حرب امريكا الخاسرة ضد قوي العولمة

 

بقلم: د. عبدالوهاب الافندي

 

استمعت قبل بضعة اسابيع وأنا اطوف باحدي ولايات الشمال الامريكي الي مرشح ديمقراطي لمقعد في الكونغرس عن تلك الولاية يخاطب الناخبين بأهم ملامح برنامجه الانتخابي. وكانت النقطة التي أكد عليها في تلك المداخلة هي وجود شركات امريكية تقوم باعادة تسجيل نفسها وتحويل مقر رئاسة الشركة الي خارج الولايات المتحدة، وخاصة جزر البهاما. وبهذه الحيلة تتخلص هذه الشركات من جزء كبير من أعبائها الضريبية، رغم استمرارها في عملياتها التجارية والصناعية في الولايات المتحدة.

المرشح المذكور أفرط في ذم هذه الشركات التي تنقصها الوطنية ، وتريد ان تتمتع بالأمن وغيره من مزايا الوجود في امريكا دون ان تدفع نصيبها من العبء الضريبي في ذلك. وتبني المرشح بادانة تلك الشركات التي تصدر الوظائف الامريكية الي الخارج، وهو يعني بذلك الشركات متعددة الجنسيات التي أخذت تبتني مصانع في بلاد العمالة الرخيصة مثل الصين ودول شرق آسيا، وتحول انتاجها الي تلك المناطق. ووعد المرشح بأنه اذا انتخب فسيعمل علي سن قوانين تعاقب مثل هذه الشركات وتفرض عليها الضرائب بغض النظر عن مكان تسجيلها.

مثل هذا الخطاب يذكرنا بما كان يصدر من زعماء العالم الثالث الراديكاليين في الستينات والسبعينات، حين كان هؤلاء يفيضون في ذم الرأسمالية الدولية وأساليبها، ويتعهدون بحماية مجتمعاتهم من شرورها. أما ان يصدر مثل هذا الخطاب من عاصمة الرأسمالية وحاضرة العولمة المبشرة بها، فهذا يدعو للتوقف.

ولكن كثيرا مما يصدر من واشنطن هذه الايام يذكرنا بساسة العالم الثالث في العصر المندثر. فكما كان عليه الحال في موبوتو زائير أو اثيوبيا منغستو هايلي ماريام، هناك مؤامرة كبري تكتشف كل يوم، واجراءات حازمة تتخذ. وكما كان الحال عليه في يوغندا عيدي أمين، تتواصل الحملات علي المهاجرين الجدد ويحملون الاوزار في كل مصيبة تحيق بالبلاد. وكما في تلك البلدان فإن حقوق الانسان وحتي حكم القانون هو آخر ما يشغل بال الحاكم.

خذ مثلا الخطاب الامريكي فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، وما أثير ضدها من انتقادات. فالمحكمة عند القيادات الامريكية أقرب الي التجني علي الولايات المتحدة، ومن المرجح ان تلفق التهم للمواطنين الامريكيين لدوافع سياسية، ولهذا لن تسمح امريكا بقيام هذه المحكمة ما لم تمنحها الأمم المتحدة حصانة لمواطنيها من ملاحقاتها. ألا يذكر هذا الاعتراض باعتراضات الصرب علي محكمة لاهاي لجرائم الحرب في البوسنة، واتهامها بأنها أداة سياسية في يد الولايات المتحدة؟ واذا عرفنا ان هذه المحكمة ستنشأ في اوروبا وبتمويل غربي في الاساس، وسيكون قضاتها ومحاموها في الغالب من دول غربية، فكيف يا تري ستكون محكمة كهذه لا هم لها إلا تدبير المكائد السياسية للايقاع بمواطني امريكا بدون ذنب جنوه؟

الخطاب الامريكي المعادي للعولمة لم يقتصر علي هذه المسائل، بل تعداها الي قضايا اخري. ففي الاقتصاد نجد امريكا تتحدي مقررات منظمة التجارة العالمية عبر مضاعفة الدعم لمزارعيها وفرض رسوم غير قانونية علي واردات الحديد الصلب. وهي لا تخرج من صدام مع شركائها (وحلفائها خاصة في اوروبا) التجاريين إلا وتدخل في صراع آخر.

ويجب ان نضيف هنا ان هذا التوجس الامريكي من جل مظاهر العولمة ليس جديدا، فمثلما نجد اليمين المتطرف في امريكا يتوجس من الحكومة الفدرالية في امريكا، ويري فيها منبع كل شر (اصحاب تفجير اوكلاهوما عام 1995 استهدفوا مقر الحكومة الفدرالية فيها لقيمته الرمزية في هذا الخصوص) فإن اليمين الأقل تطرفا (وهو التيار الغالب) يري في الأمم المتحدة منبع كل شر. ولو أخذنا أدبيات اليمين المتطرف الامريكي وحذفنا تعبير الحكومة الفدرالية وأبدلناه بالأمم المتحدة لرأينا تطابقا كاملا في مقولات الطرفين. اليمين الامريكي الراديكالي يري في الحكومة الفدرالية جسما غريبا يتعدي علي حريات المواطنين، ويخضع لهيمنة الصهاينة ورأس المال. أما اليمين التقليدي فيري في الأمم المتحدة مؤامرة دولية لخلق حكومة عالمية يهيمن عليها الشيوعيون وغوغاء العالم الثالث، وهدفها التعدي علي حريات الامريكيين. (يا له من حلم جميل!).

وقد بلغ هذا الهوس في مؤتمرات الأمم المتحدة ذروته في عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان، حين قام الكونغرس بقيادة السناتور جيسي هيلمز رئيس لجنة الشؤون الخارجية بوقف مساهمات امريكا في ميزانية الأمم المتحدة، مما حرم المنظمة من ريع دخلها. ولم يغير انقلاب الموقف بعد انهيار الشيوعية وحرب الخليج وتحول المنظمة الي أداة طيعة في يد امريكا من الوضع شيئا، حيث لا يزال الكونغرس يرفض دفع المتأخرات الباقية في ذمة امريكا للأمم المتحدة، رغم توسلات الرئيس السابق بيل كلينتون وحاجة امر يكا الملحة الي ورقة توت الأمم المتحدة لتنفيذ مخططاتها الدولية.

مناهضو العولمة، وهم تحالف عريض من قوي شتي أبرزها خصوم الرأسمالية السابقون من يسار راديكالي وانصار العالم الثالث والبيئة وحركات انصار السلام وغيرهم، يتهمون الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الصناعية الكبري بقيادة مؤامرة العولمة، وبأنهم المستفيدون الأكبر منها علي حساب فقراء العالم. وهناك بعض الصحة في الزعم بأن الدول الأغني هي المستفيد الأول من العولمة الاقتصادية التي هي أعلي مراحل الرأسمالية (كما قال لينين عن الامبريالية). وبخلاف الامبريالية التي كانت تمزج السعي وراء الكسب باهداف سياسية وعسكرية وثقافية، فإن العولمة هي عملية رأسمالية صرفة لا تشوبها شائبة غير السعي وراء الكسب. وهي في ذلك ايضا تصدق مقولة ماركس عن الرأسمالية بأنها في سبيل الكسب لا تراعي حرمة من دين أو خلق، وانها تذيب كل الروابط والضوابط من دينية ووطنية وحتي عائلية، بحيث تجعل كل شيء صلب يذوب في الهواء ولهذا نجد من ابرز مظاهرها الشركات العابرة للقارات التي لا وطن لها ولا دين ولا ولاء إلا الربح.

الاشكال في امريكا وبعض حلفائها الآخرين (مثل بريطانيا) هو الاصرار علي الجمع بين الحسنين، فهي تريد قطف ثمار العولمة باعتبارها المركز المفضل لعمليات التبادل الرأسمالي، والمقر المفضل لرئاسة الشركات العالمية، وباعتبار دولارها هو عملة القرية العالمية. وهي من جهة اخري تريد الدفاع عن هويتها وامتيازاتها باستخدام نفوذها السياسي وقوتها العسكرية للتدخل في المسار الطبيعي للعملية الاقتصادية حين تتعرض لخطر الخسارة. ويذكرنا هذا بالافلام (الامريكية طبعا) التي يتسلم فيها زعيم عصابة تهريب المخدرات البضاعة من صاحبها، وبعد ان يتأكد من جودتها يقوم بتصفية البائع عوضا عن دفع القيمة المتفق عليها.

وهكذا نجد امريكا بدلا من القبول بدفع السعر الذي يمليه السوق لوارداتها البترولية تقوم بارسال جنودها لاحتلال منابع النفط، ولا تنسي ان تطالب الدول المحتلة بدفع تكاليف هذا الاحتلال باعتبارها المستفيدة من هذه الحماية الامريكية ، (هذه الفكرة لم تخطر بعد لعصابات تسويق المخدرات التي يمكن ان تتعلم من هذا وتقوم بارسال قوات الي كولمبيا وافغانستان لـ تأمين مصادر الكوكايين والهيروين حماية للمستهلك الامريكي المسكين). وبدلا من الانصياع لقواعد منظمة التجارة العالمية، فإنها تتصرف كما يحلو لها حين لا يكون اتباع هذه القواعد في صالحها.

وقد أدت عودة اليمين الي السلطة مع جورج دبليو بوش واحداث الحادي عشر من سبتمبر الي تحول الهوس المرضي اليميني ضد العولمة الي شعور قوي طاغ. وهكذا بدأت الولايات المتحدة تنسحب من معاهدات دولية وقعت عليها والتزمت بها في السابق، مثل معاهدات الحد من الاسلحة النووية مع روسيا، ومعاهدة كويوتو حول البيئة. ولابد ان نذكر هنا بأن هذا التوجه ليس جديدا. فأمريكا رفضت التوقيع علي معاهدة منع استخدام الالغام ضد الافراد، كما أصرت علي المضي قدما في استراتيجية حرب النجوم لتطوير اسلحة مضادة للصواريخ العابرة للقارات، رغم مخالفة ذلك لمعاهدات قائمة.

جماع هذه المواقف يؤكد ان امريكا كانت تصر علي ان تكون المستفيد الاول من العولمة دون ان تشارك في تحمل تكاليفها. وهي بهذا تكون مذنبة بالتهمة التي أوردها السناتور الديمقراطي في حق الشركات الامريكية المتهربة من الضرائب. الفرق هو ان امريكا ستضطر عاجلا الي دفع ثمن جهادها ضد العولمة. فكثير من الاجراءات السياسية والأمنية التي اتخذتها الادارة الامريكية بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) ستنعكس سلبا علي الاقتصاد الامريكي. فالقيود التي وضعت علي الهجرة ستسلب امريكا من ميزتها الأكبر كمركز لاجتذاب الكفاءات، وقد تؤدي الي انهيار عدد من الجامعات ومراكز البحوث العلمية اضافة الي الشركات والمؤسسات التي تعتمد علي التجارة الخارجية. الكثير من الشركات غير الامريكية نقلت عملياتها الي اوروبا، كما ان جل المؤتمرات العلمية والمهنية اصبحت تعقد خارج امريكا، بل ان بعض المؤسسات الامريكية اصبحت تعقد مؤتمراتها خارج الولايات المتحدة لتفادي عراقيل الهجرة.

هذه الازمة التي استحكمت بعد احداث ايلول (سبتمبر) كانت ايضا سابقة لها. فالولايات المتحدة تفرض عقوبات اقتصادية علي أكثر من اربعين دولة، مما جعل الشركات الامريكية تضج بالشكوي، كون هذه العقوبات هي في الواقع عقوبات علي الاقتصاد الامريكي، لأن هذه الدول يمكنها الحصول علي معظم احتياجاتها من دول اخري.

امريكا اذن أمام خيارين: إما ان تنصاع لضرورات تيار العولمة فتزدهر، أو تقاومه فتواجه خطر الكساد الاقتصادي ودرب الانهيار. وفي حقيقة الأمر ليس هناك خيار، لأن مقاومة العولمة اصعب في امريكا منها في الدول الشيوعية السابقة وغيرها من دول العالم الثالث التي اغلقت أبوابها ردحا من الزمان. ذلك ان مثل هذا الاغلاق يتطلب اتخاذ المزيد من الاجراءات القمعية، وهو خيار غير متاح للولايات المتحدة. فالساسة الامريكان يمكنهم استخدام خطاب صدام حسين وسلوبودان ميلوسفيتش، ولكن ايديهم مغلولة حين يصل الأمر الي تبني ممارسات صدام وميلوسوفيتش. واذا كان المواطن الامريكي سمح حتي الآن بمثل هذه الممارسات ضد مهاجرين أو مواطني دول اخري، فإن الأمر سيصل عاجلا أو آجلا الي حرية المواطن الامريكي ولقمة عيشه، وحين ذلك لابد ان يعود المسؤولون الامريكيون الي صوابهم، أو يلحقوا باسلافهم من أمثال بريجنيف وانور خوجة.