بقلم : محمد صادق
الحسيني
رحم
الله الشهيد فيصل الحسيني حيث كان يقول لنا ان اي اجتماع بيننا وبين العدو
الصهيوني تسمعون عنه، ما هو في الواقع الا عملية فك اشتباك نقوم بها من معركة تحمل
في داخلها فرصة للاعداد لمعركة مقبلة، فلا تظنونها عملية مساومة علي الحقوق او
تنازلا عن حقنا الثابت في الكفاح .
والاهم
من هذا وذاك يضيف الشهيد فيصل الحسيني ان هذه الاجتماعات التي تسمعون عنها ينبغي
الا تشكل مبررا لكم عربا او مسلمين للاعتراف بهذا العدو الغاصب او التطبيع معه فهي
من ضرورات الالتحام وفك الاشتباك بينما ينبغي ان تبقي خياراتكم انتم مفتوحة دائما
.
مع
كل يوم جديد يطل علينا ونحن نتابع كفاح الشعب الفلسطيني الصابر والصامد والمصمم
علي نيل الاستقلال الناجز والحرية، نزداد فخرا بهذه الطليعة المجاهدة من امة العرب
والمسلمين التي تقاتل نيابة عنا جميعا صونا للعرض والعزة والكرامة والعقيدة.
غير
انه وبالمقابل من هذا المشهد الفلسطيني العظيم المعمد بالدم والشهادة فان من يرقب
المشهد العربي والاسلامي عموماً يراه مرتبكا غامضا بل ومريبا في احيان كثيرة وكأنه
لا يملك من امره وخياراته الا خيار التسليم لمنظومة القيم والشروط التي يضعها
المنتصرة في الحرب علي المهزوم والمستسلم!
قد
تكون مدنية الغربي هي المنتصرة ومنذ زمن طويل منذ افول نجم الحضارات الاسلامية،
نعم ولكن خيارات الكفاح من اجل نيل الحق والاستقلال والحرية السياسية للشعب
الفلسطيني وفي اطار اوسع الشعوب العربية والاسلامية لا تزال كثيرة وكثيرة جدا.
قد
يكون جانب من هذه المعركة قد تشوشت صورته أو مال ميزان القوي لغير صالحنا في جانب
آخر من معادلة الصراع بسب اخطاء ارتكبها جمع من بني جلدتنا او حماقة ارتكبها هنا
او هناك ممن تكلموا او تصرفوا باسم الجمع الا ان جوهر معركتنا من اجل الاستقلال
والحرية والدفاع عن العقيدة لم يتغير ولا ينبغي ان يتأثر لا بحوادث 11 ايلول
(سبتمبر) ولا بغيرها مطلقا.
فالمتغيرات
تخلق متغيرات من جنسها ولا تلغي الثوابت، والمعارك الخاطئة قد تفضي الي هزائم
ونتائج وخيمة علي ارض المعركة لكنها لا ينبغي ان تدفع بمجموع الامة الي التسليم
لارادة المعتدي ايا كان جبروته واستكباره وبطشه.
شعب
الجبارين في فلسطين يعرف هذه المعادلة ويتقن قواعدها باستمرار منذ نحو مئة عام من
الحرب المفتوحة علي الامة ولم يخطئ اتجاه البوصلة يوما.
المعركة
المطلوب استمرارها من بعد افغانستان في الشرق الاوسط وفوق ارض فلسطين بالذات، لا
تجد ترجمتها الحقيقية ومصداقيتها العملية الا بتعبئة الرأي العام العالمي ضد عصابة
القتلة ومجرمي الحرب في تل ابيب ومن حولها من التجمعات الاستيطانية.
اما
ان توجه اصابع الاتهام الي الفلسطينيين مع كل صباح جديد يطل علي عالم ما بعد احداث
مانهاتن، باعتبارهم نموذجا لارهاب القاعدة والطالبان! فهذا ما لن ينطلي علي احد في
العالم لو بذل مجرم الحرب شارون وزبانيته ما بذل، ولو جمع كل قوي محور الشر الذي
ينتمي اليه، فشعب فلسطين وحده، نعم حتي من دون ان يقف معه احد في العالم قادر علي
هزيمته في نهاية المطاف لانه يتحرك عكس اتجاه حركة التاريخ الطبيعية وخلاف صيرورة
السنن الكونية.
فما
من شعب تشبث في ارضه واصر علي نيل حقوقه وصرخ في وجه جلاده الا ونال استقلاله
وحريته. فالملك يبقي مع الكفر ولا يبقي مع الظلم كما يقول الحديث الشريف، فكيف
بشعب الجبارين الذي يحفر في ارض فلسطين، ارض ابائه واجداده من الاخاديد والحفر ما
لن يتمكن اي جلاد ان يطمرها ولو بعد الاف السنين.
المهم
ان نعي نحن العرب والمسلمين البعيدين بنسب متفاوتة عن الميدان وارض المعركة حقائق
هذه المعادلة بدقة وشفافية حتي لا نخسر المزيد من رصيدنا بسبب سوء تقديرنا مرة
ثانية كما سبق وحصل لنا في افغانستان مرتين مرة قبل 11 ايلول (سبتمبر) ومرة بعدها.
ثمة
من يعتقد من المطلعين والمتبعين للحدث الفلسطيني بان علي العرب والمسلمين الذين
يستعدون لقمة عربية ان يدركوا ما يلي:
اولا:
ليس هناك فلسطيني واحد مهما عظم شأنه الشخصي بقادر ان يتخلي باسم شعبه عن اي حق من
حقوق الفلسطينيين الثابتة والمعروفة والمشروعة في فلسطين. نعم قد يتخلي عن حقه
الشخصي فقط لا غير.
ثانيا:
ان الفلسطينيين اكثر الناس معارضة للنظرية التي راجت لفترة ثم خبت ثم عادت لتظهر
من جديد في بعض الاوساط والنخب والمجتمعات العربية والاسلامية من جديد والتي تروج
للتطبيع مع العدو الصهيوني بحجة اننا لن نكون فلسطينيين اكثر من الفلسطينيين
والسبب في ذلك كما قلنا بالاستشهاد بفيصل الحسيني من حيث ان للفلسطيني ضروراته
التي ليست واردة مطلقا في حالة العربي او غير العربي من المجتمعات الاسلامية غير
المشتبكة مباشرة مع العدو الصهيوني.
ثالثا:
اذا كانت ضرورات الدبلوماسية تتطلب منا ان نخاطب العالم وخاصة المجتمع الغربي منه
بلغة وخطاب عقلانيين فان ذلك يجب ان لا يلغي مطلقا خيارات الكفاح المفروضة علينا
ومن خيار استخدام القوة لاسترداد حقنا، والذي يبدو ان العالم لا يعرف غير لغتها في
النهاية وهو ما بدأ يؤثر في المعادلة الميدانية فوق فلسطين المحتلة.
رابعا:
اذا كانت ضرورات تدفعها في مرحلة معينة الي الحديث عن امكانية الدخول في مفاوضات
او محادثات مع العدو من اجل المطالبة بالحقوق وقد يكون هذا من شؤونها الخاصة الا
ان عليها ان تعلم بان ذلك لن يلزم الشعوب العربية والاسلامية مجتمعة بالتطبيع مع
العدو الصهيوني او التعايش معه مطلقا، فالتطبيع مع هذا المحتل الغازي والمغتصب
لارض فلسطين التاريخية سيظل بنظر شعوبنا حراما الي يوم القيامة.
خامسا:
ان كل عنف يستخدم ضد الاحتلال والعدوان الاجنبي علي شعبنا الفلسطيني او العربي هو
عنف مشروع مهما كان الشكل الذي تبلور فيه هذا العنف، وهو عنف يقر بمشروعيته حتي
كبار النخبة والمفكرين والعلماء والباحثين الامريكيين الذين يقفون خلف الادارة
الامريكية الراهنة، بل قد يسمونها بالحرب العادلة والمبررة اخلاقيا والتي تنطبق
شروطها علينا تماما حتي وان قتلنا سكان اسرائيل غير المنخرطين بشكل مباشر في ساحة
اطلاق النار المباشر حسب مفهوم بيان المثقفين الامريكيين الستين الذي نشر مؤخرا
لدعم المعركة المفتوحة ضد الارهاب.
نعم،
ان قتل المدنيين والابرياء في نيويورك ولندن وبرلين وروما امر يحرمه ديننا وشرائع
العالم المختلفة. اما طرد المحتل والغازي من الاراضي المغتصبة والمحتلة بكل
الوسائل المتوفرة فهو ليس حراما، بل يصبح واجبا انسانيا ناهيك عن كونه واجبا شرعيا
علينا نحن المسلمين.
اخيرا
وليس آخرا، نقولها وبصدق، نعم كنا نتمني بل ونحن علي اهبة الاستعداد ان نصل الي
نيل الحق الفلسطيني الثابت والمشروع من خلال السلم والحوار ودون اراقة المزيد من
الدماء.
لكن
ذلك غير سبل الخداع الاعلامي والسياسي والدبلوماسي التي يروج لها الصهاينة تحت
عناوين شتي مثل: وقف العنف المتبادل! السيطرة علي الارهاب الفلسطيني! التخلي عن
العمليات ووقف اطلاق النار! العودة الي طاولة المفاوضات! وغيرها وغيرها الذي يغزو
اعلامنا العربي والاسلامي ايضا وللاسف الشديد.
واذا
كان لا بد من حوار مع العدو وعلي طاولة المفاوضات فلمناقشة بند واحد اسمه جدولة
الجلاء والانسحاب من الاراضي المحتلة.
اما
ان نتخلي عن خيارات الكفاح والمقاومة عن العرض والشرف والارض والعزة والكرامة
والعقيدة، فهذا ما لم تفعله امة تحترم نفسها قبلنا فكيف بشعب الجبارين في فلسطين.