أسلحة الدمار الليبية بين الشك واليقين

إعلان نزع السلاح الليبي يحقق مكاسب لامريكا وبريطانيا

 

 

 

بقلم :محمد عبدالحكم دياب

 

أعتقد أنها من المرات النادرة في التاريخ التي نجد فيها المجهود العسكري والسياسي والاقتصادي العربي موظفا بكامله، تقريبا، لصالح الإدارتين الأمريكية والبريطانية، اللتين تواجهان ظروفا داخلية صعبة، ويوظف كذلك لتأمين الدولة الصهيونية وانجاح شارون في مهمته لوقف الانتفاضة، وفرض هدنة بين المقاومة الفلسطينية والقوات الاستيطانية الصهيونية المحتلة، ومثل هذا الجهد لا يتم إلا رضوخا وتبعية، أو ممالأة وتواطؤا، أو خوفا وقلقا، أو تمريرا لعاصفة عاتية، يرتعد مسؤولون عرب من هول تأثيرها علي مقاعدهم الوثيرة وسلطانهم الباطش.

الصورة الرسمية العربية تبعث علي اليأس، بعد نجاحات كبري تحققت لعدو متغطرس بحجم الولايات المتحدة، وبقوة بريطانيا، وبوحشية نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) الصهيوني، هذه النجاحات أوقعت بلدين عربيين، هما الكويت والعراق، تحت الاحتلال. والفرق هو أن الأول جاءه الاحتلال طوعا وتسليما، فاستولي علي نصف الإمارة بالرضا والقبول، أما الثاني فقد جاءه الاحتلال كرها وقسرا، بالغزو العسكري المباشر، وأدي إلي نشر القواعد الجوية والارضية والبحرية، في السعودية وبلدان الخليج العربي، ويأتي، بعد ذلك، الاختراق الثقافي والسياسي والاقتصادي، مجسدا في النموذج الرسمي المصري، الذي نذر نفسه في خدمة السياسة الأمريكية، بكل ما تحمله من انحياز للدولة الصهيونية، وضمن هذا الواقع تعيش باقي البلاد العربية متقوقعة تري السلامة في الصمت.

وهذه النجاحات تصب كلها في قناة واحدة.. تحقق مكاسب داخلية للأشرار الثلاثة، بوش وبلير وشارون.. الذين لم يكونوا في حاجة إلي القرار الليبي الأخير ليضاف إلي نجاحاتهم، وفي محاولة لفهم هذا القرار نعود بالقارئ إلي الوراء، قبل ربع قرن أو يزيد، وهناك نجد أن السلطات الليبية وضعت سقفا عاليا لحركتها السياسية والاقليمية.. تجاوز الهوي القومي للثوار الشبان، بعد أن اتخذوا من الدين أساسا أيديولوجيا لهواهم، وأصبح الثائر الليبي القومي الهوي أممي التوجه، وأصبحت ليبيا وإن كانت رسميا عربية، علي المستوي الاقليمي، فهي، علي المستوي العالمي رأت أن مهمتها إعادة صياغة العالم وفق نظرة خاصة بها، فأعطت نفسها، فيما بعد، وضع الدولة العظمي، لتضاهي الاتحاد السوفييتي السابق، وتناطح الولايات المتحدة، وبريطانيا وفرنسا.

هذا السقف العالي ارتطم بالامكانيات الذاتية، وبدأت التمزقات بين الطموح المطلق والقدرة المحدودة، وكان ممكنا تعويض ذلك بالكفاءات العربية ودمجها في المجتمع الليبي، لكن المشكلة نشأت من السلوك الذي سيطر، في ذاك الوقت، وكشف أنه، كما يقول المثل الشعبي المعروف، زي الفريك ما يحبش شريك ، فقامت العلاقة مع الوافدين العرب علي قاعدة الأجرة أو التلييب ، واستمرت السياسة الرسمية أسيرة هذين النهجين، أنحسر الهوي القومي من الإدارة الليبية، فاستعصت علي التعريب، وغاب التوجه الأممي فضاعت الأسلمة، وانخفض ذلك السقف بشكل غير متوقع، فلجأت السلطات الرسمية إلي القفزات، التي لم تكن تختلف كثيرا عن صدمات السادات التي اتخذها نهجا لنظامه في تعامله مع المصريين.

ويمكن التأريخ لانخفاض هذا السقف بابريل/ نيسان 1986، وهو تاريخ الغارة الأمريكية علي طرابلس وبنغازي، وكان من بين أهدافها اغتيال الزعيم الليبي معمر القذافي، منذ ذلك الوقت بدأت السياسة الرسمية الليبية بإلقاء اللوم علي الآخرين، بشكل عمق المشاعر النرجسية لديها، وقد يكون البعض محقا في تبرير ازدياد هذه المشاعر، بسبب التضحيات والمساعدات الكبيرة التي قدمتها ليبيا لقوي سياسية ودينية وقومية ويسارية عديدة، وكان من المفترض أن تؤدي إلي زيادة الأنصار والمؤيدين، وبدلا من التعرف علي الأسباب، عجزت السلطات الليبية أن تنظر بداخلها، وكان غضبها أقرب إلي غضب الأطفال. فعندما خذلها السادات، حملت علي المصريين، ولما لم تجد التقدير من ياسر عرفات ألقت بالفلسطينيين في العراء، وفي مواجهة التردي العربي خلعت رداء العروبة، وأعطت ظهرها للعرب، واتجهت صوب افريقيا. ويبدو أنها بعد أن جربت كل هذا، ولم يبق لها من تغضب منه فاستدارت تعاقب نفسها، هذا علي الرغم من أنها أحسن حظا من غيرها، فظروفها ليست أسوأ من ظروف عبد الناصر، المهزوم، بعد 5 يونيو/ حزيران 1967، ولا أسود من وضع الفلسطينيين، المحاصرين والمخنوقين، منذ حرب الخليج الثانية، وتخلي النظام الدولي والعربي الرسمي عنهم، ولا تعاني ما تعانيه كوريا الشمالية، وهي تتحدي الغطرسة الأمريكية.. وليست بلدا محتلا مثل الكويت والعراق.

وهنا ننتقل إلي الدهشة الأمريكية الثانية، من القرار الليبي، فقد كانت الدهشة الأولي عندما أخرج السادات الخبراء العسكريين السوفييت من مصر، في يوليو سنة 1972، قبل حرب اكتوبر بأكثر من عام، وكان مصدر الدهشة، التي عبر عنها كيسنجر في مذكراته، أن السادات أعطي هذه الخطوة للأمريكان مجانا، مع أن الإدارة الأمريكية كانت مستعدة، في ذلك الوقت، لما هو أكثر من الضغط علي الدولة الصهيونية مقابل اخراج الخبراء العسكريين السوفييت من مصر. ومع الدهشة الثانية كان الاستغراب من مستوي التعاون، الذي تجلي في السماح بدخول رجال المخابرات الأمريكية والبريطانية إلي نحو عشرة مواقع سرية ليبية، واطلاعهم علي أجهزة الطرد المركزي، الخاصة بتخصيب اليورانيوم، فأكدوا أنهم لم يعلموا أن ليبيا وصلت إلي هذه الدرجة من التقدم في برنامجها النووي!!، كان الزعيم الليبي سخيا، في وقته، وعلي دراية كبيرة بكل صغيرة وكبيرة في برنامج التسليح ، هكذا قال مسؤول أمريكي. وعبر هذا السخاء عن نفسه في مشاهدتهم للصواريخ الباليستية، من طراز سكود سي ، ويصل مداها إلي 500 ميل، مشتراة من كوريا الشمالية، في أواخر التسعينات، وتمت الموافقة علي التخلص من هذه الصواريخ، والابقاء علي صواريخ سكود بي ، ومداها أقل من 200 ميل!!.

يقول إريك بخار في صحيفة معاريف (22 / 12 / 03): الخطوة الليبية اختتمت بالنسبة لبوش أحد أكثر الأسابيع نجاحا طوال فترة حكمه... فالمحافظون الجدد الذين صاغوا لبوش النظرية والنهج الذي سجل باسمه، كان هذا أكثر أسابيعهم نجاحا، وفيه بدأت جدران أساسية قديمة في الشرق الأوسط تنهار وتتدحرج حجارتها. في نفس هذا الاسبوع الدراماتيكي بين ضبط صدام حسين وتراجع القذافي ، أما الأوساط البريطانية فتنظر إلي الاعلان الليبي المفاجئ والسريع والقبض علي صدام حسين علي أساس أنهما يؤكدان نجاعة الاستراتيجية الساعية إلي مواجهة خطر الأسلحة غير التقليدية في يد دول مثل ليبيا، وتري فيه دعما عير محدود لتوني بلير، يمكنه من مواجهة تقرير لورد هاتون، عن انتحار خبير الأسلحة البيولوجية ديفيد كيلي، الذي يصدر الشهر القادم، ويتيح الفرصة لمزيد من الضغط البريطاني علي الجماهيرية لالغاء عقد وقعته مع روبرت موغابي لتزويد زيمبابوي بالنفط. واللافت للنظر أن البريطانيين أكدوا أن موقف الجماهيرية ليس جديدا.. انما جاء ثمرة قرار اتخذته، منذ بداية التسعينات، بالتخلي عن كل ما يربطها بماضيها.

ورغم كم التصريحات والبيانات والتحليلات الصادرة عن جهات رسمية، وغير رسمية، أمريكية وبريطانية وصهيونية وليبية، فإن درجة الثقة في كل هذا محدودة للغاية، بعد أن اعتدنا الأكاذيب، التي ترد علي ألسنة السياسيين وأجهزة الاعلام الغربية والصهيونية. وقد نشعر بذلك بمتابعتنا لتصريح الرئيس حسني مبارك، فور سماعه الخبر، قال: معلوماتي عن ليبيا أنه لم يكن لديها شيء، أو قد تكون هناك خطط لا نعرفها ، فهل من الممكن للإدارة الأمريكية، التي تعتمد علي الرئيس مبارك في الضغط علي الفلسطينيين لوقف الانتفاضة، وعلي السوريين والإيرانيين لفصم عري التعاون بينهما، والتخلي عن حزب الله، هل من الممكن لها أن تظهره بمظهر الزوج المخدوع كآخر من يعلم!!.

من ناحية أخري فان من يملك قوة ردع نووية لا يتنازل عنها هكذا.. خاصة أن كلنا يعلم أن صدام حسين ضُرب لأنه لم يكن يملك قوة الردع هذه. وكوريا لم تضرب لأنها تملكها، ولو أن الجماهيرية تملكها ما كان لها أن تخاف، وتقدم علي هذه الخطوة. وقد تكون هذه الضجة للتغطية علي ترتيبات خاصة، تخفف من الضغط الواقع علي كلا من توني بلير في لندن، وجورج دبليو بوش في واشنطن، وجزء من ترتيبات المنافسة الأمريكية الأوربية (الفرنسية تحديدا) علي افريقيا، وطريقة لكشف أسرار التعاون العربي مع كوريا الشمالية، المؤكد أنه في مجال الصواريخ، بما يفيد كلا من بريطانيا والولايات المتحدة، لكشف جوانب ليست معروفة في مجال الصواريخ الكورية الشمالية، وهناك سوابق في هذا الشأن لعل أهمها ما كشفته الجماهيرية من معلومات، للسلطات البريطانية، عن فترة علاقتها بالجيش الجمهوري الإيرلندي، وقد يكون هناك من زين للسلطات الليبية أن استمرارها وأمنها مرهونان باتخاذ هذه الخطوة، أو الدخول في هذه الترتيبات.

الخطوة أتت أكلها الاعلامي والسياسي، بعد الأثر العكسي لعملية القبض علي الرئيس العراقي المخلوع، فلم تؤد إلي تحسن الوضع الانتخابي للرئيس الأمريكي بالدرجة الكافية. وعلي افتراض صحة ما جاء علي لسان مسؤولين، وفي الصحف وأجهزة الاعلام الأمريكية والبريطانية والصهيونية، فإن الخبرة التاريخية تفرض الحيطة والحذر، في ظروف شهية صهيو أنجلو أمريكية لا تشبع من تنازلات العرب، كل تنازل لها يجر لتنازل آخر، وبعد استنفاد كل طاقة علي التنازل، علي الحاكم العربي أن يتحول إلي حارس علي المصالح الأجنبية، وعليه أن يمول كل العمليات العسكرية المستهدفة ضمان أمن الدولة الصهيونية، ثم عليه أن يقبل بالاحتلال المباشر، ويقف ضد شعبه إذا قاوم، وهذا ما يعيشه العرب منذ اختفاء الكوابح السياسية والأيديولوجية بعد الحرب الباردة.

أن تأمن الجماهيرية مكر الإدارة الأمريكية فهذا مستحيل.. فهي الآن أكثر عرضة للغزو.. والحلف الصهيو أنجلو أمريكي في حاجة لعودة القواعد العسكرية إلي ليبيا كما كانت، والاستيلاء علي نفطها، وبهذا ينفتح الباب أمام التدخل في أبسط وأدق الشؤون الداخلية.. واجبار ليبيا علي إقامة علاقات تجارية وسياسية مع العدو الصهيوني.

وسواء كان ذلك الاعلان صحيحا، أو غير صحيح، فإن ما نعلمه أن النهج الصهيو أمريكي، يستدير علي من يساعده ويعاقب من يخرجه من ورطاته ومآزقه، إذا ما كان عربيا أو مسلما، وكشف حساب الثلاثين عاما الأخيرة يؤكد هذا الذي ندعيه، ولن تكون ليبيا استثناء، ودائما ماتكون ذروة العلاقة مع الإدارة الأمريكية، هي نقطة البداية للعد التنازلي لكارثة تحل بالطرف العربي أو المسلم، ولأن الجماهيرية تجمع بين الصفتين فهي مرشحة لمثل هذه الكارثة، ولا يملك المواطن الأعزل إلا الدعاء اللهم لا نسألك رد القضاء لكن نسألك اللطف فيه !!.