سيناريوهات الحرب والسلام في العراق وفلسطين!

 

بقلم : طارق مصاروة

 

مثلما ان للهجوم علي العراق سيناريوهات، فالهجوم علي فلسطين له ايضا سيناريوهاته.. فقد نشرت الصحف الاسرائيلية ما اسمته بوثيقة عامي ايالون للحل النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وهي الآن، بعد عرضها علي اكاديميين ومسؤولين فلسطينيين، مفتوحة لجلب مليون توقيع عليها.. بحيث ترغم أي رئيس حكومة اسرائيلية علي الالتزام بها باعتبارها قرارا شعبيا عاما واجب التنفيذ!!

أما عامي ايالون هذا الذي اخذت الوثيقة ـ السيناريو اسمها منه، فهو رئيس جهاز المخابرات الاسرائيلي الداخلي السابق. وأما لب مضمون هذه الوثيقة فيمكن تلخيصه بما يلي:

ـ دولتان لشعبين بحيث تكون فلسطين هي دولة الفلسطينيين واسرائيل هي دولة الشعب اليهودي.

ـ الحدود: سيتم الاتفاق النهائي عليها علي اساس خطوط الرابع من حزيران 1967 وقرارات الأمم المتحدة والمبادرة السعودية الأخيرة، وتعديلات الحدود تتلاءم والاحتياجات الأمنية الملحة لكلا الجانبي. وسيكون للدولة الفلسطينية اتصال بين منطقتيها الجغرافيتين.. الضفة والقطاع. وبعد الاتفاق علي الحدود لن تبقي مستوطنات في دولة فلسطين.

ـ القدس: ستكون مدينة مفتوحة وعاصمة للدولتين وستضمن للجميع حرية العبادة والوصول الكامل للأماكن المقدسة.

ستكون الاحياء اليهودية في القدس تحت السيادة الاسرائيلية والاحياء العربية تحت السيادة الفلسطينية.

لا يمارس الجانبان أية سيادة علي الاماكن المقدسة. وستسمي دولة فلسطين حارسا للحرم لصالح أمة الاسلام وستكون اسرائيل حارسا للحائط الغربي لصالح الشعب اليهودي.

ـ اللاجئون ستفتح اسرائيل ابوابها ليهود العالم وستفتح فلسطين ابوابها لفلسطينيي الشتات واللاجئين. وسيحول المجتمع الدولي استيعاب اللاجئين المستعدين للهجرة الي دولة ثالثة، أو للذين لا يفضلون الانضمام للدولة الفلسطينية.

ـ الدولة الفلسطينية ستكون منزوعة السلاح وسيضمن المجتمع الدولي أمنها.

ـ انتهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي بعد تنفيذ جميع المطالب المتبادلة.

والوثيقة بخطوطها العامة لا تختلف كثيرا عن اهداف منظمة التحرير الفلسطينية المعلنة، أو خطط السلطة الوطنية، مع ان الرجل المسماة باسمه كان رئيس قوي المخابرات الداخلية التي تولت طيلة سنوات طويلة قمع الفلسطينيين، والتنكيل بهم، وحماية الاستيطان اليهودي، وتجنيد الآلاف من ابناء فلسطين الذين وقعوا بيده، ليكونوا بلاء علي شعبهم، ومقتلا في جبهتهم النضالية. واذا كان عامي ايالون مستعدا لجمع مليون توقيع عليها، فمن المؤكد ان الموقعين هم الاسرائيليون، وفي هذه الحال لا يلزمه اطلاع ومناقشة اكاديميين فلسطينيين للوثيقة، لأنه يعرف ان القيادة الفلسطينية مستعدة لقبولها، بما في ذلك الفذلكة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين.

فتصريحات سري نسيبه، وتأكيدات الرئيس عرفات لهما مؤشران واضحان لحل تمت خواتيمه قبل فترة، يوطن من اللاجئين جزءا، ويهجّر الي الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزلندا جزءا آخر، ويفتح ابواب العودة للدولة الفلسطينية الجزء الثالث.. والعودة هنا تشمل الوطن فقط ولا تشمل العودة الي الاملاك الشخصية في يافا أو حيفا أو اللد والرملة. فنص دولة شعب فلسطين ودولة اليهود واضح جدا!!

لسنا هنا لنناقش وثيقة ايالون، فنحن نعتقد انها جزء من الحرب النفسية الاسرائيلية التي تشنها حكومة تل ابيب الآن علي الشعب الفلسطيني.. وفي عز موسم عذاباته. فالماء الذي يخالطه المرار والملح هو ماء قراح في فم العطشي وسط الصحراء. ومشروع ايالون لا ينفصل أبدا عن استباحة مدن فلسطين وقراها ومخيماتها، وتجويع الناس وحصارهم، ووضعهم في سجن كبير يتسع لثلاثة ملايين انسان!!

لقد بدأنا بالحديث عن سيناريوهات للعراق ولفلسطين ومن يقرأ صحف لندن ونيويورك هذه الايام لخطط اسقاط نظام صدام حسين، يفهم حجم الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة علي العراق وعلي جيران العراق، ويضع اصابعه علي الاهداف الحقيقية لحروب الارهاب ، بداية من افغانستان ومرورا بالسعودية وسورية وايران قبل العراق وانتهاء بفلسطين. فهناك تقاسم واضح لادوار الحلفاء. وما سمعناه بوضوح من مشرف السياسة الخارجية الاوروبية سولانا في طهران، واضح رغم كل الدجل الاوروبي.. فالمشكل الحقيقي بين ايران واوروبا وعمليا بين ايران والولايات المتحدة هما: أولا فلسطين وثانيا انتاج اسلحة دمار شامل. وما يقوله زعيم حزب الله عن مساومة الاوروبيين لوضع اسم حزبه علي قائمة الارهاب، أو عدم وضعه بحسب موقف حزب الله من الاسري الاسرائيليين لديه. وكأن المئات من أسري لبنان وحزب الله في اسرائيل ليسوا شيئا يستحق الاهتمام.

هي سيناريوهات، للعراق واحد في الصحف في يوم ما، ولفلسطين واحد في جعبة عامي ايالون لا يحتاج إلا الي مليون توقيع، وهي سيناريوهات هدفها الحقيقي كسر إرادة الناس في العراق وفلسطين وتركيعهم أمام السيد الامريكي، والامريكي اليهودي، بعد ان ضمنت واشنطن وتل ابيب ركوع الجميع.

لقد شن شمعون بيريس في جولته الاوروبية حملة مثيرة علي ايران وسورية و(لبنان)، وهذه حملة لا تنفصل في اهدافها ووسائلها عن حروب الارهاب لكنها هذه المرة تعطي لاسرائيل ادوارا لم تكن واشنطن تسمح بها قبل عام 1991 وبعده. فهناك الآن سيناريوهات عن امكانية هجوم جوي اسرائيلي علي مفاعلات نووية ايرانية، باعتبار طهران تمثل خطرا علي اسرائيل في ضربة تشبه ضربة عام 1982 علي المفاعل النووي العراقي. فواشنطن كانت في منتهي الوضوح ايام غزو العراق بعدم اعطاء اسرائيل أي دور في الحرب، لأنها ترفض اعطاءها أي حصة من منهوبات النفط، وليس لأن التحالف مع العرب سيتأثر بوجود اسرائيل علي المسرح. وقد يكون موقف بوش الابن وادارته هو ذاته موقف بوش الأب عام 1991، لكن من المؤكد ان حصة اسرائيل من منهوبات النفط ستكون مجزية أكثر. فقد اخذت اسرائيل تعويضات عن صواريخ العراقيين اضعاف اضعاف كلفة اصلاح الدمار.. فقد اخذت نقدا 650 مليون دولار، واخذت ثلاث غواصات المانية مجانا.. وهي غواصات قادرة علي اطلاق صواريخ بعيدة المدي، وحاملة لاسلحة نووية. وأخذت من تعويضات النفط مقابل الغذاء، وأخذت عشرة مليارات دولار كلفة استيعاب المهاجرين الروس. فاسرائيل تأخذ حتي في حروب افريقيا!!

ان تجميع ما كتب خلال هذا الشهر من سيناريوهات حرب في العراق، وسيناريوهات سلام في فلسطين، ودراسة هذا الكم الهائل من القذائف الإعلامية التي احاطت المنطقة بكاملها، يدرك الي أي حد وصلت أمتنا من الترويع، والخوف، وفوضي الفكر والمواقف والسياسات. فلم يشعر الفلسطينيون أو العراقيون بصقيع العزلة، والاستفراد، وضياع العلاقة بينهم وبين وطنهم العربي مثل هذا الشعور من قبل، ولم يشعر ملايين العرب بالضياع وقلة الحيلة، والاذلال بمثل ما يشعرون الآن، وهم يشهدون إعداد الامريكيين وحلفائهم للمذبحة في قطرين عربيين هما في قلب العرب، وعيونهم، وذاكرتهم التاريخية. ويمثلان صمود الأمة وكبرياءها وأنفتها.

فمن اسهل الامور ان ترفع بغداد والقدس أعلاما بيضاء، ويستحيل العراق الي مشيخة نفطية، وتقبل فلسطين ان تكون محمية اسرائيلية تنعم ببقايا الموائد الامريكية والاوروبية.. كما تنعم بها عواصم عربية كانت في يوم من الايام قلاع التحرر في الوطن وفي افريقيا، ومنارة الفكر والعلم والتحضر!

ليست وظيفة الصحافة الوطنية التسابق علي نشر سيناريوهات الحرب والسلام في العراق وفلسطين، وانما وظيفتها هي فضح هذه السيناريوهات، والتصدي لحملة التضليل التي تشنها القوي الدولية علي أمتنا، وللعرب الساقطين الذين يشاركون فيها، ويكفي ان صحف الوطن، والموقف، والكرامة صحفا نعدها علي الاصابع، وسط هذا السيل من صحافة السقوط!!