محمد حسنين هيكل... الأستاذ
بقلم :المستشار
طارق البشري
لديّ الحد ألادنى من
امكانية التقدير، التي ادرك بها استحالة تغطية جوانب الفكر السياسي لهيكل في بضع
صفحات، وهو فكر يشيع في عشرات الكتب وفي مئات المقالات كتبت كلها في مدى يزيد على
خمسين سنة، وكلها فكر سياسي، وهو فكر متحرك ومتفاعل مع ظروف تاريخية متغيرة. فيلزم
متابعته في اطار سياقه التاريخي السياسي، وتبين مراحله في ملامحها العامة، وأوضاع
تعامله مع تلك الظروف.
ودراسة اي مجال فكري،
وبخاصة مجال الفكر السياسي، تقتضي دراسة المكونات الاولى للمفكر وتشكله الفكري الاول
وروافد ثقافته وروائه، ثم تفاعله مع غيره من التيارات الفكرية التي شغلت الساحة في
عهده، ويشمل ذلك ما كان يصنعه القدماء عندما يقولون في الاول <<من شيوخه>>
الذين تلقى عنهم، وفي الآخر <<من تلاميذه>> الذين تلقوا عنه؟... ويرسمون
بذلك شجرة الفكر جذورا وفروعا في اي تخصص، ويشمل ما اعتاده المحدثون الآن من ذكر
معارفه الفكرية.
ثم إن هيكل لم يكن
ابداً ممن يتعاملون مع المعارف الفكرية تلقيا وشرحا وتدريسا للطلبة، ولكنه كان
يتعامل مع المواد التطبيقية ويمارس الفكر السياسي بنظرياته ومناهجه، وهو بصدد
التعامل مع هذه المادة بالتحليل واستخلاص النتائج. ولم يكن جمهوره طلبة علم في
جامعة، ولكنهم كانوا من جمهور القراء سواء المتخصصون منهم او الساسة او القراء
العاديون للصحف السيارة. ولج الى الفكر السياسي من باب الصحافة السياسية الباحثة
عن الاحداث والمذيعة لأخبارها وتحاليلها، والصحافة لا تتبع الاحداث فقط ولكنها
تشارك في صنعها على نحو ما، لأنها بالمتابعة اللحظية تتعامل مع احداث غير تامة
الصنع وتكون لا تزال في مجال التشكل.
ان اي دارس مثلي
عندما يقترب من رجل سياسة او باحث سياسي يتعين عليه ان يميز بين الاثنين من حيث
ادوات التحليل التي تستخدم مع اقوال كل منهما وافعاله. ذلك ان رجل السياسة ينشئ
احداثا لم تكن موجودة، ويرصف احداثا عما كانت وقعت من اجل تحقيقه، وقد يصوغ نهايات
لأحداث تتنافى مع بداياتها، وقد يحول دون تحقق آثار لها كان من المقدر ان تحدث. بينما
الباحث السياسي يحلل احداثا دون ان يسهم في إحداثها او في تشكل آثارها، فهو يحلل
ويستخلص العبر، ومن هنا تختلف دلالات الالفاظ والعبارات والمواقف وتتغير مفاهيم
المصطلحات. والصعوبة ان هيكل يقف بين الرجلين، رجل السياسة والباحث السياسي، ويقف
بين الفكر السياسي كما نتبينه من كتب الدارسين وبين العمل السياسي كما نستخلصه من
اعمال الساسة. وهذا يحتاج في تحليله الى مزيد يقظة وتنبه والى فضل مراجعة للقول في
اطاره الفعلي، ونحن هنا امام فعل قوّال وأمام قول فعّال. وهيكل صحافي، بمعنى انه
معني بالاحداث وبالإخبار عنها، يكتشفها ويتحقق منها ويذيعها. والعلاقة بين الخبر والفكر
لا يمكن فصلها وبخاصة في مجال السياسة. ذلك ان الخبر هو ما يتحدث عنه، هو عن حدث،
والحدث فعل وقع، والإخبار عن الحدث هو صياغة له على صورة من الصور، وإظهار له بشكل
من الاشكال، اي هو وصف لما حدث وتكييف له وهذا التوصيف للحدث يتضمن تصورا ويتحدد
وفقا لفكر ما. فالحدث الخاص بخروج جماعة بالسلاح على آخرين، يرد في الخبر أنه ثورة
او تمرد او ارهاب او عصيان. هذا الوصف الذي صيغ به الحدث يتضمن فكرا سياسيا ويتضمن
موقفا سياسيا، والفكر السياسي تنظير لحركة سياسية تتشكل من مجموع احداث ترد في
صيرورة وتتابع.
فإذا كان الكاتب صحافيا
محترفا وجامع اخبار عن احداث سياسية تشكل حركة، فهو بالضرورة يعبّر في صياغته لذلك
عن فكر سياسي، لأن وصف الحدث لا يرد إلا من مفاهيم سياسية وقناعات وتصورات عامة،
يضاف الى ذلك بالمقابل، ان ثمة اسلوبا في الكتابة عن الفكر السياسي يعبر عن
الافكار العامة المجردة من خلال العرض المسلسل للأحداث، فلا يصاغ الفكر مجردا ولكن
يعرض من خلال صور تطبيقية، ويقدم من خلال ربط الاحداث بروابط العلة والمعلول، ومن
كان صاحب اسلوب تطبيقي تجريبي في التعبير عن افكاره العامة، ومن كان متأثرا بمناهج
المدرسة الانكليزية في التعبير العلمي في مجال العلوم الإنسانية، من كان هذا دأبه
فهو عادة ما يصوغ افكاره بتتابع الاحداث، والاقناع بذلك اساس الافتراض النظري يرد
مصحوبا بدليله التطبيقي.
من منتصف السبعينيات،
عندما ترك <<هيكل>> ادارة العمل الصحافي، الذي كان يجعل له اربتطا
وثيقا مباشرا بالسياسة الجارية، ظهر العمق التاريخي بارزا في كتاباته السياسية. اقول
<<العمق التاريخي>> لأنه دائما وحتى الآن كاتب في السياسة، وهو دائما
يخاطب الحاضر، وإن كان يزود قارئه بمادة إخبارية عن جذور الماضي الممتدة في احداث
الحاضر، وساعد على ذلك ان كتابة الكتب رجحت كتابة المقالات، بما زاد نصيب المعالجة
التاريخية للموضوعات، وتبدو امام الدارس متعلقة بالتقاط الفكر السياسي وتكثيفه من
خلال المعالجات التاريخية.
???
كل هذه الصعوبات
المنهجية تقتضي التأني وإمعان النظر المتميز بين الفكر المستخلص وبين الاخبار
والاحداث التي عرضها في سياقها، وما يقتضيه ذلك من مقارنات ومن متابعات للموضوعات
محل الاهتمام، وتبين ما اغزرت فيه مادة الانتاج وما قلت وإدراك الفروق بين
المتشابهات، ومعرفة المتوافق بين المتغيرات، ولتبيّن ذلك يتعين اعادة المطالعة
الكاملة، فلا يُكتفى بالامثلة ولا يكتفى بالمخزون المعرفي المودع بالذاكرة ولا ما
ترسب من انطباعات القراءات الاولى.
لذلك قلت انني <<احوم>>
حول المادة المبحوثة وإن كنت اوشك ان اقع فيها.
وبنظرة سريعة الى
الملامح العامة، يمكن القول ان <<هيكل>> كان صحافيا سياسيا في الاساس
حتى قامت ثورة 23 يوليو، فلما ارتبط بها وتولى رئاسة تحرير صحيفة الاهرام صار
سياسيا حركيا يستخدم الصحافة في التعبير عن موقف ثورة 23 يوليو او عن موقفه
السياسي في هذا الاطار.
ومع تركه صحيفة
الاهرام في 1974 صار مفكرا سياسيا في الاساس... وان ابراز هذه الملامح العامة لا
يقتضي فصلا صارما بين المراحل، ولا يخل بالتداخل بين هذه المراحل.
وهيكل صاحب تعبير
متبلور عن الحركة الوطنية المصرية في المرحلة المتميزة التي عاشتها هذه الحركة في
الربع الثالث من القرن العشرين. وقد تميزت هذه المرحلة بأنها المرحلة التي تحقق
فيها الجلاء العسكري الاجنبي عن مصر وتحررت الارادة السياسية المصرية، وانها مرحلة
الاشتباك مع <<الاستعمار الاجنبي>> ووجوده العسكري في معارك خارج حدود
مصر عن طريق اشاعة رفض الاحلاف العسكرية وإشاعة روح عدم الانحياز للقوى العالمية
الكبرى، وانها مرحلة تعميق الاستقلال الوطني افقيا في اطار الجماعة العربية،
وتعميقه رأسيا في اطار التنمية الاقتصادية المستقلة، وانها مرحلة الصراع مع الوجود
الاسرائيلي في فلسطين.
وهذه المرحلة تشابكت
فيها اوضاع الحركة الوطنية بالسياسة الدولية والسياسة العربية. وهي في ظني اول
مرحلة اتجهت فيها <<مصر>> بوصفها جماعة سياسية متميزة ودولة مستقلة
اجتهدت في ان ترسي ثوابت وأسسا لسياسة خارجية وسياسة دولية تعكس منظورا مصريا
عربيا مستقلا، وتهدف الى تحقيق صالح وطني يصاحبه ادراك لضوابط الامن القومي ونظر
استراتيجي للمصالح البعيدة المدى، وفي هذه الفترة عينها بدأ الفكر الاجتماعي
المصري يبلور نظرات حول الخصائص التي تميز الوضع المصري ودوائر انتمائه. وشغلت هذه
القضايا اذهان المصريين وباحثيهم سواء في كلياتها او في فروعها. وكان هيكل من اهم
المساهمين في هذا المضمار، لا بكتاباته فقط، ولكن بإدارته لوجوه من هذا النشاط. ولهيكل
قدرة على ادارة حوار فكري ايجابي، اي حوار من هذا النوع من الحوارات التي يتغذى
بعضها من بعض ولا يتنافى بعضها مع بعض. إن حسن ادارج الحوار هو المعوّل عليه في ان
يكون ايجابيا ينتهي الى نتائج تستوعب ايجابيات المتحاورين، او سلبيا يهدم بعضه
بعضا وينتهي حصاد هشيم وقبض ريح. فهو مفكر يدرك كفاءات الرجال ويدرك وجوه هذه
الكفاءة وكيف تستخدم في ما تيسر لها. وهو يدرك وجوه الاخصاب بين الافكار. اقول ذلك
لأن هذه الصفة افتقدناها للاسف الشديد. على مر العقدين الماضيين، افتقدنا ان يوجد
في حياتنا الثقافية على قمة منبر ذي نفوذ وفاعلية من يستطيع ان يوجه الحوار القومي
في مجالات حياتنا الثقافية المختلفة، يوجهه الى ما تتلاقح به الافكار وتخصب، لا
الى ما تتقاتل فيه وتذوي. ان افتقادنا واحداً لديه هذه الملكة وهذا العزم، كبدنا
خسائر ضخمة في الجهد الفكري وبدد طاقات ثقافية كنا احوج ما نكون إليها، واوقع
شبابنا الآن في <<لا ادرية>> عقيم.
وهيكل لا يمكن فصله
عن ثورة 23 يوليو 1952، له تاريخ فكري سابق لها ولاحق عليها. ولكنه في الفترة من 1952
حتى 1970، امتزج بها لا ينفك عن تيارها العام. وقد يلقي عليه ذلك عبئا جسيما من
اشتراكه في حمل ما يوجه الى نظام الثورة وممارستها من ايجابيات وسلبيات. ولكن
الحصيلة النهائية في ظني بالنسبة للثورة وبالنسبة له سترجح الايجابيات فيها
السلبيات. اقول ذلك لأنني من هذا الفريق من الناس الذي يجعل المعيار الاول في
الحكم على السياسات المتبعة والنظم القائمة على مر القرنين الاخيرين، مدى جدية
المواجهة للمخاطر الخارجية ومدى الكفاءة في هذه المواجهة. وهذا ما يعبَّر عنه بعدد
من العناصر منها الاستقلال الوطني، مراعاة اعتبارات الامن القومي، تحرير الارادة
السياسية للجماعة الوطنية، اتباع خطط التنمية الاجتماعية المستقلة، وإن كل الاحداث
الاخرى إنما تتحقق في ظني من خلال هذا الهدف الاول وهي مشمولة به ومحكومة ومشروطة
به. وقد اكد هيكل هذا الارتباط في كتبه التي اصدرها بعد انتهاء المرحلة الناصرية
وابتعاده عن الممارسة السياسية المباشرة من خلال الدولة منذ منتصف السبعينيات.
اقول باستحالة الفصل
بين الفكر السياسي لهيكل وبين فكر ثورة 23 يوليو مع علمي بالفروق الكثيرة والمهمة
التي تميز بين قيادة ثورة ورئاسة نظام سياسي وصدور قرارات، وبين صاحب رأي ونظر،
بينما صلة عبد الناصر مثلا بالثورة ونظامها هي صلة اندماج، كما يعبّر رجال القانون
بعبارة <<اندماج الحق في الصك>>. وليست هكذا صلة هيكل بها، الاول يركب
الدبابة ويطلق القذائف والثاني يركب المصاحبة في ارض المعركة ويتابع تحت خط النار،
وهو كما يقول الماوردي: <<يؤدي السلطان ويشارك بالرأي>> يؤدي له
بالخبرة والمعلومة ويؤدي عنه بالتوجه ويشارك بالرأي في وزن المواقف.
وهيكل ذو مرجعية في
التعبير عن ثورة 23 يوليو، لا يكاد يماثله في ذلك اكثر من عايش الثورة وعبر عنها
حال نشاطها ودافع عنها حال فواتها بعد منتصف السبعينيات، لكني لاحظت بالنظرة
العجلى انه في دفاعه عن ثورة 23 يوليو وعهدها وفي تأريخه لها وذكر وقائعها، في ذلك
كله قد اولى موضوع <<الاشتراكية>> اقل اهتماماته النسبية، رغم تعرضه
للقطاع العام وضرورته ومدى النفع منه في قضايا الامن القومي والتنمية. وانه كذلك
اولى اقل اهتماماته النسبية موضع التنظيم السياسي والادارة السياسية لاجهزة الحكم
وما شاكل ذلك. وكان اهم ما احتشد له في ربع القرن الاخير واستوعب كل كتاباته ثلاثة
جوانب: قضايا السياسة الخارجية والصراع حول تحرير الارادة السياسية في مواجهة ضغوط
الخارج ومساعي الهيمنة من الدول الكبرى، وكذلك قضايا الصراع العربي الاسرائيلي
الذي شغل حياتنا السياسية كلها في نصف القرن الاخير، وقضايا العلاقات العربية
العربية.
وقد لاحظت عندما كنت
اجمع مادة كتاب لي عن <<الديموقراطية ونظام 23 يوليو>> الذي نشرت
طبعته الاولى في 1987، وهو دراسة خصصتها لموضوع الابنية التنظيمية للثورة، لاحظت
انني لم اجد لهيكل في هذا الشأن كتابات تعكس وجهة نظره وتؤثر في ما كنت بصدد بحثه...
لذلك قد يلحظ من يقرأ هذا الكتاب، انني لم اثبت <<هيكل>> في اي من
هوامش المراجع. احترمت سكوته الذي وجدته مقصودا وهو من حقه، وان حرية الصمت
المقصودة هي جزء من حرية الكلمة من باب أولى وهي لا تعني الرفض ولا الموافقة، فلا
ينسب الى ساكت قول. وبدا لي من تجربته ونوع نشاطه أنه يشارك في السياسات والتوجهات
وليس في التشكيلات والتنظيمات، وأن مساهماته ترد في المضامين السياسية وليس في
الهياكل السياسية، وبدت لي فيه فردية المثقف وامتناعه عن الانضواء التنظيمي، ولم
أقتنع بحجية اقوال له ترد عفوا في هذا المجال.
وان هذا الذي عبر
بشروحه السياسية والتاريخية عن جوهر ما يعرف الآن بالناصرية، لاقى هجوما وازورارا
من فئتين، اولاهما كثير من الماركسيين الذين اعتبروه من معوقات تحول النظام
الناصري إلى الاشتراكية الماركسية، وثانيتهما بعض ذوي النفوذ السياسي من رجال دولة
عبد الناصر وتنظيماته السياسية، وفي بعضهم رشحات من الفكر الماركسي تسربت إليهم في
الستينيات، وهؤلاء لم يكونوا على وفاق سياسي معه وخاض بعضهم معارك سياسية ضده
اتسمت احيانا بالحدة، وخمدت هذه الحدة كثيرا من منتصف السبعينيات بعد عدول الدولة
عن الناصرية، ووقوف هيكل مدافعا ذكيا عن الناصرية، وإن بقي البعض مستصحبا مواقف
الخصام السابقة.
نقلا عن السفير