بوش أكثر جدية من كلينتون في التخلص من صدام

 

جيم هوجلاند

 

 

استمع الاميركيون، منذ عقد من الزمن، الى اقوال المسؤولين في ثلاث ادارات، بأن النظام البعثي القاتل، في العراق، لا يشكل خطراً ملحاً على المصالح الاميركية. ولم يكن ذلك القول صحيحاً قط، فالعراق هو اهم الشؤون الاميركية في الخارج التي تحتاج الى الحسم.

الادارة الحالية للرئيس جورج بوش، راعت حقيقة ان الكثير من العمل الصعب، منذ زمن، قد مهد لها الطريق لسياسة، ما زالت قيد التطوير، تهدف الى تغيير النظام في بغداد. لم يعد الجمهور يسمع وزير الخارجية كولن باول، او غيره، يردد ان صدام حسين "في الصندوق"، بل يتم اخبارنا، الآن، بانه يجب ازاحة الدكتاتور العراقي، سواء عبر السبل الدبلوماسية والسياسية او بالوسائل العسكرية.

قد تكون التغيرات الفورية، المسايرة لهذا التطور، غير مرئية من النظرة الاولى، لكننا سنلاحظ، في الاسابيع والشهور المقبلة، تموضعا، في واشنطن وبغداد، واشتباكا مجزءا ضمن لعبة كسب الوقت اثناء مرحلتي سلام وحرب وهميتين.

لا تندهش حين تسمع عن خطط لمقاطعة اقتصادية "ذكية" على العراق، او عن وعود عراقية لاعادة المفتشين عن الاسلحة، او عندما ترى المسؤولين العراقين في حضرة الامين العام للامم المتحدة كوفي انان. ملاحظتك لتلك الامور ستعني حسن متابعتك، ولكن معظم ذلك هو ذر للرماد في العيون. هناك نقاط اخرى سوف تحاول جذب انتباهك عندما يتحدث الصقور عن ضرورة وحتمية الحرب، وتغرد الحمائم عن المصائب المنتظرة على تلك الطريق.

تركيز الرئيس بوش، في الفترة الاخيرة، على العراق، يحمل دلالة ذات اهمية تعبر عن تغيير ايجابي كونها تنذر صدام وتحذره: مساعدة تنظيم القاعدة، او أي تنظيم ارهابي اخر، على تطوير او امتلاك اسلحة ذات تدمير شامل، سواء متوفرة عند العراق او يسعى لامتلاكها، ستؤدي الى انتقام فوري كاسح. هذه اللغة هي الوحيدة التي قد يستوعبها الرئيس العراقي، ولو لفترة محدودة على الاقل.

يراجع بوش، الآن، سياسته بجدية، وقد لا تعجب النتائج روسيا وفرنسا وغيرهما من الدول، ومع ذلك عليهم احترام مبدأ واسلوب المراجعة وانتظار نتائج الفعل المتوالية بدلا من الانتقاد الفوري للتصرف الاميركي الانفعالي. ومن المقرر لزيارة نائب الرئيس، ديك تشيني، للشرق الاوسط، اواسط الشهر المقبل، ان تساعد في تطوير اتخاذ القرار في واشنطن، اذ سيتم انعاش العلاقات مع المملكة العربية السعودية ومع زعماء اخرين في المنطقة. ولا تهدف هذه الزيارة التبليغ بمواعيد الحرب والطلبات الاميركية من كل دولة.

ستكون هناك حاجة الى فترة من ثلاثة الى ستة شهور لتدريب وتجهيز الجماعات العراقية المعارضة حتى تلعب دورها في التخلص من صدام. هذا الوقت يمكن الاستفادة منه ايجابياً لاغراض اخرى. احدى الشخصيات المهمة في المؤتمر الوطني العراقي المعارض، وهو احمد جلبي، طالب والح على ادارة الرئيس بوش ان تدرب اعضاء تنظيمه على الادارة المدنية ايضاً، الى جانب التدريب والتكتيك العسكري. يريد جلبي تجنب ما حدث في افغانستان من انهيار فجائي وانتقال فوضوي للسلطة.

على الاميركيين وغيرهم ان يحذروا من الوقوع في مطب المقارنة بين القوى العسكرية والتهوين من خطر العراق، فالقضية تتعلق بصدام حسين وسجله، غير المختلف حوله، في اللجوء الى الحروب والارهاب والاسلحة غير التقليدية كأدوات لفرض سياسته. ويثبت التأخير الطويل والمكلف، في التعامل مع العراق، ان الامر لا يتعلق بسياسة اميركية للسيطرة والهيمنة على العالم.

المخاوف التقليدية من ان يؤدي رفع يد صدام حسين، القوية المتسلطة، عن العراق الى تجزئته، هي مخاوف مبالغ فيها وغير مهمة. المجتمع المتماسك بفعل الارهاب لا يستحق البقاء اصلاً. التوقع المتكرر بأن ما سيأتي اسوأ من الحالي هو مجرد مبرر للقنوط، وقد استخدم قبل ذلك في مواجهة تفكك الاتحاد السوفياتي.

التركيز والاصرار الجديد للرئيس بوش على العراق يزيل، بوضوح، الكثير من الوهم والعجز الذي عطل العمل اثناء ادارة بوش الاب، في فترة حرب "عاصفة الصحراء"، وبعد ذلك في عهد الرئيس كلينتون، خلال ثماني سنوات مخزية، ثم في الشهور السبعة الاولى لهذه الرئاسة. لقد حدث التطور في الاسبوع الماضي، عندما تراجعت وزارة الخارجية عن الادعاء بضرورة اقناع سورية، وغيرها من الدول، بمراقبة حدودها ومنع عمليات التهريب الى العراق. وزير الخارجية لم يعد ايضاً على ما يبدو مهتماً بدفع المقاطعة كبديل للعمل العسكري ضد العراق، وانما فرض المقاطعة تمهيداً للعمل العسكري.

 

واشنطن بوست