من الأخوة العفو عن الزلات
بقلم: الشيخ
راشد الغنوشي
إن الإسلام قد جعل من
الأسرة الوحدة التي أرسى عليها بنيانه الاجتماعي بعد أن طور هذا المفهوم فجعل
المعنى العقدي الروحي أساسه دون أن يهدر المعنى لدموي النسبي بل استبقاه وعززه
ولكنه جعله تابعا للمعنى العقدي، فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في لله
فكانت رعاية جنب الله تسبق رعاية النسب الدموي " واتقوا الله الذي تساءلون به
والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" (النساء 1) فإذا تصادما كانت الأولوية
لقرابة العقيدة والروح لا لقرابة الدم والجسد "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم
وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها
أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" [التوبة
23]. وهكذا تأخرت علاقة الدم إلى المنزلة الثانية بعد قرابة العقيدة وباتت تابعة
لها.
ثم هو وسع مفهوم
الأسرة ليشمل أمة الإيمان كلها، غير أنه قد اختار من بين علاقات الأسرة، علاقة
الأخوة ليجعلها أساس العلاقة بين المؤمنين" إنما المؤمنون اخوة" [الحجرات]،
دون علاقة الأبوة والبنوة وما إليها، وما ذاك إلا بسبب ما تحمله علاقة الأخوة من
معنى المساواة والتماثل كما ألمع إلى ذلك العلامة التونسي الطاهر بن عاشور في
كتابه [أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 119].
ولذلك لم يكن عجبا أن
ينال هذا الميثاق الغليظ وهذه المؤسسة رعاية فائقة من النبي القائد عليه السلام
وهو يضع اللبنات الأولى لمجتمع الإسلام ودولة الإسلام في المدينة المنورة فجلى
أسسها وضوابطها وآدابها بما أتاح للفقهاء والمربين من بعد ذلك مادة ثرية للتوسع
والتبيين على نحو لا تجد له نظيرا في أدب أية أمة أخرى.
وسنحاول في هذه
العجالة توضيح وتجلية بعض ما سطره الإسلام لتقوية وتعزيزهذا الصرح صونا له عن
الخراب الآتي مما تتوفر عليه النفوس من نزوعات شح وغضب وكبرياء طالما كانت مداخل
ومناسبات للشيطان ينقض منها على صرح الأخوة مستغلا ما عساه يصدر من الإخوان من
هفوات وزلات يعمل فيها كعادته تضخيما وتهويلا بما يبدو معه الأخ المقترف لتلك
الزلة في مشهد العدو أو الشيطان الذي لا يستحق غير الاحتقار أو البغض والنبذ
ولقطيعة.
بينما الواجب عند
مشهد زلات الأخ وهفواته النظر إلى نوع تلك الزلات فان كانت مخالفات دينية ومعاصي
فمذهب أبو ذرّ من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين المقاطعة أما مذهب أبي
الدرداء وجماعة من الصحابة _كما أورده الغزالي_ فالنصح له والتماس العذر والصبر
عليه والوقوف إلى جنبه في محنته وعدم إسلامه للشيطان.
إن أخاك في هذه
الحالة هو أحوج إليك من أي وقت آخر، فما الأخوة إلا عدة للنائبات. إن حالك مع
معصية أخيك يجب أن تكون حال الطبيب مع المريض يبغض المرض ويشفق على المريض فيلازمه
لتخليصه منه ولا يهجره ولا يتركه، ولذلك جاء في القرآن "فإن عصوك فقل إني
بريء مما تعملون" (الشعراء 216) ولم يقل إني بريء منكم. وقد قيل لأبي الدرداء:
ألا تبغض أخاك وقد فعل ما فعل؟ فأجاب " إنما أبغض عمله، وأما هو فهو أخي،
وأخوة الدين أوثق من أخوة القرابة" وهذا هو المطلوب في حق أخ انعقدت معه
المؤاخاة في حالة الطاعة فإذا امتحن بالمعصية بعد ذلك فالأحرى الصبر عليه وعونه في
محنته وعدم عون الشيطان عليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تكونوا
عونا للشيطان على أخيكم" [رواه البخاري].
أما الفاسق فما ينبغي
المبادأة بعقد الأخوة معه حتى يتحرر من فسقه ويعود إلى أصل الطاعة. أما إذا كانت
زلات أخيك نوعا من الأذى قد نالك به فلا خلاف في أن العفو هو الأولى فتلتمس له
العذر مجتهدا في تأويل سلوكه على وجه مقبول مهما كان ضعيفا.
ومهما اعتذر لك أخوك
كاذبا أو صادقا فاقبل عذره وانح باللائمة على نفسك كيف يعتذر لك أخوك وتنكسر نفسه
وأنت مقيم في علياء كبريائك شامخا بأنفك عنه، ألست ترجو عفو ربك وأنت تعصيه صبحا
وعشيا؟ فكيف تصد أخاك عن بابك فلا تقبل معذرته؟ ألا تخشى أن يعاملك ربك بالمثل؟
كيف وقد أثنى ربك سبحانه عن العافين عن الناس؟ وانه يحب المحسنين. انك إن تشتط في
النكير عليه وتشتد في مقاطعته فلن يبقى لك في المحصلة صديق. كما قال الشاعر:
فان كنت في كل الأمور
معاتبا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
بل إن الصبر على أذى
أخيك خير من معاتبته والمعاتبة خير من القطيعة [الغزالي: إحياء علم الدين]. قال
تعالى " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير
والله غفور رحيم" (الممتحنة 7).
إن ربك عفو يحب العفو
والعافين، فيحب أن يرى أثر اسمه العفو الغفور متجليا في عباده على قدر ما يطيقون
ولقد جاء في الأثر: تخلقوا بأخلاق الله، وذلك معنى اعتبار أسماء الله الحسنى دستور
الأخلاق في الإسلام كما جلى ذلك الشيخ عبد الله دراز. فلا تحرم نفسك أخا الإسلام
من بركات اسمه العفو الغفور وبادر من أجل لي عنق نفسك الغضبية المتجهة إلى مقاطعة
أخيك وربما مبادلته الأذى والانتقام منه. بادر إلى التوسط بينه وبين ربك فاطلب له
العفو والرحمة وسامحه يستل الله من قلبك السخائم فإذا لقيته لقيته بقلب سليم. واذكره
كلما دعوت لنفسك ولأهلك فأشركه في كل خير ترجوه من ربك واحمل همومه وكأنها همومك
وتوسل بكل سبيل مشروع لقضائها مستعينا بالله على ذلك.
إن نفسك بدافع الحمية
الغضبية تقابل أذى الأخ بالدفع نحو القطيعة والثأر فاتجه بها الاتجاه المعاكس
فاستكثر من الدعاء له والسعي إلى جلب المنافع له فمهما أمعن أخوك في أذيتك فأمعن
في الدعاء له والإحسان إليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا دعا
الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك ولك مثل ذلك" [أخرجه مسلم ] وعند
الدراقطي ومسلم " دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترد" وكان أبو الدرداء
يقول إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم".
ولقد جربت شخصيا هذا
الدواء فشفى نفسي من كثير من أوجاعها واستل كثيرا من سخائمها. ولطالما نصحت
لاخواني بفعل ذلك وأذكر في بدء الدعوة أني ألفيت أحد إخواننا يتقد قلبه بغيض متأجج
على أحد إخوانه، ولم أقف بعد الحديث المطول معه عن سبب معقول غير الحسد فنصحته أن
يدعو لأخيه فاستنكف من ذلك وقال والله لن
أدعو له، فنفضت يدي منه غير أن حقده فيما يبدو ما تلبث طويلا حتى احترقت به نفسه
فأصابه ورم في إحدى عينيه فقطعت وانتقل إلى الأخرى فقطعت ثم إلى الدماغ فأتى عليه
جملة رحمه الله رحمة واسعة وجعل ما أصابه في الدنيا كفارة له عند ربه.
وأسأل الله تعالى لي
ولإخواني أن لا يبيت أحد وفي قلبه ذرة من حقد أو حسد أو بغضاء لأحد إخوانه وأن
يبادرهم بالعفو عن زلاتهم وإعانتهم على نفوسهم وشياطينهم والإحسان إليهم بكل سبيل
ومنه الدعاء لهم ولأهاليهم والإقلال من الملامة لهم وقبول عذرهم. والله في عون
العبد ما كان لعبد في عون أخيه " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها
السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ
والعافين عن الناس والله يحب المحسنين" [آل عمران 132].
إنا لله وإنا إليه راجعون
فارس آخر وعلم من أعلام الجيل قد ترجل،
الأستاذ أحمد صدقي الدجاني
بأسى شديد تلقينا في
حركة النهضة نبأ وفاة صديقنا وأخينا العزيز المجاهد الفلسطيني والمفكر العربي
الاسلامي الأستاذ أحمد صدقي الدجاني الذي أمضى عمره فارسا يخوض الحرب غير هياب ولا
وجل في كل جبهة من جبهات كفاح الامة ضد أعدائها.
لم تصرفه قضية فلسطين
التي كان أحد أبرز فرسانها عضوا قياديا في مؤسساتها العليا، عن أن يكون اسهامه
معتبرا إن على المستوى العلمي مؤرخا متخصصا أو مفكرا بارزا أثرى المكتبة العربية
والاسلامية بعشرات الكتب والدراسات في سائر حقول الفكر والسياسة والحضارة، أو
مناضلا لا تلين له قناة في نصرة قضايا أمته وتأسيس ودعم مؤسسات المجتمع المدني
الذابّة عن حقوق الانسان مثل الجمعية العربية للدفاع عن حقوق الانسان، والمؤتمر
القومي العربي والمؤتمر القومي الاسلامي الذي كان من أبرز مؤسسيه والمتحمسين
لفكرته جمعا لما تفرق من صفوف الامة في بعض فترات الجدب.
لقد مثل الدجاني أصلب
وأمتن جسور الحوار والبحث عن الاجماع في الامة ولذلك كان الاختيار عليه بالاجماع
بين التيارين القومي والاسلامي ليكون أول أمين عام لهذه المؤسسة الواعدة، فكان
فقده مؤسفا في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به الأمة، حيث هي في أمس الحاجة لجسور اللقاء والحوار وصناعة
الإجماع من أجل التصدي للهجمات الكاسحة على أمة العرب والمسلمين.
وقد مثل الدجاني أحد
الأعمدة التي وقفت مع حركتنا في محنتها شدا لأزرها ومساندة لمواقفها ونصحا
لقيادتها.
ولا يعزينا في الفقيد
الكبير صديق كل القوى التحررية غير الرضى بقدر الله وأن الفقيد مستمر بيننا بمآثره
العظيمة
فاللهم ارحم الدجاني
في الاولين وارحمه في الاخرين واسكنه فراديس الجنان في عليين، واخلف أسرته الصغيرة
والكبيرة فيه خيرا وعوضا. واجعله يا ارحمن يا رحيم ممن يُـنـادون:
"يا أيتها النفس
المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي"