غارة الحداثيين الجدد على الإسلام

 

 

 

 

بقلم كمال السعيد حبيب

 

يثور في مصر هذه الأيام جدل حول كتاب ساقط بعنوان "وصايا في عشق النساء"[1][1]، وقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر أكبر معهد إسلامي ومرجعية سنية في العالم فتوى بمنع نشر الكتاب وسحبه من الأسواق، ذلك لأن الكتاب "يحتوي على وصايا كلها موجهة للمرأة ومكتوبة في العشق توصيها بالذوبان في العشق بدون أي تحفظ، وأن تسلم نفسها وجسدها، ولا تستحي من أي فعل يخطر لها، وأن تكون عارية مع العاشق، وتغتنم الليل ففيه التجلي" كما أن الكتاب وفق فتوى الأزهر "فيه تمجيد للذة الجسدية بين المعشوقة وعاشقها مع استعمال عبارات من القرآن الكريم يسوق فيها المؤلف الآيات في غير موضعها، ويستخدم الأحاديث النبوية في غير معناها لتكون في نطاق دعوته إلى الاستمتاع الجسدي بالمعشوقة".

 

والذي فجر الجدل هو أن الهيئة المصرية العامة للكتاب التي تعد العمود الفقري لوزارة الثقافة المصرية، والتي تصدر سلسلة الكتب التابعة لمكتبة الأسرة، هي التي روجت للكتاب وطبعته من أموال الفقراء المصريين لتثقيفهم وتنويرهم، ومن ثم فإن الأموال التي دفعت لتمويل طباعة الكتاب هي أموال عامة لمواطنين مصريين مسلمين تشغلهم قضايا مختلفة تماماً عن تلك التي تشغل المؤلف. فغالب المصريين بالفعل مهمومون بتوفير لقمة العيش التي عزت لأبنائها، وهم لا وقت لديهم لقضايا الكتاب التافهين، كما أنـهم في الواقع جميعاً ضد العلاقات الإباحية المكشوفة، ومن ثم فإن المؤسسة الثقافية الرسمية خانت مواطنيها بطبع كتاب من أموالهم يتناقض مع دينهم وثقافتهم، ويعد استهانة بمشكلاتـهم ونمط حياتـهم الذي تحاصره سلطة سياسية فاسدة ومستبدة، ومشاكل اقتصادية ماحقة قاتلة، وإحساس بأن مستقبلهم غامض، وهويتهم غائمة.

 

وكالعادة انتصب الملأ من القائمين على أمر وكر الهيئة المصرية العامة للكتاب ليقولوا إن فتوى الأزهر غير ملزمة لهم ، وأنـهم لن يسحبوا الكتاب من الأسواق، وأن الفتوى مصادرة لحرية الإبداع والتعبير، وأن الأزهر ليس جـهة مصادرة للكتب[2][2]. وساند الهيئة الاحتياطي الاستراتيجي لها من أتباع أمريكا في مصر، وهو المنظمة المصرية لحقوق الإنسان والفرع المصري لناد أدبي مجهول اسمه "نادي القلم الدولي" .

 

وكان أحد نواب البرلمان الإسلاميين في مجلس الشعب المصري انتبه لوجود الكتاب ضمن مكتبة الأسرة، وقدم مذكرة لرئيس الوزراء بمنع توزيعه لتضمنه عبارات تستفز مشاعر المسلمين، فقامت الهيئة بسحبه فعلاً، بيد أن طاغوت الهيئة المصرية العامة للكتاب أخذته العزة بالإثم؛ فأحال الكتاب إلى لجنة قراءة تابعة للهيئة فأجازته للنشر[3][3].

 

(2)

 

المشهد السابق يعكس أزمة الهوية التي تعيشها مصر على الأقل في المستوى الرسمي والمؤسسي، فداخل النظام السياسي مؤسسة علمانية تشجع الإباحية باسم الإبداع ، وتنفق عليها وتروجها، ومؤسسة دينية تفتي بمصادمة ذلك لمشاعر الناس، وللدين الإسلامي الذي يمثل - كما ينص الدستور المصري - المصدر الأساس للتشريع. وهذا يعبر عما أطلق عليه أحد النقاد المصريين البارزين "ثقافة الشرخ" التي تجعل المواطن المصري في حيرة من أمره : هل الدولة التي ينتمي إليها إسلامية أم دولة علمانية؟ هل المؤسسات التي تعبر عن هذه الدولة تشجع الفاحشة وتشيع الرذيلة باسم الإبداع وحرية التعبير باسم العلمانية أم أن هذه المؤسسات تعبر عن غالبية مواطنيها المسلمين وعن نصوص الدستور التي تقول إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع؟.

 

وفي الواقع فإن "ثقافة الشرخ" و"فصام الهوية" الذي يعانيه الشعب المصري وشعوب العالم العربي والإسلامي يرجع إلى ما قبل الفترة الاستعمارية، بل يرجع إلى فترة التنظيمات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، حيث اعتقدت النخبة التي تتخذ القرار داخل دولة الخلافة الإسلامية أن الانحياز لقيم الغرب ومفاهيمه يمكن أن يحقق النهضة واللحاق بالعالم المتقدم، لقد جرى اختراق النخب الحاكمة في العالم الإسلامي، وفي دولة الخلافة عبر عملية غسيل مخ منظمة جعلتهم يعتقدون أن قيم الغرب العلمانية هي سبيل النجاة وتحقيق التقدم.

 

منذ ذلك الوقت ولدينا تياران أحدهما: تابع للغرب يستلهم مفاهيمه وقيمه. وثانيهما: لايزال وفياً للتقاليد الإسلامية. واستطاع تيار العلمانية والتغريب أن يسقط دولة الخلافة وأن يجعل من تركيا - قلب الخلافة وعاصمتها - دولة علمانية، ينص دستورها على أنـها دولة علمانية. ومنذ أصبحت تركيا علمانية، وهي النموذج الحي في العقل الاستشراقي الغربي لإمكان تعميمه في بقية العالم الإسلامي ، يمكن لدولة غالبيتها مسلمون أن تكون علمانية تدين بالولاء والتبعية المطلقة لقيم الغرب.

 

(3)

 

الانقلاب العلماني في تركيا المدعوم بكل قوة الغرب السياسية والفكرية، حاولت قوى الاستعمار التي احتلت العالم الإسلامي أن تنفذه في بلدان أخرى، في العالم العربي والإسلامي، لكن غياب النظم السياسية الحاكمة في البلدان المستعمرة جعل الحركة الوطنية المشبعة بروح الإسلام والممثلة للمجتمع تقاوم خطط المستعمر، فرأينا حركات المقاومة والجهاد في ليبيا والجزائر والسودان وفي فلسطين والشام وإندونيسيا والهند وآسيا الوسطى والقوقاز. وفي مصر استطاع المستعمر البريطاني أن يدعم النخبة الجديدة التي أصبحت الرافعة السياسية والثقافية لمشروعه التغريبي، عن طريق ما يمكن أن نطلق عليه اسم "التسميم السياسي والفكري الحضاري". هذه النخبة مثلها سلامة موسى، أحمد لطفي السيد، علي عبد الرازق، طه حسين، قاسم أمين، وأمثالهم. وهم آباء مدرسة الحداثة العربية وجيل ما يطلق عليه "عصر التنوير المصري"، وفي الواقع فإن ما أرساه اللورد كرومر الراعي الرسمي لهذه النخبة لايزال هو نفس ما تسعى أمريكا اليوم إلى فرضه على العالم العربي والإسلامي لاستكمال حداثته وتحقيق كامل علمانيته.

 

فحرية الإبداع والتعبير كبوابة للإباحية والإلحاد ، واعتبارها قسيم الالتزام بقيم الإسلام ومرجعيته بذرت في أوائل القرن الماضي، وتحرير المرأة من الحجاب وتطوير الأزهر ومناهجه، وفصل دار الإفتاء عنه وتأسيس مدارس فقهية جديدة توسع من الاجتهاد غير المنضبط بالدين، والدعوة إلى فصل الدين عن السياسة، والدعوة إلى الإباحية والاختلاط وتأسيس مدارس للفن (السينما والمسرح والدراما)، والدعوة إلى اللغة العامية ونبذ التراث والقطيعة الكاملة معه، والهجوم على الأدب العربي، والدعوة للتوفيق بين الإسلام والنصرانية، والحوار الديني والفكرة القومية والوطنية .. كل هذه القضايا جرى فرضها على مصر، وتشكلت نخبة مصرية علمانية مدعومة بالاستعمار هي التي تدعو إليها عن طريق الصحف والجمعيات الأدبية والثقافية، كما أن اصطناع حكومات سياسية تتولاها نخب علمانية دعم التوجهات التغريبية، ولم يكن الهدف من كل ذلك نقل القيم الغربية وفرضها وإنما فتح جدار أو نقرة في عالم الإسلام القيمي والفكري والحضاري لتلقيحه بالأفكار التغريبية، لم تكن هناك دعوة للصدام الحضاري، وإنما التعاون والحوار وفتح الثغرات في جدار القيم الإسلامية لغزوها من الداخل وهو ما عبر عنه تيار المقاومة للاستعمار، أي التيار الإسلامي ، بمقولة "حصوننا مهددة من الداخل".

 

(4)

 

النظم التي جاءت بعد فترة الاستعمار، وهي النظم الثورية التي حكمت في كل العالم العربي والإسلامي تقريباً كانت نظماً علمانية متأثرة بالأفكار الغربية والاشتراكية والتحررية، ورغم أنـها حاولت إرساء مشروع للحداثة على المستوى السياسي، لكنها فشلت، وتحطم مشروعها الحداثي بشكل مدوٍ وفاضح أمام الكيان الصهيوني عام 1967. بيد أن تحطم المشروع السياسي الحداثي أيقظ من جديد المشروع الحداثي العربي والمصري بالطبع على المستوى الثقافي، فتصور المثقفون أنـهم يمكنهم جبر الانكسار السياسي للنظم الثورية الاستبدادية عن طريق التأسيس لمشروع حداثي ثقافي. لكن ارتباط هذا المشروع بالغرب وبالقوة المهيمنة في مراكز التحكم العالمي أسقط المشروع الحداثي الثقافي أيضاً، وصار العالم العربي والإسلامي بإزاء سقوط كامل لمشروع الحداثة العربية على المستوى السياسي والثقافي.

 

(5)

 

وتمثل شهادة أحد النقاد العرب البارزين اعترافاً مهماً يفسر لنا فشل وسقوط مشروع الحداثة العربية الفكري والثقافي فهو يقول[4][4]: "إن الحداثي العربي تحول من الانبهار بقيم الغرب في أوائل القرن العشرين إلى احتقار منجزات العقل العربي في الربع الأخير منه، وربما يكون انكسار الحلم العربي بالقسوة التي تم بـها مبرراً فرض التحول إلى ثقافة الآخر الأوروبي الغربي والأمريكي بعد ذلك وتحقيق قطيعة معرفية مع الماضي مع ما يعنيه ذلك من رفض صريح واحتقار ضمني له، ومحاولة تحديث العقل العربي تأسيساً على النموذج الغربي الذي حققت أسلحته تحطيم الحلم العربي، من هنا نستطيع أن نقول صادقين إن الحداثي العربي فعل ما فعل بحسن نية كاملة ومع الانبهار من ناحية وحسن النية من ناحية ثانية لم يدرك الحداثي العربي أنه يضع رقبة الثقافة العربية طائعاً مختاراً تحت سيف الهيمنة الغربية، وحسن النية نفسه هو الذي أعماه عن حقيقة أكثر إيلاماً وهي أن المخابرات الأمريكية "سي آي آيه" كانت تمول أنشطة ثقافية مختلفة ومتباينة أحياناً ومن بينها مدارس الحداثة المختلفة في دول عديدة من العالم، لم نكن نعرف، - سوف يسارع الحداثيون العرب إلى القول -، لكن الواقع أن الإنسان الذي يعطي نفسه مسئولية قيادة فكر أمة في فترة تاريخية حاسمة كتلك التي أعقبت هزيمة 67 واجبه أن يعرف، فقد كانت الشواهد موجودة ومعلنة في الجامعات الأمريكية منذ أواخر الستينات". وفي موضع آخر من كتابه يقول الناقد نفسه[5][5]:  "إنه لا يمكن الفصل بين الحداثة وما بعد الحداثة من ناحية، والعولمة أو الكونية الجديدة واتفاقية الجات للتجارة من ناحية ثانية، ثم الغطرسة الغربية المهمينة والتي تريد فرض نموذجها الصناعي الرأسمالي الاستهلاكي على الدول المغلوبة على أمرها من ناحية أخرى" .

 

ليست مقولة المؤامرة هنا تعبيراً عن حالة مرضية بل حقيقة واقعة يؤكدها عقلاء الفكر الغربي الذين يرون الخطر الواضح والذي نفشل نحن في إدراكه بين العقلنة والكونية من ناحية والسيطرة الغربية على دول العالم الثاني أو الثالث  يوقمن ناحية أخرى .. ويضيف الناقد في النهاية إلى نقطة المطاف وهي المؤامرة قائلاً: "وقد تكون الآراء حول الأخطار والتهديدات المماثلة في تبني النموذج الحداثي وما بعد الحداثي الغربي مجرد آراء تحتمل الصدق والكذب باعتبارها تفسيرات وقراءات لا تزيد عن كونـها إرهاصات مريضة أفرزتـها عقدة الاضطهاد أو الخوف المرضي لكن المؤامرة الغربية ضد الثقافات القومية موجودة بالفعل وموثقة[6][6].

 

هنا مؤلف "المرايا المقعرة" و"المرايا المحدبة" يؤكد على الارتباط بين المشروع الحداثي العربي وبين الالتحام بالمشروع الحداثي الأمريكي بمعناه الواسع، حيث يصبح مشروع الحداثة العربية نسخة مشوهة مما يتطلبه المشروع الأمريكي وكما يقول آلان نورين في كتابه الضخم "نقد الحداثة"[7][7]: "إن الغرب حينما يروج للعقلانية والكونية بما فيها من إغراء وغواية فإنه يقصد النسخة العقلانية الأمريكية الغربية التي تعني قطيعة كاملة مع التراث والقيم الإسلامية". كما يعترف بشكل مراوغ وعلى استحياء أن المشروع الحداثي العربي جرى تمويله ودعمه المالي من المخابرات الأمريكية وهو بذلك يتحول من اجتهاد وطني إلى عمالة للأجنبي وعمالة لأعداء الدين والوطن.

 

(7)

 

الكتاب الهام المعنون باسم "من الذي يدفع أجر العازف، الحرب الباردة الثقافية، المخابرات الأمريكية وعالم الفنون والآداب" لمؤلفته البريطانية فرانسيس ستونر سنودرز، هذا الكتاب يكشف كيف أن الفنون والآداب وحرية الرأي والتعبير والحداثة بل واختيار الفائزين بجوائز نوبل ، والعقلانية والحداثة جميعها حتى من حيث لا يدري أهلها مرتبطة ومدعومة بمؤسسات في الغرب لتحقيق أهدافه. وبما أن أمريكا اليوم هي القوة المهيمنة على العالم و تريد أن تبسط القيم الأمريكية على كل أجزاء المعمورة وتعطي أولوية خاصة للعالم العربي والإسلامي؛ لذا فإن المؤسسات الأمريكية هي التي توجه وتدعم هذه الأنشطة التي  تحقق أهدافها المتمثلة في تعميم القيم الأمريكية كنسخة لا يجوز الخروج عنها .. وحيث إن الإسلام يمثل في العالم العربي والإسلامي الحاضن للمقاومة، لذا فإن الأنشطة هذه يجب أن تتوجه لإعادة هندسته وتعريفه وتقديمه بما يتفق والمطالب والأهداف الأمريكية .. في هذا السياق تأتي دعوات تجديد الخطاب الديني، وتطوير مناهج التعليم الإسلامي، وتجفيف منابع العمل الأهلي الخيري والتطوعي الإسلامي، ووصم أي حركة وعي الإسلامي ، وووهصتجفيف نمنبع العمل الأهلي الخير والتطوعي الإسلامي ، وه للعالم العربي والإسلامي . ع الحداثة العربيمعارضة للقيم الأمريكية بالإرهاب والتطرف والرجعية والتخلف .. الجديد في مشهد الغزو الثقافي الغربي لعالمنا الإسلامي هو أن الاستعمار في أوائل القرن كان يعمل على فتح ثغرة لاقتحام القيم العربية أما اليوم فإن الاستعمار الأمريكي لا يريد حتى توسيع هذه الثغرة وإنما يريد القضاء على الوجود الإسلامي ذاته لتحل محله بشكل كامل القيم الأمريكية الجديدة.

 

عنوان كتاب فرانسيس سوندرز في بعض الترجمات "من يدفع أجر العازف" (وهو مثل بريطاني تكملته "يختار اللحن" أي الذي يدفع هو الذي يحدد النوتة الموسيقية والألحان المعزوفة)، وكما يكشف الكتاب فإن المخابرات الأمريكية التي أسست منظمة الحرية الثقافية، كانت تستخدمها لتحقيق الأهداف الأمريكية الثقافية والفكرية في مواجهة الشيوعية، وبلغ من سطوة الذراع الثقافي السري للمخابرات الأمريكية أنه وظف غالب المثقفين، فلم يفلت سوى قلة، لتحقيق الأهداف الأمريكية. وكما تقول المؤلفة: "الأفراد والمؤسسات الممولون من المخابرات المركزية كان المتوقع أن يقوموا بأدوارهم كجزء من حملة إقناع ضخمة في حرب دعاية .. الحرب النفسية إحدى المقومات الأساسية في هذا الجهد" .. هل نحتاج إلى شاهد أو دليل أكثر وضوحاً من هذا لفهم الحملة الضخمة المعادية للإسلام عن طريق المثقفين الليبراليين والحداثيين بما في ذلك بعض المنتمين لحركات  ذلك بعض المنتفعين لا في ذلك بعض المنتفعين لملة الضخمة المعادية للإسلام عن طريق النإسلامية.

 

إن المؤلفة في موضع آخر تتساءل عن "شبكة الدعارة الأكاديمية الدولية" بمؤامراتـها الثقافية والفكرية والتي لمعت أسماء تافهة ولا وزن لها لتتحدث باسم الثقافة والفكر والفن كنوع من الرشوة لهم مقابل انخراطهم في تحقيق مطالب المخابرات الأمريكية.

 

(8)

 

وإذا كان الإسلام هو العدو البديل اليوم .. فهو بديل القومية التي تحدث عنها آلان نورين في كتابه نقد الحداثة، وهو بديل الشيوعية، وهو التحدي المركزي أمام الغرب لذا لابد من إحياء المؤسسات الثقافية القديمة المرتبطة بالمخابرات الأمريكية لتشغيلها في الحرب الثقافية الجديدة ضد الإسلام. ولذلك سمعنا عن إحياء مكتب الخدمات الاستراتيجية، وسمعنا عن مؤسسات لتحسين العلاقة مع العالم العربي وتجميل صورة أمريكا وإنشاء إذاعات وتمويل برامج لتدريب الأئمة والخطباء وتدريب الصحفيين العرب في أمريكا[8][8] وقامت وزارة الثقافة المصرية بالتعاون للأسف مع وزارة الأوقاف وبعض الرموز الدينية الرسمية بعقد مؤتمر عن الثقافة وتجديد الخطاب الديني، كل ذلك بدعم أمريكي ورسمي ربما يكون باقتطاع جزء من المعونة الأمريكية فبدلاً من أن تدفع المخابرات تقتطع جزءاً من المعونة لتنشيط الخلايا السرطانية المهيئة للتلاقي مع الأفكار والخطط الأمريكية.

 

إن أمريكا اليوم تـهيء في مصر بشكل خاص نخبة جديدة حداثية تكون أداة لها في تنفيذ خططها كما كان يفعل اللورد كرومر في مصر، لذلك تجد السفير الأمريكي دائم الحركة لبناء خطوط وجسور مع هذه القوى العميلة والخائنة لأمتها.

 

(9)

 

وفي هذا السياق نفهم ما يقوم به الحداثيون الجدد أمثال مؤلف كتاب "الوصايا في عشق النساء" من هجوم على الإسلام ومن هجوم على مناطق العفة والحصانة في الحضارة الإسلامية ، إن الكتاب يمثل استمراراً لموجة "الأدب المكشوف" الذي يجعل من جسد المرأة موضوعاً لخيالاته وأوهامه المريضة. وهناك طائفة كبيرة تتبناهم الجامعة الأمريكية تتحدث عن "الإبداع الجسدي والجنسي"، وهو تعبير عن أحط الألفاظ وأحقر القيم التي تمجد الشذوذ والتمرد وإعلاء الشهوات والغرائز وتفجيرها لتحطيم المجتمع الإسلامي من الداخل.

 

إن هؤلاء الحداثيين يشغلهم "عشق النساء" في الوقت الذي تتعرض فيه الأمة لأكبر المخاطر في العراق وأفغانستان وفلسطين ومصر والسعودية وغيرها. وبدلاً من التأسيس لأدب مقاوم يعلي من شأن البذل والتضحية والجهاد والفداء فإنـهم يؤسسون للعشق وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.

 

إننا لا نحتاج لمزيد من الجهد لنقرر أن المؤسسة الثقافية المصرية ممثلة في وزارة الثقافة ومؤسساتـها هي تعبير عن أكثر الحصون اختراقاً من قبل أمريكا والغرب .. وهي تعبير عن المشروع الأمريكي أكثر من كونـها تعبيراً عن المشروع الحضاري للعرب والمسلمين ، لذلك فإن إطلاق كتاب أو اسم حداثي كل عام أو عامين هو إعلان لمن يدفع أنـهم يعزفون وأن لحنه يؤدى كما يريد .. كما أن إطلاق مشكلة ثقافية مستفزة هو اختبار ليقظة الناس ووعيهم، وقياس لقوة المؤسسة الدينية ومدى التزامها ووفائها لإسلامها، فالقصة هي حلاوة روح علمانية أوشكت أن تزهق لكنها تحاول أن تنتفض بين الحين والآخر تشبثاً بالبقاء الذي لا يمكنه أن يصمد أو يقاوم .. فالموت محيط به من كل جانب.

 

(10)

 

في أوائل القرن كان الانبهار بالغرب وقيمه ، وكان الصعود الصاروخي المدعوم بالاستعمار للنخب المرتبطة به، لكن مع هزيمة فلسطين في 1948 انكشف المستور عن فساد ما روج له الاستعمار عن هوية مصرية منفصلة عن محطيها العربي، جاءت هزيمة 67 وتحطم المشروع القومي الذي تأسس على أسس علمانية، فهو يحارب الغرب منطلقاً من قيمه، لذا كان محكوماً عليه بالموت. لكن مع الصعود الإسلامي في السبعينات ثم الاقتناع الجماهيري بأن المستقبل في الإسلام بدأ التراجع الحداثي العلماني، ومن هنا كانت الهجمة على الأصولية وعلى الإسلام، والاندفاع إلى القيم الغربية، والتركيز على فنون الإباحية والإلهاء. وبعد أحداث سبتمبر تصاعد خط الصراع لكن أمريكا هي التي تقوده هذه المرة بنفسها، ففي السابق كانت النظم الاستبدادية هي وكيلة أمريكا في ذلك، وظهرت رغبة أمريكية في القيام بالمهمة بنفسها فحركت الجيوش لمعاقبة دول ومحاصرة شعوب وتأديب أمم. وصرنا إزاء صراع تقوده أمريكا ومن ورائها أذنابـها من دول ونظم ومؤسسات وأشخاص في مواجهة الشعوب الإسلامية التي آلت على نفسها أن تبقى وفية لدينها مدافعة عنه، فخط الصراع اليوم واضح، والخيار مفتوح، والإغراءات خطيرة والهجمة شرسة، فإمااءات خطيرة والهجمة شرسة فإماالا ورائها أذنابها من دول ونظم ومؤسسات وأشخاص في مواجهة الشعوب الإسلامية التي آلت على نفسها أن تبقىم الافيحجارب الغرب منطلقاً من قيمه ، ذزيمة فلسطين 1948 انشكف الانصياع لأمريكا؛ وإما الثبات على الحق الذي شرفنا الله بالانتماء إليه. والذين يختارون المعسكر الأمريكي في مواجهة خيارات شعوبهم  هم الخاسرون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ...

 

 

 

 

 

------------------------------------------

 

[9][1]  - هو ديوان شعر لمؤلف مصري اسمه أحمد الشهاوي، تخرج من قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة سوهاج، ويعمل نائباً لرئيس مجلة نسائية مصرية اسمها نصف الدنيا، وتخصص في الكتابة الشعرية عن العشق، فله كتاب بعنوان "أحوال العاشق" وكتاب "ركعتان للعشق" ولا يمثل المذكور أية قيمة فنية أو أدبية.

 

[10][2] - قال رئيس الهيئة سمير سرحان الذي يتندر المثقفون بسلوكياته ، وهو من رجال السلطة: "الكتاب لا يحتوي على أية شبهة إساءة للدين أو استفزاز لمشاعر المسلمين، وأن ما ورد في الديوان هي عبارات متداولة في اللغة العربية، وما ورد من نصوص قرآنية هي ثلاث آيات قصيرة موضوعة بين علامات التنصيص ولا تختلط بالنص الأصلي، وكانت آخر لطمة تعرضت لها وزارة الثقافة  رفض صنع الله إبراهيم لجائزة أدبية قدمتها له الوزارة بحضور الوزير وبطانته قيمتها 100 ألف جنيه قائلاً علنا: "إن النظام السياسي الذي يمنح الجائزة فقد مبرر وجوده وشرعيته" ، ويشير ذلك إلى الانحطاط العام الذي تمثله الحكومة والنظام .

 

[11][3] - تمثل وزارة الثقافة المصرية المؤسسة الراعية للماسونية والصهيونية في مصر، كما أنـها الكتلة التي يرتفع في جنباتـها الزنادقة والمجاهرون بنشر الأفكار الإباحية والأدب الرخيص الذي يسمى أدب الجسد ويتمتع وزيرها والنخبة المحيطة به بسمعة هابطة، كما أصبحت مؤسسات وزارة الثقافة عنواناً للفساد والمحسوبية .

 

[12][4]  - عبد العزيز حمودة في كتابه "المرايا المقعرة" وأهمية شهادته أنه ينتمي لنفس النخبة لكنه يحاول بناء نظرية نقدية لمقاومة القيم الغربية واستلهام القيم العربية التراثية .

 

[13][5]  - عبد العزيز حمودة ، المرايا المقعرة ، نحو نظرية نقدية عربية عالم المعرفة ، الكويت ، أغسطس 2001 ، ع 272 .

 

[14][6]  - آلان نورين ، نقد الحداثة ، ترجمة أنور مغيث ، القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، المشروع القومي للترجمة 1972

 

[15][7]  - فرانسيس سوندرز، الحرب الباردة الثقافية، ترجمة طلعت الشايب، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة رقم  279.

 

[16][8]  - مثل تدريب الأئمة والخطباء في أمريكا حرجاً كبيراً للمؤسسات الدينية لكن المعلومات المؤكدة أفادت أن دفعات منهم تذهب للتدريب في أمريكا بالفعل ، ويثور جدل اليوم على صفحات الجرائد المصرية بشأن تمويل منحة لتدريب الصحفيين ، المشروع القومي للترجمة قرم 279ذي يمنح الجائزة فقد مبررالمصريين .