رؤية مؤرخ اسرائيلي لانهيار الصهيونية

 

بقلم :د.إبراهيم البحراوي

             -أستاذ الدراسات العبرية - جامعة عين شمس

 

  

ضمن موجة الكتابات النقدية للصهيونية سواء من حيث الأفكار النظرية او من حيث الممارسات التطبيقية التي يصدرها عدد من المؤرخين الاسرائيليين الذين اشتهروا باسم هو »المؤرخون الجدد« اصدر توم سيجيف كتابه الأخير تحت عنوان »الفيس بريسلي في اسرائيل: ما بعد الصهيونية وأمركة اسرائيل«. ويأتي الكتاب صغير الحجم ليمثل حالة مواجهة صدامية مباشرة مع الأساطير الصهيونية التي رفعتها الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل كأهداف عليا، وليفند البناء الفكري الزائف لهذه الاساطير او الأهداف من ناحية ثم ليكشف عن مصير الفشل والانهيار اللذين تعرضت لهما على أرض الواقع من ناحية ثانية.

ومؤلف الكتاب توم سيجيف صحفي ومؤرخ له مؤلفات عدة سابقة حول فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وحول الكارثة اليهودية على أيدي الحكم النازي في المانيا وحول الفترة الاولى لانشاء دولة اسرائيل.

يستخدم المؤلف اسم المطرب الأمريكي الشهير الفيس بريسلي في عنوان كتابه هذا كرمز لحالة الأمركة الثقافية العامة التي شملت كافة مناحي الحياة في اسرائيل. وداخل الكتاب يبين ان احدى أهم الأساطير الصهيونية التي صاحبت نشأة الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر تمثلت في هدف خلق ثقافة عبرية جديدة يعيش في اطارها المجتمع اليهودي المهاجر الى فلسطين لتصبح هذه الثقافة اطاراً ثقافياً قومياً ينصهر فيه اليهود المهاجرون بديلاً للثقافات الاوروبية التي عاشوا في كنفها قروناً.

ان الهدف نفسه يرمي الى حماية المجتمع اليهودي المهاجر والذي نجح فيما بعد في اقامة الدولة اليهودية عام 1948 من الاندماج في الثقافة العربية والاسلامية الشائعة في فلسطين وما حولها. ان الحكم الذي يصدره المؤرخ الاسرائيلي على مصير هذه الاسطورة او الهدف الصهيوني يفيد من خلال رصده لطابع الحياة في اسرائيل سواء فيما يتعلق بالانتاج الفكري والفني والثقافي او فيما يتصل بالعادات اليومية وأنماط الحياة السائدة وهي جزء من الثقافة بمعناها الشامل في المجتمع؛ ان الاسطورة قد تحطمت وان الهدف قد مني بالفشل حيث ان المجتمع الاسرائيلي يعيش حالة »أمركة ثقافية« لا تترك مجالاً للحديث عن ثقافة عبرية قومية مستقلة ذات ابعاد متميزة عن الثقافة الاميركية.

ان هذا الحكم يعني ان نقطة البداية في الفكرة الصهيونية مازالت ماثلة، فالنمط الثقافي الاوروبي الذي حاولت الصهيونية ابداله الى ثقافة عبرية علمانية قومية قفز بالمجتمع الاسرائيلي الى نمط ثقافي اميركي مخلفاً وراءه ركام الاسطورة الصهيونية.

أما الأسطورة الثانية التي يتناولها المؤرخ فهي اسطورة الادعاء الصهيوني بأن الصهيونية جاءت لتمثل يهود العالم اجمع وتلبي حاجتهم الى وطن قومي يتجمعون فيه في فلسطين. ويرى سيجيف ان الوقاع الفعلي القائم في العالم اليوم وبعد مرور اكثر من قرن على ظهور الحركة الصهيونية ومرور اكثر من نصف قرن على انشاء دولة اسرائيل يؤكد أن غالبية اليهود في العالم يعيشون خارج الدولة اليهودية وان هذه الاغلبية قد اظهرت معارضة او على الاقل لا مبالاة بالاسطورة الصهيونية. ويضيف ان اعتى معارضي الصهيونية هم من داخل المعسكر اليهودي، فلقد فشلت اسرائيل في اقناع معظم اليهود بأنها دولة تملك مقومات الوجود الدائم.

ويضيف المؤرخ ان معظم اليهود الذين جاءوا الى اسرائيل لم يفعلوا ذلك لإيمانهم بالأسطورة الصهيونية في انشاء وطن قومي بل انهم اضطروا على مضض الى ذلك خلال بحثهم عن ملجأ من الظروف القاسية التي عاشوها في اوروبا في الفترة النازية.

أما الأسطورة الثالثة التي يتناولها المؤرخ الاسرائيلي فهي اسطورة اعتبار دولة اسرائيل الحل لكل مشكلات المعاناة والاضطهاد التي عاشها اليهود في اوروبا وفي غيرها من قارات العالم.

وفي هذا يسوق سيجيف حالة العجز التي عاشتها الحركة الصهيونية في مواجهة الاضطهاد النازي لليهود واكتفاءها بالبكائيات على ضحايا هتلر دون ادنى فاعلية، بالاضافة الى هذا فان الصهيونية بمجرد نجاحها في اقامة الدولة تسببت في مأساة يهوية جديدة في دول المشرق العربي حيث زعزع قيامها بالقوة المسلحة الوجود المستقر لليهود في البلدان العربية فاضطروا الى الهروب والهجرة الى امكان مختلفة. ومن هنا يرى ان الصهيونية التي ادعت انها تمثل الحل والخلاص لليهود قد اوقعت بهم كوارث جديدة وأخرجت يهود الشرق من حياتهم المستقرة الهادئة تاريخياً واقتلعتهم من جذورهم.

أما الأسطورة الرابعة التي يتناولها المؤرخ الاسرائيلي فهي اسطورة خلق دولة يهودية مستقلة من الناحية الاقتصادية، وهنا يؤكد سيجيف بمختلف المؤشرات الاقتصادية المعروفة فشل هذه الاسطورة.

فعلى مستوى الهدف الذي طرحته اسرائيل والصهيونية منذ البداية لخلق حالة عمل انتاجي عبري تعمل على تحويل اليهود المهاجرين من الأعمال الطفيلية والسمسرة الى أوضاع منتجة ويضرب مثلاً بنسبة عدد الاسرائيليين المشتغلين بالانتاج الزراعي فيسجل ان نسبة الاسرائيليين اليهود التي كانت تعمل في الزراعة في منتصف الخمسينيات كانت 16 في المئة منهم بينما تدهورت في نهاية التسعينيات الى ثلاثة في المئة فقط. وعلى المستوى الهيكلي الاقتصادي يشير الى حقيقة اعتماد الاقتصاد الاسرائيلي على المعونات الاميركية الرسمية سواء كانت المعلنة ام غير المعلنة والأهم الاعتماد بشكل رئيسي على التبرعات والصدقات التي يرسلها يهود الولايات المتحدة على نحو منتظم لاقامة الاقتصاد الاسرائيلي واقالته من عثراته الفادحة.

أما الأسطورة الخامسة فهي أسطورة الادعاء الصهيوني بأن الصهيونية ليست حركة استعمارية، بل هي حركة عودة شعب الى ارض أسلافه. ويعتمد سيجيف على النتائج التي توصل اليها المؤرخ زئيف هرتزوج استاذ التاريخ والآثار في جامعة تل أبيب والتي تؤكد أن الحفريات البشرية أثبتت عدم وجود أية أدلة تاريخية على أسطورة الملكية التاريخية القديمة لفلسطين.

ومن ناحية ثانية يستعرض سيجيف المأساة الانسانية التي خلقتها الصهيونية للشعب العربي الفلسطيني باعتبارها مأساة ناتجة عن عملية استعمارية واضحة المعالم ومؤسسة على أفكار وهمية فيما يتصل بحق العودة اليهودي. وفي هذا يشير سيجيف الى ان الافكار الشائعة اليوم في اسرائيل ان الفلسطينيين قد رفضوا السلام والفرصة الذهبية التي قدمها لهم رئيس الوزراء ايهود باراك في قمة »كامب ديفيد« برئاسة كلينتون هي في حقيقة الأمر افكار تمثل اسطورة زائفة جديدة. الحقيقة من وجهة نظر المؤرخ الاسرائيلي توم سيجيف ان باراك قد عرض على الفلسطينيين اتفاقية استسلام وتنازل عن معظم حقوقهم ولم يعرض عليهم اتفاقية سلام عادلة او متوازنة.

ان هذا الطرح من جانب المؤرخ الاسرائيلي والذي يقوم على رؤية صافية للحقائق بعيداً عن ملوثات الايديولوجيا الصهيونية يكاد يتطابق مع الرؤية العربية للصهيونية افكاراً وتطبيقاً وهو بالطبع يثير ضد المؤلف عاصفة متوقعة سلفاً من معسكر الأساطير الصهيونية الزائفة والجائرة على اليهود وعلى العرب في الوقت نفسه.