الانتفاضة الفلسطينية رفعت كلفة الاحتلال
بقلم : حسين
عطوي
هل الحديث عن أزمة
انكماش اقتصادي في "إسرائيل" مغالاة أم تفاؤل كما يحلو للبعض القول، ممن
يرون في "إسرائيل" دولة خارج الأزمات باعتبارها أسطورة اقتصادية تستطيع
تحمل الحرب لفترات طويلة دون أن يتأثر اقتصادها أو يصاب بأزمة حقيقية؟
إن الأمر ليس كذلك. فـ"إسرائيل"
فعلاً أصبحت في خضم الأزمة. والحديث عن الأسطورة الاقتصادية يشبه إلى حد بعيد ما
كان يحكى في زمن مضى عن أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي كان يزعم أنه لا يقهر.
منذ بدأت الانتفاضة
الفلسطينية في 28 سبتمبر الألفين وكل حديث عن الأثر الذي تحدثه العمليات الفدائية
في الاقتصاد الإسرائيلي كان يواجه بالسخرية من قبل بعض النخبة. حتى عندما ترد
أرقام عن خسائر اقتصادية. كان ينظر إليها على أنها غير واقعية.
لم يكن البعض يريد أن
يقتنع أن الانتفاضة وعملياتها قادرة على هز الاقتصاد الإسرائيلي واستطراداً إدخال "إسرائيل"
في أزمة حقيقية لها أثرها الكبير في مجريات الصراع. اليوم بعدما يناهز السنوات
الثلاث من عمر الانتفاضة تبرز إلى السطح تطورات تشير إلى وجود قدر كبير من الأزمة
الاقتصادية داخل "إسرائيل" يؤشر إلى بداية الوهن والتعب والإعياء الذي
أصاب الاقتصاد الإسرائيلي بفعل استمرار الانتفاضة.
وهذه التطورات يمكن
تلخيصها بأمرين:
الأول: أظهر بحث حديث
لبروفسورين في الاقتصاد الإسرائيلي هما: داني تسيدون وتسفي اكشتاين من جامعة تل
أبيب. أن الحوادث الأمنية في السنوات الثلاث الأخيرة دهورت اقتصاد "إسرائيل"
عشرات السنين إلى الوراء. إلى المستوى النسبي للانكماش القاسي الذي كان في سنة 1967.
وأنه نتيجة الفحص بواسطة احتساب نسبة الناتج للفرد (معدل القوة الشرائية) بين "إسرائيل"
والولايات المتحدة هذه السنة هبطت "إسرائيل" إلى نسبة 43 في المائة. وهذه
هي النسبة التي كانت قائمة أيضاً سنة 1967. وأن مستوى المعيشة النسبي في "إسرائيل"
تدهور هذه السنة إلى أقل من نصف مستوى المعيشة المتوسط في الولايات المتحدة.
وقد استنتجت صحيفة
هآرتس الإسرائيلية من بحث البروفيسورين. بأن الاقتصاد الإسرائيلي لن ينتعش ولن
ينتقل إلى نمو سريع حتى ولو انتقل العالم إلى النمو وانتعشت التكنولوجيا العالمية «هاي
تك» ربما آنذاك يحصل ارتفاع مؤقت في النشاط. لكن الانكماش لن ينتهي ما دامت
الانتفاضة مستمرة.
الثاني: أن "إسرائيل"
تواجه خطر أن تتحول أزمة الانكماش الاقتصادي إلى أزمة مالية والتي تعبر عن نفسها
بالآتي:
- انخفاض في الناتج
للفرد.
- انخفاض في مستوى
المعيشة.
- زيادة الفجوات بين
الأغنياء والفقراء.
- زيادة العجز في
الموازنة.
- إرهاق متزايد
للطبقات الضعيفة.
- 20% من السكان
مستعدون للنزوح عن "إسرائيل" فقط إذا كانوا يضمنون لهم عملاً (استطلاع
للرأي).
وترى الصحافة
الإسرائيلية أن كل هذه المظاهر للأزمة يستطيع المجتمع تحملها لفترة طويلة لكن
المشكلة تكمن في أن تتحول الأزمة الميكرو اقتصادية فجأة ودون إخطار مسبق إلى أزمة
مالية خطيرة. وأن مثل هذه الأزمة قد تحدث عندما يبدأ الجمهور بالتوجس خيفة من
المستقبل ويكون رد فعله هو ركض نحو الدولار الأمر الذي يتسبب بانخفاض (قيمة العملة)
غير مسيطر عليه. وبتجديد التضخم وتحويل مبالغ مالية هائلة إلى خارج البلد. وبإفلاس
مشاريع وبنوك وبتدهور سريع نحو بطالة عالية.
إن مثل هذه التطورات
ما كانت لتحدث لولا فعل الانتفاضة وعملياتها الفدائية التي أدت إلى إحداث شلل في
الاقتصاد الإسرائيلي ولولا تواتر هذه العمليات واستمرارها على مدى ثلاث سنوات
متواصلة من عمر الانتفاضة. الأمر الذي اعترف به الخبيران الاقتصاديان الإسرائيليان
عندما وجدا أن هناك علاقة عضوية بين الانتفاضة وتدهور الاقتصاد الإسرائيلي. حيث
كان النشاط الاقتصادي ينخفض كلما ارتفع عدد العمليات الفدائية داخل حدود الخط
الأخضر.
ويبدو أن هذه الأزمة
الاقتصادية الإسرائيلية تشكل أحد العناصر الرئيسية التي تقف وراء تزايد الحراك
الإسرائيلي الداخلي للضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل العمل على إيجاد أفق
سياسي لحل الصراع. بعد أن باتت هناك قناعة بأن "إسرائيل" لن تتمكن من
استنفاد طاقة نمو الاقتصاد 5% إذا لم تصل إلى اتفاق سياسي مع الفلسطينيين يشمل
وقفاً مطلقاً للعمليات. وإذا كان الأمر كذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية نجحت في:
1 - رفع كلفة الاحتلال الإسرائيلي من خلال
استنزاف الاقتصاد الإسرائيلي وجعل قدرة "إسرائيل" على تحمل هذه الكلفة
تتضاءل مع كل عام جديد تستمر فيه الانتفاضة. وهذا هو قانون المقاومة الشعبية
المسلحة ضد أي احتلال. لا يمكن هزيمته بالضربة القاضية أو عبر معركة عسكرية فاصلة.
وإنما من خلال حرب استنزاف متواصلة.
2 - إدخال "إسرائيل" في أزمة اقتصادية
حقيقية وبالتالي في أزمة سياسية من خلال تفجر التناقضات الداخلية والتسابق بين
القيادات الإسرائيلية في داخل الحكم وخارجه بحثاً عن حلول سياسية على أن كل ذلك لا
يعني أن الانتفاضة سوف تبلغ أهدافها لمجرد أنها تمكنت من إدخال "إسرائيل"
في أزمة. لأن تحقيق الأهداف يتطلب إصراراً على الاستمرار في المقاومة وعدم
الانخداع بأساليب العدو الساعي للالتفاف على الانتفاضة لتجاوز أزمته. مما يتطلب
عدم إعطاء العدو الفرصة كي يرتاح أو يشعر بأنه قادر على الخروج من مأزقه عبر
ألاعيب السياسة بعدما عجز عن ذلك بواسطة القوة العسكرية.