دور المستشرقين في تخريب
العلاقة بين الغرب والإسلام
بقلم :د .
يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@
hotmail .com
بثت شبكة «ان.بي.سي. نيوز» - كما جاء في مقال الأستاذ فهمي هويدي بجريدة
الشعب بتاريخ 26\10\2003 - شرائط فيديو ظهر فيها الجنرال ويليام بويكين نائب وكيل
وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون المخابرات، وهو يتحدث مرتديا زيه العسكري في بعض
الكنائس عن الإسلام والمسلمين، قائلا انهم يريدون تدميرنا «لأننا شعب مسيحي»،
و«انهم عدو روحي يدعى أمير الظلام، وعدو يدعى الشيطان»، ومضيفا "إن إلهنا
حقيقي أما إله المسلمين فهو مجرد وثن " (!)
لقد كان كلام الجنرال الأمريكي - كما يقول
الأستاذ فهمي هويدي - طاعنا بشكل جارح في عقيدة المسلمين ومرددا
لمقولات بعض من قادة الانجيليين المتعصبين في الولايات المتحدة

وفي تقديري أننا إذا ما أخرجنا هذه التصريحات -
وأمثالها يفوق الحصر - من سياقها السياسي ورجعنا بها وبأمثالها إلى سياقها الثقافي الذي ينبع منها
أدركنا أنها لم تكن غريبة ، وإن استغربها
بعضنا لعوامل مختلفة .
لقد كان كلام الرجل منسجما تماما مع بيئته الثقافية المتشربة بكراهيتها
للإسلام على مدى الأجيال والقرون ، سواء في أمريكا أو أوربا. ومن هنا فليس من
الصواب أن نعطي أهمية تذكر لما يقال عن التحقيق الذي يمكن إجراؤه أو عدم إجرائه مع
الجنرال الأمريكي المذكور من رئاسته فهو مجرد فسيل في غابة الكراهية المنتجة
أوربيا ضد الإسلام .
وهي كراهية على وعي كاف بالتفرقة بين ما هو
الإسلام ومن هم المسلمون ، ومن ثم فهم – وفي وضوح تام – يوجهونها إلى الإسلام رأسا ، ففي نشرة قناة الجزيرة بتاريخ
25\10\2003 اعترف الصحفي الفرنسي المعروف كلود إيمبير الذي يكتب الافتتاحيات في
مجلة "لو بوان" الفرنسية بحقيقة مشاعر الكراهية التي يحملها للدين
الإسلامي.وصرح بأنه يحمل نفورا من الإسلام ، واتهم إيمبير الإسلام بأنه ينظر
للمرأة بطريقة تقلل من مقامها بشكل مستمر، وقال إن السعي إلى إحلال شريعة القرآن
مكان شرائع الدول يجعله ينفر من الإسلام، وإن الدين المسيحي يزعجه أقل ، لأنه لا
يملك مثل هذا الادعاء، وأضاف أنه "لا يوجد أي سبب للتنازل إلى حد نكران
القناعات العميقة بداعي التسامح".. ومضى يقول في لقاء أجرته معه محطة "LCI" عن موضوع الحجاب "إ ن الإسلام يحمل مجموعة من الحماقات
والتقاليد القديمة المختلفة "، وأضاف " يجب أن أكون صريحا، ولي الحق
وهناك غيري في هذا البلد يفكرون مثلي بأن أقول إن الإسلام لا الإسلاميين يحمل
مجموعة من الحماقات والتقاليد القديمة المختلفة".
ومن هنا فليس من الصواب أن نعطي أهمية تذكر لما
يقال عن التحقيق الذي يمكن إجراؤه أو عدم إجرائه مع الجنرال الأمريكي المذكور من
رئاسته فهو مجرد فسيل في غابة الكراهية المنتجة أوربيا ضد الإسلام .
أوما يقال عن استنكار الحركة المناهضة للعنصرية
والمؤيدة للصداقة بين الشعوب في فرنسا لتصريحات الصحفي المذكور، فهي مجرد فقاعات
فوق سطح محيط من الكراهية التاريخية العميقة المتجددة ، التي تهب علينا من اتجاه
واحد ، وهي من ناحية أخرى محض محاولات التهدئه تأتي في سياق مناسبة التوقيت .
في تقديري أنه لم يعد الأمر يسمح بتجيير
المعركة إلى المسلمين باعتبارهم نموذجا سيئا للإسلام فيصبح اللوم كله استحقاقا
خالصا لهم ، و يتم الاعتذار عن السيد "
الغربي " في كراهيته للإسلام باعتبارها كراهية مبررة ، وهو اعتذار ناشئ من
نفسية الطرف المهزوم وميله لجلد الذات وتقديره
المتورم للمنتصر التاريخي ، ولقد آن الأوان للمهزومين أن يكشفوا عن جهة البلاء
النازل بهم : إنها الكراهية الطافحة عليهم
من نوافذ السيد الغربي بتكوينه التاريخي وبيئته
الثقافية المتجذرة في الأعماق
ولقد ساهم في تكوين هذه البيئة بصفة أساسية
تراث عريض مما يسمى " الاستشراق "
وفي صنيع قدمه للإسلام إدوارد سعيد لم يقدمه له أجيال من أبنائه ممن ذهبوا للغرب
للاغتراف من معينه (!) كشف الراحل العبقري في كتابه " الاستشراق : الانشاء .
المعرفة . السلطة . " " ــ ترجمة كمال أبوديب طبعة 1981 صــ 64 ــ 65 - عن جريمة
المؤسسة الاستشراقية فيما سماه " شرقنة الشرق " ، هذه الشرقنة
التي وضعت الإسلام عند الإنسان الغربي في سجن التصور الاستشراقي ، منذ صلة أوربا
بالشرق حتى اليوم وكان من ضحاياه الأجيال والملايين من أمثال الجنرال والصحفي
سالفي الذكر في أوربا القديمة والجديدة وأمريكا الشمالية والجنوبية على السواء
وإذا كان الدكتور إدوارد سعيد قد استفاد كثيرا
من جو الحرية العلمية في الولايات المتحدة للوصول إلى ما وصل إليه في دراسته عن
الاستشراق فإن جو العداء الثقافي للإسلام كان أكثر تجذرا في تلك البيئة من جو
الحرية العلمية الأمر الذي ظهر أخيرا في
استصدار تقنين منع مثل هذه الدراسات مستقبلا كما جاء في تقرير لقناة الجزيرة ظهر في نشرتها بتاريخ
15\12\2003
إنه بالرغم من ادعاء الغرب الموضوعية في المنهج
العلمي فقد أصبح من الواضح ــ طبقـاً لدراسة " ادوارد سعيد " أنه افتقد
هذه المنهجية تماماً في دراسته للشرق في جميع أدواره ، إذ أصبح الشرق عنده هو
الشرق الذي " يصنعه" لأغراض في المعرفة والسلطة ، أو هو الشرق الذي
" يشرقنه " على حد تعبير إدوارد سعيد " .
وكما يقول نورمان دارييل ــ حسب الدراسة المشار
إليها ــ لم يكن الغرب ليقبل أن ما يقول المسلمون إنهم يؤمنون به هو فعلاً ما
يؤمنون به !! . فقد كان ثمة صورة مسيحية
ــ أي عن الإسلام ــ لم يتخل الغرب عن تفاصيلها ــ حتى تحت ضغط الحقائق الواضحة
. وكانت جميع التصويبات التي أدخلت ... مجرد
دفاع عما كان قد اتضح حديثاً أنه عرضة للنقد .
وقد ازدادت ــ كما يقول د . إدوارد سعيد ــ هذه
الصورة المسيحية الصارمة للإسلام حدة وتوتراً بطرق لا تحصى . كان بينها ــ خلال
العصور الوسطى - تشكيلة واسعة ..
وبحلول عصر النهضة كان الشرق الأدنى قد أدغم
تماماً في التصور المسيحي للعالم ، على نحو ما حدث فى أغنية رولان ، حيث تصور
عبادات العرب على أنها تشمل ماهومت ، وأبولو!! .وماهومت فى اللفظ الأوربي هو محمد r !!
يقول د. إدوارد سعيد : (! بالنسبة لأوربا
كان الإسلام رجة مأساوية دائمة، ولم يصبح الإسلام رمزاً للرعب والدمار والشيطان والبرابرة
الممقوتين بصورة اعتباطية )
إن
أوربا لكي تمتص هذا الخطر الكئيب حولته (شيئاً منسوجاً في لحمة الحياة الأوربية ،
وفى انكلترا - عصر النهضة وحدها كان أي رجل متوسط التعليم والذكاء " يستطيع
أن يرى على مسارح لندن عدداً كبيراً نسبياً من الأحداث المفصلة في تاريخ الإسلام )
، والنقطة الهامة في ذلك ــ كما يذكر إدوارد سعيد ــ هي أن ما ظل متداولاً حول
الإسلام كان صورة معدلة مصغرة عن تلك القوى
الخطرة التي صار الإسلام رمزاً لها في أوربا .
ومن تلك الصور المعدلة وبتعبير أدق "
المشوهة " ــ والتي أثرت على المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام :
قياسهم شخصية محمد r على شخصية المسيح
( فقد افترض بطريقة خاطئة تماماً أن محمداً كان للإسلام مثل ما كان المسيح
للمسيحية ) ومن ذلك : ( إطلاق التسمية "المحمدية" على الإسلام ) . وأصبح
التصور المسيحي للإسلام ليس هو الإسلام نفسه بقدر ما هو " تمثيل "
الإسلام للمسيحي في القرون الوسطى.
يقول د. إدوارد سعيد في عرضه لقضية " التمثيل"
تلك : ( إن الثقافات تميل دائماً إلى
إخضاع الثقافات الأخرى لتحولات كاملة ، متلقية إياها لا كما هي ، بل من أجل مصلحة
المتلقي كما ينبغي أن تكون !! ) وتمثيل المستشرق هنا هو تمثيل ( لجوهر لا يؤمن
المستشرق بوجوده ذرة من إيمان ، بل إنه يفعل ما يفعل عادة لخدمة غرض ) ثم يقول (
والتمثيلات تشكيلات ــ أو كما قال رولان بارت .. التمثيلات إفساد لتشكيلات) .
إنها عملية تزييف علمية إن صح هذا التعبير
وتستمر عملية التزييف للإسلام ــ في الرؤية
الغربية ــ منذ العصور الوسطى إلى اليوم .
يقول د. إدورد سعيد ( هكذا نجد في القرنين
الثاني عشر والثالث عشر تصديقاً عاماً لكون الجزيرة العربية على حواشي العالم
المسيحي ملجأ طبيعياً للهراطقة العصاة .... بينما يأتي مستشرق في القرن العشرين
ليشير إلى أن الإسلام ليس في الحقيقة إلا هرطقة آرية من الدرجة الثانية ) .
هكذا في امتداد من القرن الثاني عشر إلى القرن العشرين
!
وفى كتاب هام " المكتبة الشرقية "
لبارتلمي ديربيلو ــ كتب فى آخر القرن السابع عشر وظل المرجع الرئيسي السائد في
أوربا حتى أوائل القرن التاسع عشر ، نجده يقول عن محمد( صلى الله عليه وسلم ) : ( هذا هو المنتحل المشهور ماهومت ، المؤلف
والمؤسس لهرطقة اتخذت لها اسم الدين نسميها نحن "الماهومتية " … وقد نسب مفسرو
القرآن ، وفقهاء الشريعة الإسلامية أو الماهومتية إلى هذا النبي المزيف كل المدائح
التي نسبها الآريون والهراطقة الآخرون إلى يسوع المسيح مجردين إياه في الوقت نفسه
من ألوهيته … !!! ) .هكذا .
وهل يعرف القارئ ماذا فعل " دانتي "
فى جحيمه الذي احتفل به نُخبة المثقفين في البلاد الإسلامية في العصر الحديث ،
ورأوا فيه هرماً عالياً من أهرامات الثقافة الأوربية ، وقمة من قمم الأدب الأوربي
والعالمي ، وأخذوا يقارنون بينه وبين
رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، ويعقدون الصلة بينهما دون أن يشيروا ولو من
طرف خفي إلى تشويهه وأحقاده العميقة للإسلام وإساءته البالغة لشخصية الرسول ( صلى
الله عليه وسلم ) ؟
إنه وضع موميتو – كما يسميه – في الدائرة الأعمق من الجحيم .. فـقـبل أن يبلغ
دانتي إلى موميتو فى رحلته في الجحيم يمر عبر دوائر تحتوى على أناس آثامهم من
مرتبة أدنى ، حتى إذا وصل إلى موميتو فإنه لا يبقى بعده في الدائرة الأعمق غير
يهوذا وبروتس ، ثم يصل إلى قعر الجحيم ، حيث يوجد الشيطان ذاته. !!
ولا نحدثكم عن العقاب الذي فصله تفصيلاً في هذه
الدائرة فهو مما لا يطاق ذكره في هذه الإشارات .
وبالرغم من أن سيمون أوكلي في كتابه "
تاريخ العرب " الصادر عام1708 قد أعلن دائماً ( أن الإسلام كان هرطقة مستنكرة
) فقد تم طرده من كمبردج عام 1709 لكشفه
لحقيقة كانت صدمة مؤلمة للجمهور الأوربي ، تلك هي : أن الأوربيين يدينون للمسلمين
بأول ما عرفوه عن الفلسفة.
والحقد الأكبر لأوربا ضد الإسلام فيما يقوله
هنرى بيرس .. يبدأ من ظهور الإسلام إلى اليوم ، إذ كانت نتيجة الغزو الإسلامي الذي
بدأ في القرن السابع إزاحة مركز الثقافة الأوربية باتجاه الشمال بعيداً عن البحر
الأبيض المتوسط الذي تحول إلى منطقة عربية
.
وقد كان الشرق الإسلامي بخاصة هو الذي تحدى
حركة الاستعمار الأوربي في العصر الحديث .
فــ ( بالنسبة لأوربا كان الشرق ــ باستثناء
الإسلام ــ حتى القرن التاسع عشر ميداناً ذا تاريخ مستمر من السيطرة الغربية التي
لم تجد من يتحداها .. إلا أن الشرق العربي والإسلامي بشكل عام كانا الوحيدين
اللذين واجها أوربا بتحد لم تجد له حلاً على الأصعدة السياسية والفكرية ، والاقتصادية
أيضاً ...
لقد كان الإسلام استفزازاً حقيقياً لأوربا بطرق
عديدة . فقد كان قريباً من المسيحية قرباً مقلقاً جغرافياً وثقافياً .. وكان
بمقدوره أن يفاخر بنجاحات لا تنافس عسكرياً وسياسياً ، بل إن ذلك لم يكن كل شئ ،
فالأصقاع الإسلامية مجاورة للأصقاع التوراتية ، بل حتى فوقها ، وأكثر من ذلك فإن
قلب المجال الإسلامي كان دائماً ولا يزال الإقليم الأكثر قرباً إلى أوربا ..
ومنذ نهاية القرن السابع حتى معركة ليبانتو عام
1571 كان الإسلام في شكله العربي والعثماني أو شمال الإفريقي والأسباني قد طغى على المسيحية الأوربية أو هددها تهديداً
فعالاً ، ولم يكن ممكناً أن يغيب عن ذهن أي أوربي ــ ماضياً أو حاضراً ــ كون
الإسلام قد فاق روما إشعاعاً وسما عليها ) .
ولم يكن المؤرخ الأوربي الشهير " غيبون
" استثناء من هذه القاعدة ــ في كتابه الشهير انحدار" الإمبراطورية
الرومانية وسقوطها " ــ إذ يقول عن الفتح العربي الإسلامي :
( غزا
هؤلاء الخلفاء الإسلاميون ــ ... خلفاءَ أغسطس وارتاكسيركس ،
وأصبح
الملوك المتنافسون في الوقت نفسه فريسة لعدو كانوا لزمن طويل جداً قد اعتادوا أن
يحتقروه
وخلال
عشر سنوات من حكم عُمَر ابن الخطاب أخضع العرب لطاعته 36 ألف مدينة وقلعة ، ودمروا
أربعة آلاف كنيسة ومعبداً للكافرين وشيدوا 1400 جامع لممارسة ديانة محمد ( !! )
وعبر
مائة سنة من هربه من مكة { هكذا ... } امتد نفوذ خلفاء محمد (!!) وسلطانهم من
الهند إلى المحيط الأطلسي عبر الأقاليم المختلفة والنائية ..)
وفى التاريخ الحديث ها هو نابليون
يعتمد في حملته على مصر على دراسات كونت دوفولني ــ وهو رحالة فرنسي نشر كتابه
" رحلة إلى مصر وسورية " في مجلدين عام 1787 م ، وكان فولني يرى : أن ثمة ثلاثة حواجز في وجه السيطرة
الفرنسية في الشرق ، وأن أية قوة فرنسية لابد أن تحارب لذلك ثلاثة حروب : الأولى
ضد انكلترا ، والثانية ضد الباب العالي العثمانى ، والثالثة : وهى أكثرها صعوبة :
ضد المسلمين !! .
ولقد آمن فيكتور هوجو مؤلف البؤساء بمجد
نابليون التكتيكي فى حملته الشرقية ، وجسده في قصيدة رآه فيها :
ابن
المعجزة الذي أذهل أرض المعجزات …
وملأ
الناس خوفـاً بجيوشه التي لم يكن لها سابق …
ونبيلاً
جليلاً ظهر للقبائل المذهولة … مثل " ماهومت " غربى.
أما كتاب " وصف مصر " الذي كان
الثمرة العلمية للحملة الفرنسية ــ التي يفخر بها بعض المثقفين المصريين إلى اليوم
ــ والذي طبع في ثلاثة وعشرين مجلداً ضخماً بين عامي 1809 و 1828 م ، فإن الدكتور إدوارد سعيد يرى فيه ( المصادرة التملكية
العظيمة لبلد من بلد آخر ) ، حيث انطلق الباحثون من تصور عبر عنه فوربييه فى
مقدمته للكتاب من أن مصر بلد ( غارق الآن في البربرية ) تغزوه ( حضارة بلغت حد
الكمال ) ، الأمر الذي دفع الكاتبين إلى أن يكتبوا من منظور سابق : فأخذوا (
يشكلون من كل ملاحظة جزئية تعميماً ، ومن كل تعميم قانوناً لا يتغير للطبيعة
الشرقية ) ، وبهذا ( يزيح الكتاب .. التاريخ المصري أو الشرقي عن موضعه من حيث هو
تاريخ له تماسكه الداخلي والخاص ، وهويته ومعناه ) وصار " وصف مصر " كما
يقول إدوارد سعيد : ( النمط الأعلى لجميع الجهود التالية التي بذلت لتقريب الشرق
من أوربا ومن ثم لامتصاصه نهائياً ).
ويأتي الاستعمار الغربي بعد ذلك ليتعامل مع
البلاد الإسلامية من منظور استعلائي : يقول د. إدوارد سعيد عن اللورد بلفور وهو شخصية
سياسية بريطانية مرموقة فى أوائل القرن العشرين خدم بلده فى المناصب العليا ، وكان
وزيراً للخارجية ورئيساً للوزراء ونائباً بالبرلمان البريطانى لمدة طويلة . (لا
ينسى اللورد بلفور فى أي سياق فوقية بريطانياً ودونية مصر ) وهو يقول منتفخ
الأوداج في خطبة له بمجلس العموم مبرراً احتلال مصر ( إن الأمم الغربية فور
انبثاقها في التاريخ تظهر تباشير القدرة على حكم الذات لأنها تمتلك مزايا خاصة
بها، ويمكنك أن تنظر إلى تاريخ الشرقيين بأكمله دون أن تجد أثراً لحكم الذات على
الإطلاق ، كل القرون العظيمة التي مرت على الشرقيين ، ولقد كانت عظيمة جداً ( !! ) انقضت في ظل
الطغيان . )
وهو ما
تلقفه ببغاوات الاستعمار وأخذوا يرددونه في بلادنا حتى اليوم .
وماذا يعنى هذا في منطق بلفور : إنه يعنى أنه (
خير لهذه الأمم العظيمة { !! ؟ } أن نقوم نحن بممارسة هذا النمط من الحكم المطلق عليها . ).
ويرسم اللورد كرومر – المندوب
السامي البريطاني في مصر في بدايات القرن العشرين
- رؤية الغرب للشرق في ( أن الدقة كريهة بالنسبة للعقل الشرقي ) بينما
الأوربي ( ذو محاكمة عقلية دقيقة ، وتقريره للحقائق خال من أي التباس ، وهو منطقي
مطبوع ) ، ويستمر قائلاً :
( يظهر
الشرقيون سذجاً غافلين ، محرومين من الحيوية والقدرة على المبادرة ، مجبولين على
الإطراء الباذخ ، والدسيسة والدهاء، والقسوة على الحيوانات
والشرقيون عريقون في الكذب ، وهم كسالى وسيئو
الظن ، وهم في كل شئ عـلى طرف نقيض من العرق الإنجلو سكسونى فى وضوحه ومباشرته
ونبله.).
وإنه ليجدر بنا أن نعلم أن رجال الغرب – وعملاءهم – عندما تعاملوا مع
الشرق من هذا المنظور الاستعلائي في بداية القرن فقد كان ذلك ( لأن تراثاً من
الاستشراق أقدم من تراث القرن التاسع عشر زودهم بمفردات وصور وبلاغيات ومجازات
ليتفوهوا بها). وبأمثالها مما نسمعه في مناقشات
المتأمركين اليوم كأنما هم ضمير الغرب يتكلمون باسمه
ولقد كان لا مفر ــ تحت رعاية الأدب ــ أن
يتجذر العداء في قلب الأوربي المثقف ـ الذي يقرأ ـ على سبيل المثال من عيون الأدب
الإنجليزي في القرن التاسع عشر في رواية والترسكوت ( الطلسم ) ما جاء على لسان
المسيحي ــ في أيام صلاح الدين ــ وهو يكتشف عدوه المسلم : ــ ( لقد اعتقدت أن عرقك الأعمى قد انحدر من
سلالة الشرير الرجيم الذي ما كنتم لتستطيعوا دون عونه أن تحتفظوا بأرض فلسطين هذه
في وجه هذا العدد من جنود الله الشجعان { يقصد الصليبيين !! } وأنا
لا أتحدث بهذه الطريقة عنك أنت بالذات ــ أيها المسلم ــ بل بشكل عام ( !!) عن قومك ودينك ، ومع ذلك فالغريب في نظري ليس أنك تنحدر من
سلالة هذا الشرير، بل إنك ــ أيضاً ــ تفاخر بذلك ) .
وفى هذا النص ــ فضلاً عن أثره العام في وجدان
الأوربي ، والذي ليس من المستغرب أن يؤثر بعمق هو وأمثاله من النصوص في موقف
الإنسان الغربي من قضايا المسلمين عامة
وقضية فلسطين بخاصة - ــ يظهر التعالي المتمثل في لعنة شعب بأكمله ، مع شئ
من الأدب النفاقي الذي يجيده هؤلاء في عبارة " أنا لا أقصدك أنت بالذات
" . وكما يقول د. إدوارد سعيد : ( إن الأمر ليبدو كما لو أن ثمة برميلاً اسمه
" الشرقي " تطرح فيه دون تفكير جميع آراء الغرب السلطوية ، اللامنسوبة ،
التقليدية حول الشرق . ) .
وماذا يمكن أن يترسخ فى وجدان الأوربى ــ
المثـقـف بخاصة ــ وهو يقرأ لعلم من أعلام الأدب الفرنسى فلوبير فى قصته "
معجبة الشرق " : (منذ زمن اعتاد صوفي
أن يسير في شوارع القاهرة عارياً تماماً فيما عدا طاقية على رأسه وأخرى على عضوه ،
ومن أجل أن يبول كان يرفع طاقية العضو، فتركض النساء العاقرات اللواتي أردن
الإنجاب إليه ، ويضعن أنفسهن تحت قوس بوله ، ويبللن أنفسهن به . ) !!
وهكذا
كما يقول د. إدوارد سعيد يصبح الشرق معرضاً حياً للشذوذ
ويظهر هذا المنحى ــ حتى في أعمال المستشرقين
الجادين ، وهذا هو الأخطر فقد قال كارل
بكر المستشرق الامريكي 1873 \ 1945 : (
إنه رغم أن الإسلام ـ لاحظ الصفة التعميمية الهائلة على حد تعبير إدوارد سعيد ــ
ورث التراث الهيليني فإنه لم يكن قادراً على أن يفهم أو يستخدم التراث اليوناني الإنساني
) هكذا !!
( وعلاوة على ذلك فمن أجل أن يفهم المرء
الإسلام – أي في الغرب الواقع تحت سلطة الاستشراق - عليه قبل كل شئ أن
يعاينه لا بوصفه " ديناً " أصيلاً " بل بوصفه شيئاً من محاولة
شرقية فاشلة لاستخدام الفلسفة اليونانية في غيبة للإلهام الخلاق الذي نجده ــ كما
يقول بكرـ في أوربا عصر النهضة . ) هكذا !
كما يظهر فى رؤية لويس ماسينيون ــ أعظم
المستشرقين الفرنسيين شهرة وتأثيراً ــ الذي كان يرى أن أعظم رجال الإسلام ــ لم
يكن محمداً ( !! ) أو ابن رشد ، بل الحلاج
القديس المسلم الذي صلبه المسلمون السنيون لجرأته على شخصنة الإسلام . وهو يقصد
بهذه الشخصنة ذلك النوع من التجسد المسيحي للإله ، الذي يلاحظ ماسينون أن الإسلام
يرفضه ( رفضاً منظماً ... ) كما يقول .
وفى عرف الاستشراق ــ كما يقول إدوارد سعيد ــ
( كان للإسلام معنى يمكن أن يوجد ــ في صياغة هي الأكثر دقة وجلاء ــ في رسالة رينان
الأولى ، فمن أجل أن يفهم الإسلام فهما أفضل ينبغي أن يقلص إلى " الخيمة
والقبيلة ". ) هكذا كأنك تسمع
مستغربا عربيا .
وتستمر هذه النظرة الاستعلائية العدائية عند
المستشرقين المحدثين ــ في منتصف القرن العشرين ــ تظهر فيما ذكره إتش . أى . آر .
جب فى سلسلة محاضراته فى جامعة شيكاغو عام 1945 ، إذ يقول : صحيح أنه وجد بين
الشعوب الإسلامية فلاسفة عظماء وأن بعضهم كانوا عرباً ، غير أنهم كانوا استثناءات
نادرة ، فالعقل العربي سواء فى علاقته بالعالم الخارجي أو في علاقته بالعمليات
الفكرية يعجز عن أن يتخلص من شعوره الجارف الحاد بانفصالية الأحداث المحسوسة
وفرديتها ، وهذا بالذات ــ فيما اعتقد ــ أحد العوامل الرئيسية التي تكمن وراء ظاهرة
" فقدان الحس بالقانون " التي اعتبرها الأستاذ ماكدونالد فرقاً مميزاً
فى الشرقى . وهذا هو أيضاً ما يوضح ما يجد الطالب الغربي صعوبة كبيرة في فهمه ألا
وهو ــ: نفور المسلمين من العمليات
الفكرية العقلانية . ) هكذا .
وعن أثر جب في المناخ الثقافي الأوربي من جهة
فهمه للإسلام يقول إدوارد سعيد : إن تحيز جب بالرغم من معرفته الفائقة التي تظهر
في كتابه ، أو بسببها على الأرجح ( يظل عقبة كأداء في وجه كل من يحاول أن يفهم
الإسلام الحديث ) .
وبالنسبة لموقف الغرب من الشرق عموماً ــ
شاملاً الإسلام بوجه خاص ــ لا يسعنا أن
نتجاهل موقف كارل ماركس من الاستعمار الإنجليزي للهند في القرن التاسع عشر . فبالرغم
من أنه كان ينعته بأنه ( مدفوع بأكثر المصالح قذارة .. ) إلا أنه كان يرى فيه
رسالة إحيائية تجديدية ، يقول : ( إن على انكلترا أن تحقق فى الهند رسالة مزدوجة :
الأولى تدميرية ، والثانية احيائية تجديدية ، افناء المجتمع الأسيوى ، وإرساء
الأسس المادية للمجتمع الغربي فى آسيا . ) . ويرى في هذا العمل بالرغم مما فيه من
تعذيب ، وافتراس لأرواح لا تحصى ــ يمكن أن يقاس على حكم تيمورلنك ــ فإنه ( يهبنا
متعة أعظم ) على حد قول " جوته " وهو يستشهد به .
والهند
التي يتكلم كارل ماركس عن متعة إفنائها هي في ذلك الوقت الهند الإسلامية غالبا .
وماذا عن توماس كارليل الذى يستشهد به فى مجال
الإنصاف للإسلام بناء على ما كتبه في ( الأبطال ) عن محمد صلى الله عليه وسلم ؟ بالرغم من أن كارليل لا يتهم محمداً بالكذب
صراحة ــ شأن قليل من غيره من المستشرقين ــ إلا أنه كان يرى أن محمداً هو مؤلف
القرآن ، وأن القرآن ــ ( هو خليط مهلهل مشوٌش ممل خام مستغلق ، تكرار لا نهاية له
، وإسهاب وإطناب ، ومعاظلة ، خام إلى أقصى الدرجات ، مستغلق وبإيجاز : غباء فارغ
لا يطاق ) ــ ونحن لسنا بحاجة إلى الوقوف
بجدية أمام هذا النقد الأبله ، الموجه إلى لغة القرآن من جاهل بلغة القرآن العربية
ولو كان مستشرقاً ! وناقل الكفر ليس بكافر .
وفى كتاب : رحلة من باريس إلى القدس ( 1810 ــ
1811 ) يتحدث شاتو بريان عن القرآن بأنه لم يحتو على أي " مبدأ للحضارة ، أو
أي تعليم يسمو بالشخصية " ، ثم يتمادى المستشرق ليمجد الحرب الصليبية باعتبار
أنها ( لم تـدُر حول إنقاذ كنيسة القيامة فحسب ، بل دارت حول معرفة من سينتصر :
مذهب تعبدي هو عدو للحضارة محبذ ــ باطراد ــ للجهل ، وللطغيان ، وللعبودية . أو إلخ ) هكذا !!
وكان هذا كما يقول إدوارد سعيد : أول ذكر مهم
لفكرة قدر لها أن تكتسب سلطة خرقاء : أوربا التي تلقن الشرق معنى الحرية ، وهى ــ
أي الحرية ــ مفهوم آمن شاتو بريان ، وكل من جاء بعده بأن الشرقيين ــ وخصوصاً
المسلمين ــ لا يعرفون شيئاً عنه ، يقول : " عن الحرية لا يعرفون شيئاً ، من
الاحتشام ليس لديهم شئ ( !! ) " القوة هي ربهم " . عجبي
لقد هـاجــم مــؤرخـون ثـقـافـيـون محترمون (!! ) - حسب تعبير
إدوارد سعيد- مثل ليوبولدفون رانـكـه ، وجاكوب بيركهاردت الإسلام بعنف . ففي كـتـابه تاريخ العالم (1881 ــ 1888 ) تحدث
رانكه عن الإسلام ليصف هزيمته أمام الشعوب الجرمانية الرومانية " . وفى " شذرات تاريخية " 1893م تحدث
بيركهارد عن الإسلام كشيء " بائس ، عار ، تافه ، ...
وقد قام بمثل هذه العمليات بمهارة وحماسة أبلغ بكثير أوستفالد اشبنجلر فى كتابه
" تدهور الغرب 1918 ــ 1922 ! وهكذا كان نولدكة وهو
يعلن عام 1887 : أن خلاصة عمله كمستشرق كانت تأكيد رأيه في " المنزلة الوضيعة
" للشعوب الشرقية .
ويقدم جاك فاردنبرج فى دراسته ( الإسلام في
مرآة الغرب ) دراسة لخمسة خبراء مهمين كصانعين لصورة معينة للإسلام ، وفى عمل كل
منهم تظهر ( درجة عالية من التحيز ، بل حتى من العدائية لدى أربعة منهم ، كما لو
أن كل كاتب منهم رأى الإسلام انعكاساً لضعفه الخاص . ) وفى مجموعهم يمثل هؤلاء المستشرقون الخمسة: -
خلال الفترة الواقعة بين عام 1880م ، وسنوات ما بين الحربين العالميتين - إجماعا
على طبيعة الإسلام : دونية كامنة ، وقد صاغ هؤلاء الخمسة ( رؤيا للإسلام كان لها
تأثير واسع على الدوائر الحكومية عبر العالم الغربي بأكمله ) حيث كانت لهم وظائفهم
في الإدارات الاستعمارية فى الغرب.
ويبلور ماكدونالد ميزة الشرقى ( المسلم ) في (
فقدان الحس بالقانون ، فبالنسبة إليه ليس ثمة نظام مُرتٌب للطبيعة راسخ لا يتزحزح
) ( وإذا بدت هذه النظرة ــ كما يقول د. إدوارد سعيد - عاجزة عن أن تفسر الإنجازات
الفائقة التى حققتها العلوم الإسلامية التي بنى عليها قدر عظيم من العلوم الحديثة
فإن ماكدونالد يظل صامتاً ويستمر في دعواه ) .
ثم يقول إدوارد سعيد : لا شئ من هذا طبعاً جديد
.. فمن شليغل إلى رينان ، ومن روبرتسن سميث إلى ت . أ . لورنس تكرر هذه الأفكار ،
ويعاد تكرارها ، فهي تمثل " قراراً" يتعلق بالشرق ، لا حقيقة من حقائق
الطبيعة ، بأي شكل ، وكل إنسان - مثل ماكدونالد وجِب - دخل واعياً مهنة اسمها
الاستشراق فعل ذلك بناء على قرار متخذ : إن الشرق هو الشرق . ) وكفى !
وكيف ينظر مستشرق شهير معاصر ــ فون جرونباوم
ــ إلى الإسلام؟ إنه كما يقول د. إدوارد سعيد : ( لا يجد فون غرونباوم من صعوبة فى
الافتراض بداهة أن الإسلام ظاهرة أحادية وحدانية ، بخلاف أي ديانة أو حضارة أخرى ،
ثم يمضى بعد ذلك ليظهر الإسلام ضد ــ إنساني ، عاجزاً عن التطور ، ومعرفة الذات ،
والموضوعية ، إضافة إلى كونه < عقيماً > غير خلاق ، لا عليماً ، وسلطوياً )
.
وقد
سقط فون غرونباوم فريسة لشيئين في آن واحد :
المذهبيات
الاستشراقية الذي ورثها
والملمح الخاص للإسلام الذي اختار أن يؤوله
باعتباره قصوراً : < وهو > أن في الإسلام نظرية دينية مفصحاً عنها بصورة
دقيقة ، وعدداً ضئيلاً جداً ، مع ذلك ، من التجربة الدينية الواقعية ، وهكذا الأمر
في جميع النواحي السياسية والاجتماعية ، و
التاريخية ، والاقتصادية وعدداً ضئيلاً
جداً من السلاسل المقاسة كمياً ، وهكذا .. والحصيلة النهائية هى رؤيا للإسلام مصاباً بالعرج كلياً بنظرية عاجزة عن
أن توفي واقعه الوجودي حقه . وإسلام فون
غرونباوم ، بعد كل حساب ، هو إسلام
المستشرقين الأوروبيين المبكرين
وقد
لمس إدوارد سعيد أن وجهة نظر كهذه في الإسلام هي
في أعماقها ، وجهة نظر سياسية
ولذا
كانت هي ما يلوكه ذيولهم من المستغربين العرب في مواجهتهم للتيار الإسلامي مقولبا
في عبارة واحدة : أين هو البرنامج العملي ؟ متجاهلين أي برنامج تكون بعض التيارات
قد عرضته ..
وفى الوقت الذي ينظر فيه الكونت دوكريساتى إلى
سوريا باعتبارها (شرق فرنسا الخاص ) وفقاً لما أعلنه في محاضرة ألقاها على ما يسمى
" التحالف الفرنسى " عام 1913 " فإنه كان يطرح ــ أيضاً ــ منظومته
في أنه ( إذا كان لفرنسا أن تستمر في منع " عودة الإسلام " فقد كان من
الخير لها أن تحتل الشرق ) ، وقد كررت هذه الآراء في مناسبات كثيرة ، وهو ما ورثته
الولايات المتحدة في خطتها لمواجهة الإسلام في الوقت الحاضر !! .
وفى مكان آخر في جامعة شيكاغو عام 1924 نجد فالنتاين
شيرول ، وهو رجل صحافة معروف وتجربة عظيمة في الشرق ، يقرر في منظومته الفكرية
بكراهية ظاهرة : أن " المحمدية " هي أحد القوى العالمية العظيمة
المسئولة عن أعمق خطوط الانقسام في العالم ،
ويعلق د. إدوارد سعيد على هذا التناول
الاستشراقي للشرق والإسلام بأنه مناقض لما يزعمه لنفسه من ثـقـافـة تحررية .
ويعني هذا المنظور الفكري الذي تبنته المؤسسة
الاستشراقية عن الإسلام ، يعني على صعيد عملي ــ على حد قول إدوارد سعيد : ( أنه حين يجاهد الشرقيون ضد الاحتلال
الاستعماري فإن عليك أن تقول : إن الشرقيين لم يفهموا أبداً معنى حكم الذات
بالطريقة التي نفهمه بها نحن ( نحن أى الأوربيين )
أو
عليك أن تقول - مع برنارد لويس - : إنه إذا قاوم العرب الفلسطينيون الاستيطان
الإسرائيلي .. فإن ذلك لا يمثل إلا " عودة الإسلام "
أو كما
حددها مستشرق معاصر ذائع الصيت مقاومة إسلامية لشعوب لا إسلامية ، وهو مبدأ إسلامي
أسس في القرن السابع ... ) هكذا .
وهكذا ( إذ يجتاح الشعور ضد الاستعمار العالم
الشرقى بأكمله ... فإن المستشرق يلعن ذلك كله لا بوصفه إزعاجاً فارغاً فقط ، بل بوصفه
إهانة للديموقراطيات الغربية
وبينما
تواجه العالم قضايا حاسمة ذات أهمية عامة بالغة فإن الصورة الكاريكاتورية للشرق
تستغل من قبل سياسيين يستقون زادهم العقائدى ( الأيدلويوجى ) لا من الاخصائيين
" التكنوقراطيين " نصف المتعلمين فحسب ، بل من المستشرق فائق العلم كذلك ( !! )
ويحذر
خبراء العالم الخرافيون فى وزارة الخارجية الأمريكية من مخططات العرب للاستيلاء
على العالم . ويوصف الصينيون الغادرون ( !! ) والهنود نصف العراة (!! ) والمسلحون السلبيون بأنهم حدءات ستنهش عطايانا ) .
ولم تكن آراء المستشرقين هذه مجرد سطور فى بطون
الكتب ولكنها ذات أثر ملموس فى وجدان الرجل العادي فى الغرب وفي المستغربين من
أذيالهم من العرب .
يقول د. إدوارد سعيد ( تطغى هذه الآراء
المعاصرة للمستشرقين على الصحافة والعقل الشعبي ، فالعرب ــ مثلاُ ــ يصورون راكبي
جمال ، إرهابيين ، معقوفي الأنوف ، شهوانيين شرهين ، تمثل ثروتهم غير المستحقة
إهانة للحضارة الحقيقية
وثمة
دائماً افتراض متربص بأن المستهلك الغربي رغم كونه ينتمي إلى أقلية عددية ذو حق
شرعي إما في امتلاك معظم الموارد الطبيعية في العالم ، أو في استهلاكها أو في
كليهما ، لماذا ؟ لأنه إنسان حق بخلاف الشرقي... إن غربياً أبيض ينتمي إلى الطبقة
الوسطى يؤمن بأنه امتياز طبيعي له لا أن
يدير شئون العالم غير الأبيض وحسب ، بل أن يمتلكه كذلك ، لمجرد أن العالم الأخير تحديداً ليس بالضبط
إنسانياً تماماً بقدر ما "نحن" كذلك )!!
وكمصل وقائي ضد ما يمكن أن يكتشفه الغربي في
هذه الثقافة الاستشراقية من خزعبلات يبادر المستشرق الفرنسي أرنست رينان إلى تحصين قومه بقوله (إنه لمن الأفضل أن يكون المرء
مخطئاً مع أمته المخطئة كلها من أن يكون عـلى درجــة عالـيـة من الصواب مع أولئك
الذين يكشفون لها الحقائق القاسية.) !!
وهكذا رأينا المعارضين للحرب ضد العراق في
الولايات المتحدة وبريطانيا يسارعون للاصطفاف مع حكومتهم عندما بدأت .
وهكذا بألسنة المستشرقين يقاد القطيع في الغرب ،
ومع القطيع جاء بويكن يبرطع !