محاكمة صدام علنا تفضح الامريكان والطالباني والبارزاني
بقلم :هارون
محمد
تراجع وزير الدفاع
الامريكي دونالد رامسفيلد عن اعتبار الرئيس العراقي السابق، المعتقل حاليا، أسير
حرب، كما صرح غداة الإعلان عن القبض عليه، في الرابع عشر من الشهر الحالي، وقال في
تصريحات جديدة في الأسبوع الماضي، انه سيتم البت في ما إذا كان سيمنح هذا الوضع أم
لا.
وقد اتضح الآن أن
واشنطن في حيرة من أمرها، في كيفية التعامل مع تداعيات اعتقال صدام، بعد أن تبين
أنها تخشي من محاكمته علنا، أو أمام محكمة دولية، لأنها لا تضمن سكوته ولا تستطيع
حمله علي إنكار الكثير من الأحداث والوقائع فيما يخص التعاون بين نظامه وأجهزته مع
الإدارات الامريكية المتعاقبة علي الصعد السياسية والاستخبارية والتجارية والنفطية
منذ انقلاب 17 ـ 30 تموز (يوليو) 1968 حتي آذار (مارس) 1991 عقب انتهاء حرب عاصفة
الصحراء ومفاوضات (خيمة صفوان) الشهيرة.
وادارة الرئيس بوش
اليوم في حرج شديد، أمام جمهورها الامريكي والرأي العام العالمي والصحافة
والمنظمات الدولية والحقوقية، التي تطالب بتوفير محاكمة عادلة وعلنية لصدام وفي
مكان محايد، الأمر الذي سيتيح للرئيس المسجون، الذي ما عاد يخسر شيئا بعد الذي حصل
له، مجالا واسعا وفرصة لا تعوض، لكشف كل الأسرار والرسائل والصفقات والاتفاقيات
بينه، مع واشنطن ابتداء من إدارة الرئيس نيكسون مرورا بالرئيسين كارتر وريغان
وانتهاء بالرئيسين بوش الأب، وكلنتون عندما كان حاكما لولاية اركنساس، علما بان
صدام كان طيلة هذه الفترات، هو المسؤول الأول والأعلي في الدولة عن (ملف العلاقات
مع أمريكا) وحكايته معروفة مع صهره حسين كامل رئيس هيئة التصنيع العسكري السابق،
وأخيه غير الشقيق سبعاوي ابراهيم الحسن رئيس جهاز المخابرات الأسبق، اللذين حاولا
الإيقاع بوكيل وزير الخارجية السابق نزار حمدون واتهامه بالتخابر مع واشنطن،
وإخضاعه للتحقيق في منتصف عام 1989 دون علم وزير الخارجية طارق عزيز، الذي أسرع
وأبلغ صدام بالواقعة، وتدخل الرئيس السابق وعنف حسين كامل وسبعاوي علي تصرفهما
الأحمق، كما نقل عن حمدون لاحقا بعد غلق هذه القضية، ومما قاله أيضا ان صدام جمعه
مع حسين وسبعاوي بحضور طارق عزيز في اجتماع مغلق، وأبلغ الاثنين ان الاتصالات
واللقاءات والاجتماعات والاتفاقيات التي عقدها حمدون خلال اشتغاله سفيرا في واشنطن
(1983 ـ 1988) جرت بعلمه وموافقته، وانه أي صدام، خوله مواصلة عمله واتصالاته مع
الامريكان من خلال موقعه الحالي كوكيل لوزارة الخارجية، ويتذكر حمدون جملة قالها
صدام بلهجة صارمة في ذلك الاجتماع (الرفيق نزار.. حصتي، أنا مسؤول عنه) وبعد ذلك
صار معروفا ان حمدون عندما عين مندوبا للعراق في الامم المتحدة عقب انتهاء حرب
عاصفة الصحراء، فانه في الواقع كان سفيرا لبغداد في واشنطن، رغم قطع العلاقات
الدبلوماسية بينهما.
وإذا كانت الإدارة
الامريكية تخاف من إحالة صدام الي محاكمة دولية وعلنية لخوفها من النتائج والفضائح
وكشف الأوراق القديمة، فان جلال الطالباني ومسعود البارزاني عضوي مجلس الحكم
الانتقالي ببغداد، مرعوبان الآن بالتأكيد من محاكمة صدام علنا، لأنه لا بد ويكشف
الكثير من الوقائع وقضايا التعاون التي ربطت الاثنين معه ومع أجهزته الأمنية
والعسكرية والتجارية والمالية، فالأول كان أول من تحالف مع سلطة صدام، عقب
الثلاثين من تموز 1968 عندما كان يقود مع عمه المرحوم ابراهيم أحمد، الجناح الثاني
للحزب الديمقراطي الكردي المنشق علي قيادة البارزاني الأب، ومعروف أن الطالباني هو
الذي رشح عضو قيادة حزبه المحامي طه معروف وزير دولة في حكومة الانقلابيين الأولي 1968
، قبل ان يتحول للعمل، نائبا لصدام حتي سقوط النظام في نيسان/ إبريل الماضي، وكان
نتيجة هذا التحالف أن سمح للطالباني افتتاح مكاتب وفروع لحزبه وإصدار الصحف وتقديم
الأموال والأسلحة له لمطاردة قوات البارزاني الأب، والتعاون مع القوات الحكومية،
كأدلاء ومخبرين حتي عام 1970، وعندما وقع صدام حسين بيان 11 آذار/ مارس من ذلك
العام مع الملا مصطفي، تم فك التحالف مع الطالباني الذي عاد نادما الي البارزاني
الأب، راجيا الصفح منه، فما كان من الأخير إلا أن يعينه في وظيفة هامشية، كمندوب
له في لبنان ثم القاهرة، ويمكن العودة الي كتاب (البارزاني والحركة التحررية
الكردية) الجزء الثالث لمؤلفه مسعود البارزاني، والصادر في أربيل 2002 ، للاطلاع
علي المهازل التي كان يقوم بها المندوب جلال، والتقارير والرسائل التي كان يرسلها
عنه، المندوب الآخر، فؤاد معصوم، الذي هو الآن ياللمفارقة أحد مساعديه.
ولم تنقطع العلاقة
والرسائل بين جلال وصدام، ولم تتوقف اجتماعات الأول مع السفراء العراقيين في
القاهرة وبيروت وموسكو وصوفيا وبخارست وبراغ وباريس ولندن، حتي جاء عام 1983 حتي
استجاب صدام لمناشدة الطالباني اللقاء به، بعد رسالة رجاء من الثاني بدأها ببيت
شعر مشهور للمتنبي:
يا أعدل الناس في
معاملتي.. كيف ـ الوصول ـ إليك وأنت الخصم والحكم جرت اثر ذلك مفاوضات بينهما
وتوصلا الي اتفاقية كتبت بالأحرف الأولي نصت علي أن يعين الطالباني نائبا لصدام
بدلا من طه معروف الذي استعد يومها للانتقال الي نيويورك مندوبا للعراق لدي الامم
المتحدة وتعيين أحد مساعدي الطالباني (عمر مصطفي) المعروف بدبابة رئيسا للمجلس
التنفيذي لمنطقة الحكم الذاتي في كردستان، والبدء بإجراء انتخابات في المنطقة
لتشكيل المجلس التشريعي، يشترك فيها حزب الطالباني وأطراف وشخصيات كردية موالية
للسلطة، مثل أرشد زيباري رئيس قبيلة الزيباريين الكردية الكبيرة، وعبد الوهاب
الاتروشي محافظ أربيل الأسبق وهاشم عقراوي وزير الدولة السابق وحبيب محمد كريم
مفتش عام ضريبة الدخل أيامها، والثلاثة من كبار قادة حزب البارزاني الأب، واقترح
الطالباني حينذاك ان يعمل هؤلاء في حزب يشكلونه يحمل اسم الحزب الديمقراطي الكردي،
وكان قصده تهميش كل من إدريس ومسعود البرزانيين اللذين كانا يقودان هذا الحزب من
الأراضي الايرانية، غير أن نصيحة وردت لصدام من السوفييت، نبهته الي صلات جلال
وخطوط تعاملاته مع الامريكان والإيرانيين وسورية وإسرائيل، كل علي حدة، جعلت
الرئيس السابق يوقف توقيع الاتفاق معه، في اللحظات الأخيرة، وحدثت مفارقات اثر
ذلك، منها ان صدام منح الطالباني مبلغ ثمانية ملايين دينار بالسعر الرسمي، ما
يساوي في حينه خمسة وعشرين مليون دولار، حول الي فرع مصرف الرافدين في لندن، وحدثت
مشاكل وصلت الي المحاكم، ولكن السفارة العراقية وبالتعاون مع محامين بارزين، نجحت
في حرمان جماعة الطالباني من المبلغ الكبير واعادته الي بغداد، والقصة معروفة
بتفاصيلها للأوساط السياسية العراقية.
وعاود الطالباني
الاتصال بصدام في مطلع العام 1990 والوسيط كان هذه المرة وزير الري السابق والقطب
الشيوعي مكرم الطالباني، الذي يعترف وهو حي ببغداد الآن، انه نقل رسائل من جلال
الي صدام وافق الأول فيها علي العودة الي العراق والتعاون مع النظام السابق، ويضيف
مكرم انه كان يستعد للسفر الي براغ حيث كان جلال ينتظره فيها، خلال الأسبوع الأول
من آب/ اغسطس1990 ، ليصطحبه الي بغداد، ولكن عملية غزو الكويت وما رافقها من أحداث
شغلت صدام وتجاهل الموضوع.
أما ما يخص الصلات
بين مسعود البارزاني وصدام حسين، وأواصر التعاون التي جمعت بينهما، وخاصة في
الفترة من 1991 الي 2003 ، فالمصيبة أعظم كما يقال ويحتاج الأمر الي مقال منفصل
آخر، لالقاء الأضواء علي المعروف والمعلن مما جري بين الاثنين، من صفقات سياسية
واستخبارية ومالية ونفطية وتجارية، وما خفي كان أعظم.