منع الحجاب في فرنسا.. لماذا؟؟

 

 

 

بقلم : د.نورة السعد

 nora_23@anet.net.sa

 

أثق أن من يقرأ الأجندة السياسية للانتخابات الفرنسية سيتذكر ما أثير في عام 1995م من ضجة رافقت منع بل ومصادرة كتاب الدكتور يوسف القرضاوي (الحلال والحرام في الاسلام) الذي صدر باللغة الفرنسية عام 1992م ووجد إقبالاً كبيراً لدى الشباب المسلم الناطق باللغة الفرنسية. ومن المبررات التي ذكرها السيد اندري داميان مستشار وزير الداخلية المكلف بالشعائر التعبدية ورئيس بلدية فرساي حول قرار وزير الداخلية الفرنسي شارل باسكوا بمصادرة هذا الكتاب ومنع تداوله في فرنسا!! ما جاء في تصريحه حنيذاك قائلاً: (ان الكتاب لا يمثل دعوى للجريمة ولكنه يدوس بعض المبادئ الجمهورية مثل المساواة بين الجنسين) وأشار الى ما ذكر في الصفحة 207في الكتاب التي كانت تتحدث عن العلاقة بين الرجل والمرأة من وجهة الحكم الشرعي وخصوصاً في حالة نشوزها.

وبالطبع لن ندخل الآن في حوار عن مضمون هذا التشريع.. ولكن سنجد ان المبرر او الذريعة التي تمسكت بها الادارة الفرنسية يومها لمنع الكتاب المعني هي تدخله في مفهوم كيف ينظر الغرب الى الاسلام وما يتهم به الاسلام انه يهين المرأة..

وما ذكر يومها عن البعد السياسي حول هذا القرار وضح أن نتائج الدورة الاولى للانتخابات الرئاسية أبرزت تقدماً ملحوظاً لأقصى اليمين الذي يرأسه جون ماري لوبان زعيم الجبهة الوطنية الذي حصل على 15% من الأصوات مما دفع بعض الملاحظين الى اعتباره الحاكم الرئيسي في الدورة الثانية.. وبصدور قرار المنع لمداولة الكتاب من وزير الداخلية شارل باسكوا وتوقيته كان يخضع لحسابات سياسية من أجل كسب أصوات ناخبي الجبهة الوطنية في الدورة الثانية الحاسمة باعتبار ان الحكومة حينها كانت ذات توجه يميني،وصدور القرار يهدف ضمنياً إلى تقديم خدمة لشيراك عن طريق تهيئة المناخ للناخبين المترددين بالتصويت له بطرح ورقة الاسلام والتصدي للفكر الاسلامي خاصة وأن المجتمع الفرنسي تسوده تخوفات من الوجود الاسلامي من جراء التشويه الإعلامي ومواقف بعض السياسيين.

ومما يؤكد أن أحد الأهداف من مصادرة ذلك الكتاب كان بسبب نجاحه في الأوساط الاسلامية وخصوصاً لدى شباب الجيل الثاني من المسلمين الفرنسيين ما ذكره السيد داميان حيث ذكر ان المنع ليس لجميع كتب الدكتور القرضاوي وإنما (اختارت هذا الكتاب لأنه لقي رواجاً كبيراً، انه اجراء بيداغوجي)!!.. وما فسر يومها أن هناك اقبالاً كبيراً من الفرنسيين أنفسهم لمطالعة الكتب الاسلامية باللغة الفرنسية والى تزايد عدد معتنقي الاسلام.. وكانت ردة الفعل تجاه هذا القرار قوية لم تتصورها الادارة الفرنسية مما أدى الى نشر مقالة في اللوموند عن (حتى لا تظهر الحكومة في مظهر التراجع تمت تغطية مسألة إعادة النظر في القرار من خلال فحص الطعن المقدم من مسجد باريس حتى لا تكون المبادرة من الحكومة... الخ).

والدكتور القرضاوي في كتابه ذاك كان يتحدث عن سلوك المسلم في مجتمعه وأموره العامة والخاصة ولم يتعرض لا للغرب ولا للشرق والكتاب اعتمد على منهج التيسير والتسامح.. وعندما سئل يومها عن هذا المنع ذكر: (ان هذا الموقف الفرنسي مخالف للدساتير ومخالف لحقوق الانسان ولميثاق الأمم المتحدة ولمبادئ الثورة الفرنسية .. إن الحضارة الاسلامية واسعة الثقافات متنوعة الأفكارلم تفرض على أحد أن يتخلى عن واجب من واجبات الدين، بل تركت لأهل الكتاب ما هو مباح عندهم ومحرم عند المسلمين بشرط أن لا يروجوا ذلك بين المسلمين.. لقد قلت هذا فاعتبروني عدواً (العداوة للقيم الجمهورية كما ذكر قرار وزير الداخلية).. وذكر القرضاوي انه ذكر في الكتاب ان (الحجاب فريضة اسلامية والعلمانية الفرنسية تقول ان الحجاب رمز اسلامي. وقد قلت لهم قبل أشهر في مؤتمر عقد في فرنسا في اكتوبر 1994م ان الحجاب ليس رمزاً اسلامياً لأن الرمز لا وظيفة له والحجاب له وظيفة ووظيفته الستر والاحتشام)..

ومما ذكر في تلك الفترة أن مسألة الانتخابات محاولة تملق اليمين المتطرف في فرنسا بأخذ مثل هذه القرارات الجزافية لارضاء المتشددين بمثل هذا الموقف العدائي للجالية الاسلامية الكبيرة في فرنسا..

ومما قاله الدكتور القرضاوي يومها: (أهذه هي الحرية الفرنسية الغربية أن يدافعوا عن كتاب الآيات الشيطانية التي فيها تهجم على نبي الاسلام وبيته وحرماته ويعتبر ذلك من الحريات التي يدافع عنها ويصادر كتاب الحلال والحرام الذي يطبع منذ أكثرمن أربعين عاماً وترجم الى ما يزيد عن أربعين لغة أجنبية وليس في الكتاب ما يعادي الغرب ولا الشرق.. بل لا يمس الغرب في قليل ولا كثير)!!

@@ ما يواكب الآن موافقة الرئيس الفرنسي جاك شيراك على توصية لجنة تطبيق مبدأ العلمنة في الجمهورية الفرنسية التي شكلت لتحييد الدين من التدخل في الشؤون العامة للدولة والتي ترجمتها عبارات شيراك حول (حظر ارتداء الازياء او وضع الرموز التي تفصح بطريقة تلفت الانظار عن الانتماء الديني.. ومن الضروري سن قانون لهذا الغرض) وتم ذكر الحجاب والقلنسوة والصليب..

ما يواكب هذه التوصية من رفض في الشارع الفرنسي المسلم ومثيله في بريطانيا.. يفرض على كل من سيدرس هذه التوصية أن لا يخرجها من سياقها الديني/ العلماني والثقافي والسياسي في المنظومة الغربية بشكل عام والفرنسية والالمانية على وجه الخصوص.. (للحديث بقية)..