بقلم : محمد عبدالحكم دياب
تشير كل الشواهد إلي أن جمال مبارك هو الحاكم
الفعلي لمصر، ونجح في ذلك عبر عملية تسلل بارعة، جعلته صاحب القرار الأول، ونجحت
في فرضه وريثا لعرش مصر، إذا ما سارت الأمور علي نفس المنوال، ولم تجد عوامل تفشل
هذه العملية. وحكم الابن يختلف عن حكم الأب، ولمعرفة الفروق بينهما علينا إعادة
التعرف علي طبيعة نظام الرئيس مبارك، وهي طبيعة، ترتبط بنشأته، وتطوره، فإذا كان
انتصار الخط الراديكالي لثورة يوليو/ تموز 1952، بقيادة جمال عبد الناصر علي الخط
التقليدي ، بقيادة محمد نجيب، قد استمر بالشرعية الثورية حتي رحيل عبد الناصر، فإن
التراجع الحاد بعد انقلاب 51 أيار (مايو) 1971، لم ينقل مصر إلي الشرعية
الدستورية، كما كان مأمولا، إنما انتكس بالحياة السياسية، وحول الحكم إلي نظام
أبوي فردي، علي رأسه كبير العيلة ، علي غرار عمد الريف، بعيدا عن نظام الدولة
بمعناها الحديث، وترتب علي ذلك مصائب متعددة، كان أخطرها ما جري علي ساحة الصراع
العربي الصهيوني، وتوقيع معاهدة كامب ديفيد، التي فتحت أبواب الجحيم علي المنطقة،
وما زال حصادها شديد المرارة.
النظام الأبوي الساداتي، اعتمد نظام التغيير
الفجائي، عن طريق ما كان يسميه الصدمات الكهربية ، وكان نظاما يستجيب للطبيعة
المزاجية للسادات، حيث أنه لم يتورع، في لحظة غضب، عن اعتقال رموز مصر، السياسية
والدينية والفكرية، لمجرد أنهم عكروا مزاجه ، وهي لحظة امتدت الي أن انتهت بـ حادث
المنصة ، واختفاء السادات من علي مسرح السياستين المصرية والعربية.. وعندما انتقلت
السلطة إلي الرئيس مبارك، قال عبارته الشهيرة لا أنا عبد الناصر ولا أنا السادات ،
وكان صادقا في هذا تماما، فلا هو الثوري الراديكالي، المعادي بطبيعته للاستعمار
والاستغلال والتبعية، ولا هو المناصر للفقراء، أو الساعي إلي التنمية المستقلة،
وبناء الدولة الحديثة، أو المتطلع إلي بناء دولة الوحدة العربية الكبري.. لم يكن
بمقدوره أن يتقمص شخصية العمدة ، لينصب من نفسه عمدة لمصر، بدلا من أن يكون عمدة
لقرية، كما فعل أنور السادات، بمزاجه المتقلب.. واعتماده علي المظهرية.. والنفخة
الكدابة ، بتعبير أولاد البلد . كان مبارك حالة مختلفة عن الاثنين، عبد الناصر
والسادات.
جاء مبارك، موظفا، بدرجة رئيس دولة، لا يقر
بالتغيير عن طريق الصدمات، بل لا يؤمن به أصلا، وهو مولع بالجمود، تحت وهم
الاستقرار، وعكس السادات، الذي وظف الجماعات الاسلامية والأصولية لصالح نظامه، دخل
في عداء سافر معها، ومع غيرها من القوي السياسية والدينية، وتعمد ترك منصب نائب
الرئيس شاغرا، وكأن مصر بلد عقيم، ليس بها إلا نسل الرئيس، كي يوثق به في حكم
البلاد، وهذا التعمد يرجعه من يعرف الرئيس مبارك، حق المعرفة، إلي طبيعته، حيث لا
يثق في أحد، ويؤمن أن مصلحة أسرته فوق مصالح كل الناس، وهناك من يعزي ذلك إلي
التجربة الشخصية للرئيس مع زملائه وأقرانه، من تلاميذ مدرسة المساعي المشكورة ،
بمدينة شبين الكوم، عاصمة المنوفية، وأقرب المدارس الثانوية إلي قريته، كفر
المصيلحة، وهي قرية كان يطلق عليها، في الزمن الغابر، كفر باريس ، لتقدمها وارتفاع
نسبة التعليم بها، وبسبب الدور الذي قام به ابنها عبد العزيز فهمي (باشا)، فطورها
وساعد أبناءها علي التعليم، والعمل في الدوائر الحكومية، وما زالت القرية ممتنة
لذلك الرجل، وكانت تتوقع من مبارك أن يحاكي عبد العزيز فهمي، في قريته، أو يقلد
أنور السادات، في موقفه من ميت أبو الكوم .. قريته الشهيرة.
وتبدو علاقته التي كانت متوترة بجيله وزملائه
في الدراسة، قد انعكست في حالة تشف وانتقام من القرية التي أنجبته، روي زملاء له
أنه كان يسعد لسماع الأخبار السيئة عنهم.. وحكي لي أحدهم: أنه عندما كان الصدام
علي أشده بين نظام عبد الناصر وجماعة الاخوان المسلمين، في أعقاب الكشف عن خطط
5691، لازاحة عبد الناصر والسيطرة علي الحكم، وكان هناك من زملائه من اتهم بأنه
علي علاقة بهذه الخطط ، وعندما علم بتوجه قوات الأمن لاعتقال هذا الزميل، طلب أن
يكون حاضرا، وما زال هذا المنظر محفورا في ذاكرة القرية، لأنه كان يستطيع، بحكم
موقعه في ذلك الوقت، كقائد لكلية الطيران، أن يتدخل، كما فعل غيره، ويخفف من وطأة
هذا الموقف علي أهل القرية وأسرة المعتقل، وقد كرر أحد رجالات القرية، علي مسامعي،
حكاية أسرة الرئيس مع العمدة، يوم أن رفضت الأسرة المساهمة في تكلفة تجديد مدافن
القرية، وترتب علي ذلك أزمة كبيرة، عند وفاة والد الرئيس، في نهاية الخمسينات.
ارتبط طابع الجمود لنظام الرئيس مبارك،
بتعميق اتجاهين: الاتجاه الأول هو اتجاه انعزالي، وكما كان نفوره من قريته وأهله،
جاء نفور سياسته من الانتماء العربي والامتداد الاسلامي، والاتجاه الثاني تمثل في
استثمار الحكم والسياسة في تكوين الثروات وحياة البذخ، وهذا أدي لأن يكون الفساد
منظومة كاملة، لها الهيمنة علي مقدرات السياسة ومصير البلاد، وفي الوقت الذي يزداد
فيه رجاله ونظامه غني وتخمة، تغرق مصر في الديون إلي أذنيها، وترضخ لوصفات وبرامج
المؤسسات المالية الأمريكية، تحت مسمي الاصلاح الاقتصادي ، ومقابل الغني الفاحش
للنخبة السياسية، بشكل تجاوز كل الحدود، في مصر المحروسة ، وصلت البلاد إلي حافة
الافلاس، وصارت سمة عصر مبارك، الذي طال أكثر من اللازم، الخلط المتعمد بين العمل
السياسي والتجارة والمضاربة والسمسرة، وأصبح المسؤول السياسي لا يخجل من ممارسة
أنشطة مالية وتجارية، تتعارض مع وظيفته، ومحرمة علي الحكام والسياسيين في بلاد
كثيرة غير مصر!!.
هذا الخلط احتاج أن تكون دولة مبارك دولة
بوليسية ، هي الأكثر استبدادا وفسادا وتبعية وتطبيعا، في تاريخ مصر الحديث. والآن،
بعد أن انتقل الحكم إلي جمال مبارك، حاملا نفس الأمراض، في الاستبداد والفساد
والتبعية والتطبيع، إلا أنه يختلف جوهريا معه، في أن مبارك الأب وهو يعتمد في بناء
دولته البوليسية علي أجهزة الأمن وبيروقراطية الدولة وفسادها، فإن مبارك الابن يقيم
دولته علي نظام الامتياز ، المعروف في الغرب بـ نظام الفرنشايز .. نظام الامتياز،
تمنحه حكومة، أو شركة كبري، لشخص أو شركة أصغر، وشائع في الشركات والمؤسسات
والاحتكارات الأمريكية. وتأخذ به في مجالات المشروبات والوجبات السريعة، وشروطه:
أن يتولي طالب الامتياز، شراء المكان واعداده، ودفع التأمين المطلوب للحصول علي
شرف هذا الامتياز، وبعد توفير هذه الامكانيات، بتكاليفها الباهظة، تتولي الشركة
الأم اعداد المكان وتنظيمه، بمواصفاتها، وتتولي تدريب صاحب الامتياز علي إدارته،
وتقتصر مهمة الحاصل علي الامتياز علي إدارة المكان، علي أن تمده الشركة الأم
بالمواد المعالجة والمصنعة بمواصفاتها الخاصة، وبكل ما له علاقة بالبيع والتسويق،
من نظم ومواد للتغليف أوحقائب للحمل، أو مقاعد للجلوس، أو أطباق أو علب للأكل، إذا
كان الامتياز لسلسلة مطاعم، وحتي معرفة أسرار الخلطات وتركيبة المواد تبقي سرا ليس
من حق من حصل علي الامتياز معرفته.
والمكان والمبالغ التي دفعت والمصاريف
الباهظة لا تعطي صاحب الامتياز حق الملكية أو التصرف، فهناك مالك حقيقي واحد، يحصل
علي ثمن مقابل استخدام الاسم التجاري، ومقابل بيع المواد المعالجة والمصنعة، وبيع
عمليات اعداد المكان، وكل ما يتعلق بالمواد المستهلكة، وفي النهاية من حق الشركة
الأم أن تسحب هذا الامتياز في أي لحظة، إذا لم يلتزم صاحب الامتياز بالشروط
الموضوعة، ومنها شروط تفرض التعامل مع نشاطات، كثيرا ما تتعارض مع الأمن الوطني
والقومي للبلاد، مثل العلاقة مع الشركات الصهيونية، بحكم أن الشركات التي تأخذ
بهذا النظام شركات يلعب فيها رأس المال الصهيوني دورا كبيرا، ولها أهداف أبعد من
التجارة.
نظام الامتياز ، الذي يأخذ به جمال مبارك في
حكم مصر، لا علاقة له بالمصلحة الوطنية، ويغرس قيما، تزيد من تهميش الناس، وتستغل،
من خلال نظام العمل المعمول به، نظام العرض والطلب، والبطالة العالية وسط الشباب،
فتعطيهم أجورا متدنية، وتتعامل معهم بنظام العمل بعض الوقت ، علي الرغم من الجهد
الذي يقدم، ويتجاوز نظام العمل كل الوقت ، ولا تعترف بقوانين العمل المحلية أو
الدولية، ولا تتحمل مدة عمل أكثر من شهور قليلة ،كي لا تترتب علي ذلك حقوقا
قانونية واجتماعية، ودور صاحب الامتياز في استغلال العاملين يعلي من شأنه لدي
الشركة الأم، ويهيئ له الحصول علي المقابل الذي يكفيه ويرضيه.
وجمال مبارك، أعد المكان الدولة ، ويقوم
بتنفيذ كل ما هو مطلوب منه، للحصول علي امتياز ادارة مصر، لحساب صاحب الشأن في
واشنطن، الذي له حق الحصول علي كل ما يريد، وهذا هو الذي يفسر لنا كل هذا الحرص من
أسرة الرئيس في الحصول علي التزكية الأمريكية لوراثة جمال مبارك لحكم أبيه، وهي
تزكية علي هيئة منحه امتيازا لإدارة مصر له، وقد تكون لأولاده من بعده.. جمال
مبارك لديه الاستعداد، ويظهر ذلك في تعامله مع أفراد الشعب، ومع المسؤولين، وروي
لي شاهد عيان أنه يوم محاولة الاعتداء علي والده في بورسعيد، من عدة سنوات، أهان
بالسباب والضرب أكبر مسؤول أمني في المحافظة، وركله بقدمه، وبالقول المصري ضربه
بالشلوت ، ويقال انه وراء الانتقام من بورسعيد، حتي انهارت اقتصاديا، وزادت فيها
البطالة بحجم كبير، ولم يشفع لأهلها استجابتهم لاقتراح أحد المسؤولين باظهار الحب
للرئيس وأسرته، وذات صباح صحا أهل المدينة ليجدوا جدران شوارعها مزينة بعبارة كلنا
بنحبك ياريس ، وما زالت بورسعيد تدفع ثمن تهور أحد أبنائها، ومحاولته الاعتداء علي
الرئيس.. وفي الشهور الأخيرة غير جمال مبارك تعامله مع مجموعته، فبعد أن كانوا
يذهبون سويا إلي الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات والحفلات والأفراح، يتركهم،
مستقلا طائرته الخاصة وحيدا، ويسألهم اللحاق به إلي المكان المقصود.. اتسعت الهوة
بينه وبينهم، وبدأ يأخذ بنهج الأب في عدم الثقة بأحد، حتي فيمن شاركوه وساعدوه
ماليا وسياسيا. إنه يتعامل معهم ومع الوزراء والمسؤولين بمنطق صاحب الامتياز ،
الكل لديه مهمش، ومحروم من المشاركة أو ابداء الرأي، حتي أن أقرب الناس إليه ضاع
أملهم في تقلد المسؤولية السياسية، أو الادارية، بعد أن أصبحت الوراثة هي المبدأ
المعمول به في شغل الوظائف الحساسة.. بداية من التعليم الجامعي، والطب، والقضاء،
والشرطة، والجيش، وانتهاء برئاسة الدولة.
جيل جمال مبارك له السيطرة علي المال
والتجارة، ووكالات الشركات الأجنبية، ونشاط التصدير والاستيراد، والمضاربة علي
الأراضي.. ونجح في تصفية كل منجز كان لصالح الشعب، جيل يزايد علي الحرس القديم،
فمن بين الحرس القديم من كان يعمل بصمت في مجال أمركة وصهينة الحياة المصرية إلا
أن جيل مبارك الابن يلعب علي المكشوف..
مثل هذا الجيل لا يصلح لحكم مصر.