أمريكا الداء والدواء
بقلم : فرج شلهوب
farajsh_assabeel@yahoo.com
حتى عندما يكون الموضوع ادانة مجزرة
اسرائيلية راح ضحيتها ستة عشر مدنياً بينهم نحو تسعة
أطفال، بجريمة واضحة المعالم، استخدمت فيها الطائرات الامريكية،
لا تخجل ادارة بوش من دفع العالم، قبل ان يتخذ أي موقف لفظي ازاء
المجزرة، ان يدين الارهاب
بصورة حازمة، والمقصود هنا تحديداً ما تسميه الادارة الامريكية ارهاباً، وثانياً: حتى
لا يلتبس الأمر على أحد، تؤكد الادارة الامريكية مرة أخرى على ضرورة الادانة
الصريحة لحركات حماس وكتائب الاقصى والجهاد بالاسم
باعتبار ان هذه الحركات وما تقوم به جزءاً من الارهاب الذي ينبغي مكافحته بحزم، ووضع اليد مع الولايات
المتحدة، لاستئصاله من جذوره.
الادارة
الامريكية، وبدون حياء من أي احد،
تمد لسانها للعالم وتحديداً العربي والاسلامي منه،
وتقول له بالفم الملآن، الارهاب هو فقط ارهاب المقاومة الفلسطينية وارهاب
من يقاوم السياسات الامريكية الظالمة ويرد على جرائمها،
اما ما يفعله شارون،
وبالسلاح الأمريكي، من قتل للأطفال وضرب للأحياء السكنية، وايقاع
العديد من الضحايا المدنيين، وبدون سابق انذار أو سبب
أو مبرر، فليس بإرهاب، ومن يقول غير ذلك، فليخيط السماء أو يجفف البحر، حتى لا
يقتله غيظه.
الادارة
الامريكية، باختصار، لم تعد تخفي انحيازها للجريمة
الإسرائيلية، ولم تعد معنية بستر وجهها وهي تفعل العيب، بل هي تجاوزت هذا القدر من
قلة الحياء، واصبحت ترى نفسها محقة وتفعل الخير، عندما
تحاصر شعوباً وأقطاراً، هنا أو هناك، وأنها تسدي للبشرية معروفاً تستحق الشكر
عليه، اذ تفرض ارادتها
الظالمة والباغية، بالمال والسلاح والترهيب والارهاب،
ليخضع لمزاجها، في كل أمر.
فهي وليس أحد غيرها من يحدد الاشرار
في هذا الكون ومن هم الأخيار، وهي من يقرر اعلان الحرب
في هذا الجزء من العالم او فرض السلام، ومن يحكم هنا
ومن يزول هناك، بجرة قلم او بتجريد الجيوش اذا اقتضى الأمر.
وفي قلب أمريكا وعقلها ويدها يختبئ اللوبي اليهودي، يقرر يضغط
على الزناد، قد لا تظهر صورته ولكن في كل مرة تكتشف بكل سهولة آثاره وأنه من يصنع
القرار ويجني الثمار.
مصيبتنا في هذه المنطقة هي أمريكا، وبضمنها «اسرائيل»، فهما اسمان في ثوب واحد،
او وجهان لجريمة واحدة، وهذا ليس استنتاجاً جديداً، فلا
استنتاج في هذه الحقيقة ولا جديد تنطوي عليه، لكن المخجل قبل هذا وبعده، أن تصبح
أمريكا الفحش والجريمة، هي قبلة البعض ومربط خيلهم، فاصلاحات
السلطة كرنفال علاقات أمريكية، وجوار عربي للعراق، لا يرمش له جفن، وهو يدعو بغداد
لتفهم نوايا أمريكا، وان توافق على عودة المفتشين، وفي جزيرة «ليلى» وصلح جون غارنغ، حضرت البصمة الامريكية وغاب الجوار العربي. وبين هذا وذاك لا يفتأ النظام
الرسمي العربي، على الاصطفاف وبصورة لا تنقصها الاستقامة والنظافة والترتيب، حيثما
ترغب الادارة الامريكية
وتقرر، فتدمير شعب فلسطين، قضية لا تستحق التفاتة، ولا
قراراً خارج مشاريع والادانة، وحتى هذه لم تعد تصدر كما
في السابق، فقد أصبحت توزع بالتساوي بين افعال الجريمة الاسرائيلية وأعمال المقاومة. وحصار واجتثاث العراق، ليس
بنداً على أي اجندة جماعية عربية، وضمن أي مستوى،
فقصارى الهم تبرئة النفس من وزر المشاركة المباشرة، وهو ما لم يتأكد في أي حالة، او دعوة العراق للخضوع لمنطق الاملاءات
الامريكية، التي لا يعرف أين تبدأ وأين تنتهي؟!
الواقع السياسي العربي يتفسخ من جنبه، والكبار فيه صغار يخشون
الاستقلال في التفكير والممارسة، وروسيا وفرنسا اللتان حاولتا التماس بعض التماسك
عند هؤلاء، عادتا بخفي حنين، سواء فيما يخص فلسطين او
العراق.
الحالة الوحيدة التي تدعو للاعجاب
والحساب، ليس هنا بل في الغرب وأمريكا، حتى لو لم يتم التصريح، هي قدرة الشعب
الفلسطيني على الاستمرار في المقاومة، رغم الحصار وشح الامكانات
وقسوة الهجمة العسكرية والسياسية والاعلامية.
ان
امريكا وهي تمسك بانفاس
العالم، لا تحسب حساباً، الا لاعمال
المقاومة، ولا يزعجها الا المقاومون، وبوش تذبذب صعوداً
ونزولاً، خلال الشهور الستة الماضية، وفي اكثر من قضية تبعاً لبوصلة المقاومة على
ارض فلسطين، وهو مرشح للتذبذب والتردد اكثر فأكثر، على نفس الخلفية، ولهذا ليس على
لسانه الا مكافحة الارهاب
ولجم المقاومة الفلسطينية وبأي ثمن، وهو في هذا يستنفر العرب والعجم، ويطلب خدمات
الصغار والكبار، ولا يكفيه افعال هؤلاء واولئك بل يطلب أقوالهم أيضاً.
ان
قدر الشعب الفلسطيني والعربي من بعده، ان يستمر في
المقاومة ورفض الهيمنة اليهودية الامريكية، وفي اللحظة
التي يكف عن هذا، ينتهي، ويصبح شيئاً من الماضي، لا يستثير عاطفة او احترام او هيبة في نفس أي أحد.