ساعة المواجهة بين السودان وامريكا تحل مبكراً

 ( ازدواجية القرار هي المسؤولة)

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

في بيانها الذي اصدرته الخارجية الامريكية الخميس الماضي واعلنت فيه تعليق الحوار مع الحكومة السودانية، لمحت الخارجية الي ما يعتقد الكثيرون ـ بمن فيهم بعض أطراف الحكومة ـ أنه لب أزمة الحكم في السودان: ازدواجية القرار. فقد جاء في البيان انه من غير المقبول ان ترسل الحكومة مفاوضين ليعقدوا الاتفاقات، بينما تقوم أطراف اخري في الحكومة بأعمال تتعارض مع هذه الاتفاقات.

أزمة ازدواجية القرار وتعدد مراكزه داخل الحكومة السودانية معروفة ومعترف بها. وكان الفريق البشير برر ثورته علي دور الدكتور حسن الترابي في كانون الاول (ديسمبر) عام 1999 بضرورة انهاء ازدواجية القرار داخل الحكم ـ الفريق البشير هو ايضا الذي أصدر قرارا من جانب واحد في نيسان (ابريل) 2001 بوقف القصف الجوي في الجنوب. ولكن الأزمة الحالية بين السودان وامريكا تفجرت لأن هذا القرار الرئاسي تم تكسيره اكثر من مرة، علي ما تقول المصادر الغربية، في الاسابيع القليلة الماضية، ويأتي هذا ايضا بعد تجديد التزام الحكومة للمبعوث الامريكي الرئاسي السناتور جون دانفورت بعدم استهداف المدنيين.

الأزمة تعبر ايضا عن ازدواجية قرار في الحكومة الامريكية. الحكومة الامريكية، مثل حكومات غربية كثيرة، يقتصر اهتمامها بالقضية السودانية علي بعد العلاقات الدولية، وتحديدا دور السودان المفترض في زعزعة استقرار المنطقة او تهديد مصالح امريكا والغرب. نفس هذه الحكومات تظهر الاهتمام بمأساة الحرب في الجنوب وتتزعم الدعوة لانهائها. وهذا الهم الأخير تشارك فيه قوة شعبية هامة علي رأسها الكنائس والمنظمات الانسانية. وفي الفترة الماضية كان هناك توافق بين اصحاب الهم الجيوستراتيجي والهم الانساني. فالحكومة السودانية عند هؤلاء واولئك حكومة اصولية متطرفة، تدعم الارهاب وتهدد استقرار جيرانها، كما تنتهك حقوق الانسان وتضطهد الاقليات العرقية والدينية. وقد اجمع الطرفان علي ضرورة الضغط علي الحكومة بكل السبل بهدف معلن هو إجبارها علي تغيير سياساتها، وآخر مضمر هو اسقاطها.

وفي هذا التحالف كان التعاون والتعاضد يرضي الطرفين، ولكنه لا يحقق بالضرورة طموحاتها. فالمجموعات الدينية والانسانية كانت تسعد بسيل الادانات الصادر من الحكومات، وما تبعه من عقوبات ووسائل ضغط اخري. وكان كل طرف يساعد الآخر بالمبالغة في تجريم الحكومة السودانية في مجاله، واضافة التهم التي يطلقها الطرف الآخر لتعضيد موقفه. وبالأخص كانت الحكومات تستشهد بتقارير المنظمات الانسانية لتعضيد وجهة نظرها في الطبيعة الاجرامية للحكومة السودانية. ولكن من جهة أخري فان هناك اجندة خاصة لكل طرف تجعله لا يرغب في مساعدة الحليف في حل المشكلة التي يهتم بها ذلك الحليف ـ فالحكومة الامريكية لم تكن تريد انهاء الحرب الأهلية في الجنوب، باعتبارها تشكل عنصر استنزاف وضغط علي الحكومة السودانية، كما ان الجماعات الانسانية لم تكن تريد حسماً سريعاً للخلاف الحكومي حول الارهاب والأمور السياسية الاخري، حتي لا تنصرف الادارة عن الضغط الجدي علي السودان.

لهذا السبب بدأ الخلاف يدب في هذا التحالف عندما دفعت التحولات الاقليمية والداخلية في السودان الحكومة الامريكية لاعادة النظر في موقفها من الحكومة السودانية، وبدء حوار جدي معها حول قضايا الارهاب والشؤون الاقليمية. كان عام 1998 عاما حاسما في هذا التحول. ففي هذا العام انهار التحالف الاقليمي المناوئ للسودان بانفجار الصراع بين اثيوبيا واريتريا وتورط يوغندا في حروب الكونغو ورواندا واقدام مصر علي اصلاح علاقاتها مع السودان، ثم جاءت عملية قصف سفارات امريكا في نيروبي ودار السلام وقيام امريكا بقصف مصنع للدواء في الخرطوم، وهو عمل قلب الطاولة علي الولايات المتحدة وعرضها لانتقادات دوليــــة واسعة.

وبدءا من اذار (مارس) 2000 دخل التعاون الأمني بين السودان وامريكا رحلة جدية بارسال بعثة من اجهزة الاستخبارات الامريكية الي الخرطوم، وقبول السودان بفتح اراضيه وملفاته الاستخبارية للاجهزة الامريكية. وقد تواصل هذا التعاون في عهد الرئيس الجديد جورج بوش الأبن، وتوج في مطلع ايلول (سبتمبر) الماضي (قبل اسبوع واحد من احداث نيويورك وواشنطن) بتعيين مبعوث خاص لمتابعة جهود السلام في السودان، هو السناتور جون دانفورت. تعيين هذا المبعوث كان من دوافعه الشعور بأن التعاون الأمني المطلوب سيكون مهددا اذا لم يتم ارضاء جماعات الضغط الدينية والانسانية، فعلي الرغم من ان اجهزة الاستخبارات لها نفوذ كبير، ان لم يكن الأكبر في تشكيل السياسة الخارجية للدول الغربية إلا ان هذا النفوذ يظل محكوما بتوجهات الرأي العام، ومن هذا المنطلق تعتبر القضية السودانية من اكثر القضايا حساسية شعباً، بسبب ما اثاره الاعلام من ادعاءات مثيرة حول عودة الرق واضطهاد المسيحيين وانتهاك حقوق الانسان، وقيام أول تحالف من نوعه في التاريخ الغربي والامريكي يجمع بين المنظمات الدينية المتشددة والقوي العلمانية وحتي اليسارية اضافة الي المنظمات الانسانية الاغاثية ومنظمات حقوق الانسان. وهذا تحالف من القوة بحيث لا تستطيع اي جهة سياسية الصمود في وجهه.

ولهذا كان علي بوش استرضاء هذا التحالف بالايحاء بأن التعاون الأمني مع الخرطوم لن يكون علي حساب القضايا الانسانية. وقد تم اختيار دانفورت، وهو سناتور يمني ورجل دين مسيحي خصيصا لارضاء هذه التيارات.

ولكن يبدو ان هذه التيارات لم ترض تماما، وظلت تتوجس مما تعتقده اعطاء الادارة الاولوية للتعاون الأمني علي الشأن الانساني. وأخذت هذه المجموعات ترسل الرسائل المباشرة الي الرئيس بوش وتقود حملات اعلامية للتأكيد علي رفض المقايضة بين الأمرين، اضافة الي التشكيك في صدق الحكومة السودانية في التعاون الأمني، ولهذا السبب ايضاً وضع دانفورت مطالب متشددة للحكومة السودانية تسبق اي تفاوض علي رأسها التعهد بعدم قصف المدنيين والسماح بممرات آمنة والسماح بالاغاثة لجبال النوبة والسماح بتحقيق دولي في قضايا الرق. وقدم دانفورت قبول الحكومة السودانية بهذه المطالب كعربون وهدية للجماعات المتشددة، والايحاء بأن الادارة الامريكية ليست غافلة عن مطالبهم، وان هذا هو اول الغيث، وذلك لاقناع هذه الجهات بجدوي استمرار مهمته.

ولهذا السبب فان اتهام الحكومة السودانية بقصف المدنيين عمداً، وقتل سبعة عشر شخصاً وهم يصطفون لاستلام معونات غذائية، يعتبر ضربة للادارة الامريكية قبل ان يكون مشكلة للحكومة السودانية. ويزيد من المشكلة ان الاتهام لم يأت هذه المرة من المتمردين ولا من جهات امريكية، ولا حتي من منظمات اغاثة طوعية، بل جاء مباشرة من برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة الذي قالت مديرته كاثرين بيرتيني انه الهجوم الثاني خلال اسبوعين، وأنه جاء رغم ان البرنامج أبلغ الحكومة سلفا بان منطقة بيا في ولاية الوحدة ستكون موقعا لتوزيع المعونات في ذلك اليوم. وقد وصفت بيرتيني الهجوم بأنه اساءة لا تحتمل للحياة الانسانية والعمل الانساني .

الرواية الحكومية عن الحادث لم تصدر بعد، رغم ان مسؤولين حكوميين كذبوا الخبر واعادوا تأكيد الموقف الحكومي الذي ينفي تعمد قصف المدنيين. وقد اعلن الجيش السوداني ان فتح تحقيق في الأمر، الا ان نتائج التحقيق قد تأتي بعد ان يكون الضرر وقع. الهجوم المزعوم يأتي علي خلفية صراع عنيف لم يسبق له مثيل تسعي فيه قوات تابعة لمساعد رئيس الجمهورية السابق رياك مشار لاحتلال منابع النفط السوداني في تلك المنطقة، وهي حملة جردت الحكومة كل مواردها لصدها.

وهذا يعيدنا الي قضية ازدواجية القرار في الحكومة السودانية، وهلامية بنية صنع القرار فيها ـ وليس هذا فقط لأن الحكومة تمنح الأجهزة العسكرية والأمنية شيكا علي بياض في مثل هذه المواجهات التي تعتبرها حاسمة، بل كذلك لأن المشكلة في ولاية الوحدة نتجت اساسا من مثل هذه الازدواجية، فقد كان رياك مشار حتي قبل عام ونيف أقرب حلفاء الحكومة، دون ان ينجيه ذلك من الوقوع في حالة حرب معها. فقد كانت الحكومة تغدق العطاء والمناصب علي مشار وانصاره في الخرطوم وولايات الجنوب، وتهاجم مواقع جنوده في ولاية الوحدة. ولم يكن مشار ـ ولا الخارجية الامريكية ـ هو الأول ولا الوحيد الذي شعر بأنه يتعامل مع حكومتين أو أكثر، وأن تلك التي في الخرطوم هي اضعفهما لأنها عاجزة تماما عن كبح جماح تلك الحكومة الاخري رغم إظهارها الجد في ذلك. وفي أحسن الفروض فان الحكومة الظاهرة تظهر علي انها مراوغة تقول ما لا تفعل ولا تنوي فعله ـ وكلا الانطباعين مضر غاية الضرر بموقف الحكومة وسمعتها، بغض النظر عن صحته من عدمه.

اضعاف الموقف السياسي للحكومة يكتسب خطورة مضاعفة من كون مبادرات السلام المطروحة تشكل تهديداً لوجودها قد يكون اخطر من الحرب. المبادرة المصرية ـ الليبية اكثر هذه المبادرات صراحة في هدفها هذا، حيث تسعي الي استبدال الحكومة القائمة بحكومة انتقالية وكسر احتكار الانقاذيين للسيطرة علي الاجهزة الامنية والعسكرية. وهذا يعني ان انصار الحكومة لن يكون لهم ما يستندون اليه في صراع السلطة القادم سوي رصيدهم السياسي وسندهم الشعبي، وهو رصيد يقترب من الصفر، ويعتبر علي كل حال اقل بكثير من رصيد الاسلاميين قبل الانقاذ، وهذا يعني أن وصول الاسلاميين الي الحكم قد كلفهم كحركة أكثر مما كسبوا، بغض النظر عن مكاسب حققها افراد او مجموعات، هي مكاسب مهددة علي كل حال اذا انهارت الحكومة.

الحكومة الامريكية، مثل غيرها من اصحاب المبادرات، كانت تعتقد انها يمكن ان تحقق تفكيك الحكومة سلميا، ولكنها عبرت علي لسان مبعوثها دانفورت في مقالة نشرها الأحد عن خيبة أملها في وعود الحكومة السودانية، وربطت ذلك باخلال الحكومات السودانية بتعهداتها تجاه الجنوب، وقد ربط دانفورت عودة الحوار مع الخرطوم ليس فقط بالاعتذار عن القصف والتعهد مجددا بوقفه، بل بمعاقبة المسؤولين عن حادثة بيا . معني هذا ان دانفورت يربط عودة الحوار بحدوث انقلاب، اذ كيف تقوم حكومة الواجهة بمعاقبة الحكومة الحقيقية، حتي وان كان الذنب ثابتا، وهو ايقاع أكبر الضرر بالحكومة السودانية والشعب بدون تأثير علي عدوها؟