية الوصول لبني مزار ،
فوجدت أن وسيلة المواصلات الوحيدة لبني مزار هي واحدة من اثنتين:
إما أن أستقل أحد عربات الميكروباصات التي تعمل على خط الصعيد
بين القرى والمراكز .. وقد وجدتها عبارة عن كوم صفيح يسير على أربعة عجلات بدون
نمر ، وفي حالة متدنية جدا.
وإما أن أستقل قطار الدرجة الثالثة (القشاش) القادم من أسيوط
إلى القاهرة والذي سيصل (بالمصادفة) بعد أقل من ساعة في محطة المنيا.
فاتخذت قرارا – للأسف الشديد – أن أستقل القطار متصورا أنه
سيكون أفضل حالا بكثير من الميكروباص !!
وعند وصول القطار في المحطة فوجئت أنه يحمل أكواما من البشر لا
حد لها حيث كان معظم الركاب عائدين إلى القاهرة بعد قضاء إجازة نصف العام ، لدرجة
أني شعرت وقتها أن أهل الصعيد بالكامل قد تركوا الصعيد واستقلوا ذلك القطار متجهين
للقاهرة !! .. وعندما فتح الكمساري باب القطار وفي غمرة ذهولي ، وجدت نفسي مدفوعا
من جحافل البشر التي كانت ورائي إلى الداخل دون أن يتركوا لي أي فرصة للتفكير ..
فتقبلت الوضع القائم وقلت لنفسي : أهي كلها ساعة بالكتير وأوصل.
وبعد أن تم إدخالي عنوة إلى داخل القطار ، فوجئت أنه بالرغم من
امتلاء عربة القطار عن آخرها بالركاب ، إلا أن أفواج الركاب ظلت تندفع إلى داخل
عربة القطار من الباب ، وشعرت أن كل مفاصلي وفقراتي تعصر وتنضغط من أجساد البشر.
بعد ذلك قام اثنين من الكمسارية من خارج العربة بدفع أجساد
البشر المتراكمة عند الباب وكبسها إلى داخل العربة كي يتمكنوا من غلق الباب ،
تماما كالذي يحشو وسادة بكوم قطن !!
وبعد أن تحرك القطار ألقيت نظرة عابرة إلى داخل العربة كي أبحث
عن رف أضع عليه حقيبتي السامسونيت ، فوجدت أن كل الأرفف قد استقلها الأطفال وجلسوا
عليها هربا من ذلك الزحف البشري ، فلم أجد إلا كتف أحد راكبي القطار الذي كان يجلس
على الأرض كي أضع عليه حقيبتي ، ولم يعترض الرجل – ليس لسماحة منه حيث أن الازدحام
الشديد لم يكن ليسمح له أن يرفع رأسه ليعترض !!
وبعد أن وصل القطار إلى محطة سمالوط (أول محطة بعد المنيا)
فوجئت بعدد غفير آخر من الركاب يتهافت على ركوب القطار ، والمصيبة الأكبر أنه لا
يوجد راكب واحد يريد النزول في المحطة.
ونتيجة لهذا الكبس المتواصل من اللحم البشري اضطر كل الجالسين
والنائمين على الأرض للوقوف خوفا من أن يداسوا بالأقدام ، وحتى يوفروا مساحة أكبر
للوقوف.
ولم ينس كمساري القطار أن يتمم عملية الكبس البشري بغلق باب
العربة !!
وبعد أن وصل القطار إلى محطة بني مطاي تكرر نفس السيناريو الذي
حدث في سمالوط ، ولكنه اضطر ركاب العربة هنا إلى رفع الحقائب فوق رؤوسهم لتوفير
مساحة أكبر للوقوف ، ولاستغلال المساحة (المهدرة) دون فائدة فوق رؤوسهم !!
وكالعادة قام الكمساري مثل كل مرة بكبس الركاب إلى الداخل لغلق
الباب ، ولكنه استعمل في هذه المرة أرجله وأقدامه وكأنه يتعامل مع قطيع من الماعز
!!
وأخيرا وعندما وصل القطار لبني مزار حدثت لي مأساة .. فعندما
حاولت الخروج اكتشفت أن حفر خندق في أرضية القطار والخروج من تحت عجلاته أسهل ألف
مرة من الخروج من الباب ، فكان من المحال أن أقف وحدي أمام جحافل الركاب الآخرين
الوافدين إلى القطار .. مما أدى إلى تحرك القطار قبل أن أتمكن من النزول ، ولم
يصيبني إلا سباب ولعنات الركاب الذين حاولت أن أزيحهم من طريقي كي أتمكن من
الخروج.
وأود أن أوضح لك يا دكتور عباس ، أنه قبل وصول القطار إلى محطة
مغاغة ، قد كانت عربة القطار من الداخل عبارة عن كتلة بشرية واحدة دون أية فواصل ،
لدرجة أنني كنت أنتظر الشخص الواقف أمامي كي يخرج أنفاسه في الزفير ، كي يترك لي
مساحة أتمكن من خلالها أن أتنفس الشهيق ، ولم يكن الشهيق الذي أتنفسه إلا ذلك
الهواء الذي كان يخرج مع أنفاسه !
والله الذي لا إله إلا هو يا دكتور .. كنت أشعر وقتها أنه لو
سكب أحدهم دلوا من الماء على رؤوس الركاب لظل الماء عالقا على رؤوسهم دون أن تسقط
منه نقطة واحدة على الأرض !!
بالفعل كانت عربة القطار في حالة انضغاط غير آدمي وغير طبيعي ،
لدرجة أنني كنت أشعر أنه لو عطس أحد الركاب ستتحول عربة القطار إلى قنبلة بشرية
تتناثر منها شظايا بشرية في كل مكان.
وبعد أن وصل القطار إلى مغاغة ، وبمجرد أن قام الكمساري بفتح
باب العربة ، اندفعت أكوام من الركاب متبعثرة إلى خارج القطار تحت تأثير الضغط
البشري داخل العربة ، مما مكنني من الخروج بفضل الله تعالى.
وبعد أن نجوت من القطار ألقيت نظرة عليه من الخارج ، ففوجئت
بجيش آخر من الركاب يمتطي سطح القطار لم أكن قد لاحظته عند ركوبي أول مرة.
وبعد أن دخلت المحطة سألت عن وسيلة مواصلات من مغاغة إلى محطة
بني مزار التي لم أتمكن من النزول بها
فأخبرني أحدهم أنه لا توجد إلا وسيلة واحدة من اثنتين:
إما أن أستقل أحد عربات الميكروباص بالنفر من على الطريق
وإما أن أنتظر قطار الدرجة الثالثة القشـ …..
وقبل أن يكمل كلامه كنت مستقلا أحد عربات الميكروباص متجها إلى
بني مزار مرة أخرى
وبرغم أن سيارة الميكروباص كانت عبارة عن بقايا سيارات قديمة
قام السائق بتجميعها
وبرغم أن محرك السيارة يخيل لي أنه كان في الأصل ماكينة ري
انتهت صلاحيتها وقام السائق بتركيبها كمحرك.
وبرغم أن السيارة كانت تحمل ثلاثة أضعاف حمولتها الطبيعية
إلا أنني بمقارنتها بالقطار ، كنت أشعر أنني أستقل سيارة
ليموزين
النكبة الكبرى التي أراها يا دكتور .. هو أنه بعد حادثة القطار
الشنيعة التي يدمي لها القلب يتساءل المسؤولون عن سبب وقوع الكارثة وكأنهم من كوكب
آخر ؟؟؟؟
والمضحك أنهم يتساءلون ما إذا كانت هناك طفايات حريق أم لا ..
والذي لا يعرفونه هو أنه إذا قاموا بتوفير طفايات حريق بالفعل قلن يجدوا مكانا
داخل عربات القطار المكتظة كي يضعوها .. اللهم إلا إذا وضعوها على أكتاف الركاب!!!!!
ويا ليتها كانت المشكلة في توفير طفايات حريق أو جهاز لا سلكي
ولكن المشكلة هي في كيفية توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة
.. أو على الأقل الآدمية للشعب الكادح المسكين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته