التخلف والعدوان علينا
بقلم :منير
شفيق
لنتأمل في النظرية
التالية: «معطيات التخلف التاريخي الموروث هي التي تمكن الاطماع الخارجية
والمخططات الاسرائيلية من تحقيق اغراضها. وهذا يعني ان نتحرر من دائرة الجدل
العقيم بين تأثير العوامل الخارجية او الداخلية وايهما سبب التراجع. فالعلاقة
بينهما عضوية وكلما ضعفت المناعة والحصانة الذاتية وبقيت على حالها تغلبت العوامل
الخارجية التي لن نوقفها بمجرد ادانتها اخلاقياً، او فضح تآمرها مع انكار ما لدينا
من نقاط ضعف في الهياكل الرسمية والاهلية على حد سواء» (محمد جابر الانصاري/ا
لحياة 8/10/2003).
هذه النظرية تنتسب
الى مقولة مالك بن بني حول «القابلية للاستعمار». ولكنها تحاول ان تعترف بعلاقة
عضوية بين تأثير العوامل الخارجية او الداخلية وايهما سبب التراجع. ومع ذلك نجد
هذه العلاقة طريقاً في اتجاه واحد: «ضعف المناعة والحصانة الذاتية» هي التي تجعل
العوامل الخارجية تتغلب. وهذا الغاء لدور العوامل الخارجية وما تتمتع به من قوة
عسكرية وتفوق في ميزان القوى وسيطرة عالمية. او انكار لقانون نسبية القوة والضعف.
اولاً: يكفي ان نلحظ
ان العوامل الخارجية ذات طابع عالمي وليست مسألة تخصنا دون العالم. فالهيمنة
الاستعمارية قديماً، والهيمنة الامريكية الآن، يشملان العالم كله، بشكل او بآخر. الأمر
الذي يعني ان ما يُسمى بالعلاقة العضوية بين الخارج والداخل لها علاقة ايضاً بقوة
الخارج، وما يمتلكه من قدرات عسكرية ومالية واقتصادية ونفوذ عالمي. وليس بما ينسب الينا
من ضعف فقط.
ثانياً: الاطماع
الخارجية والاسرائيلية مصدرها يعود الى طبيعة الدول الاستعمارية قديماً، ولاحقاً
الى طبيعة الدولة الامريكية التي تسعى للهيمنة على العالم ونهب ثرواتها. والامر
كذلك بالنسبة الى الاطماع الاسرائيلية. فالعدوان لا يجوز ان يُفسّر بسبب ضعف
المعتدى عليه وانما يجب ان يُرى باعتباره طبيعة مكونة للمعتدي. اما لماذا لم يستطع
الضعيف ان يردعه ويمنعه، فلهذا اسباب كثيرة لها علاقة بالطرف الأقوى قبل ان تكون
بالاضعف والا كانت عشرات الدول جاءت لتعتدي علينا اذا اقتصر الأمر على مناعتنا
وحصانتنا الذاتية.
ثالثاً: ليس ثمة
مجتمع لا يمكن اختراقه، او ليس فيه نقاط ضعف. وهنا يأتي قانون القوة ونسبية موازين
القوى ليفجرا التناقضات الداخلية ويخترقا نقاط الضعف، او ليخفيا التناقضات ويطمسا
نقاط الضعف. فمثلاً لو كانت هنالك دولة بقوة الولايات المتحدة عالمياً في مرحلة
الحرب الأهلية الامريكية بين الشمال والجنوب وراحت تدعم الجنوب وتحاصر الشمال لما
قام الاتحاد الامريكي بل لتمزق شر ممزق.
وبكلمة فان تجاهل سنن
الصراع بين الدول واهمية موازين القوى العالمية لا يقود الى تقوية الذات لأن شرط
التقوية هنا هو مواجهة حقيقة الهيمنة الخارجية وتأثيراتها. ومن ثم عدم تبرئة الآخر
بما يرتكب من جرائم وعدوان تحت حجة ان المشكلة في معطيات «التخلف التاريخي الموروث».
ولا تدري اين سيذهبون، وما يضمرون عند الحديث عن «التخلف التاريخي الموروث» ما
داموا لم يقولوا لنا ماذا يقصدون.
رابعاً: الشعوب التي
قاومت الاستعمار ومنها الشعب الفيتنامي كانت ترزح تحت تخلف تقليدي من اوجه عدة،
وكانت في مجتمعاتهم نقاط ضعف كثيرة، فقد كان هنالك جيش باكمله فيتنامي شمالي - جنوبي
يحارب الثورة الفيتنامية الى جانب الفرنسيين ثم الامريكيين. ومع ذلك سنظل نسمع ان
سبب العدوان علينا ناجم من تخلفنا التاريخي ونقاط ضعفنا، والا ما فكر احد في
الاستيلاء على بلادنا.