في أحد أعداد مجلة السنة، وفي مقال للأستاذ
الشيخ محمد سرور بعنوان: (السعودية على مفترق الطرق)، ذكر الشيخ أن السلطات
السعودية كانت قد اعتقلت منذ سنوات مجموعة جهادية، وكان ذلك في نفس الفترة التي
شهدت سجن الشيخ سفر الحوالي مع مجموعة كبيرة من العلماء والدعاة وطلبة العلم.
ومما جاء في هذه المقالة أن تلك المجموعة
اعترفت بأنها كانت تخطط لقتل عدد من المسؤولين، وكان من بينهم أمراء، وكانت خطتهم
محكمة وتنفيذها سهل لا يكتنفه صعوبات تذكر، ولما سئلوا عن عدم تنفيذهم لتلك الخطة
إذا كان الأمر كما ذكروا، فإنهم أجابوا بأنهم في الساعات القليلة التي سبقت تنفيذ
الخطة زاروا الشيخ سفر الحوالي، وعرضوا عليه الأمر، فأخذ يثنيهم عن تنفيذه مبيناً
لهم خطورته مستشهداً بما حدث في بعض الدول المجاورة، وما زال بهم حتى خرجوا من
مكتبه، وهم مقتنعون بحججه، معتبرين الأمر كأن لم يكن.
وينقل الشيخ عن أحد المطلعين قوله: (( كان
الشيخ سفر الحوالي في هذا الوقت نزيل سجن الحائر، وكانت المجموعة الجهادية في
السجن نفسه، فهل استدعوا ( أي رجال الأمن السعودي) الشيخ من زنزانته، وقالوا له:
لقد ظلمناك، ونسبنا إليك ما ليس فيك، فجزاك الله عن الإسلام والمسلمين كل خير...
وهل استدعوا دعاة آخرين كانت لهم مواقف مشابـهة لموقف الشيخ واعتذروا منهم؟....
)).
وأقول: لا شك أن منطق العدل والعقل يقضي بمثل
هذا الذي ذكره ذلك المطلع من أنه كان ينبغي الاعتذار للمشايخ وشكرهم على ما فعلوه،
لكن منذ متى كنا ننتظر من الظالمين أن يسيروا وفق قواعد العدل وما يمليه منطق
الأشياء وطبيعة الأمور؟ .
ومع ذلك فإني أقول: إن ذلك الموقف غير العادل
من قبل السلطات السعودية في ذلك الوقت هو أخف وطأة وأحسن حالاً مما لعله يحدث الآن
بعد الأحداث الأخيرة في بلاد الحرمين، كما أنه بالتأكيد أهون حالاً مما كان ولا
يزال يحدث في بلاد أخرى من ديار العرب والمسلمين.
وعندي من مصر مثال صارخ على ما أقول: ففي
السنوات التي سبقت اغتيال السادات كانت مصر تعج بجماعات ومجموعات سرية لا يجمعها
رابط إلا أنها تعمل تحت اسم الجهاد، وكان من تلك المجموعات مجموعة كوَّنها بعض
الشباب في إحدى مدن الدلتا، وكان في تلك المدينة أحد الدعاة المشهورين ممن لا
يحبذون هذا الفكر، فلما بلغه أمرهم وأنهم قد جمعوا شيئاً من المال بنية شراء بعض
السلاح، ورأى أنه غير قادر على إثنائهم عما ينتوونه فإنه وجد أن أحسن الطرق لمنعهم
من ذلك هو التحايل عليهم، فجلس معهم وأفهمهم أنه قد بلغه أمرهم، وأوهمهم أنه
يوافقهم على ما ينتوون، وأنه يمكنه أن يشتري لهم ما يريدون من السلاح بثمن معقول،
ورحب أولئك الشباب بهذا العرض وأعطوه ما عندهم من المال لشراء الأسلحة، ولكنه أخذ
يماطلهم يوماً بعد يوم إلى أن بدؤوا يشكُّون في أمره، ولما واجهووه بشكوكهم اعترف
لهم بأنه غير موافق على منهجهم، وأنه لم يجد وسيلة لمنعهم إلا هذه الحيلة التي
احتال بها عليهم، وأخبرهم أن المال الذي أعطوه إياه قد صرفه في بعض أوجه الخير،
وجاء لهم بأدلته القاطعة على ذلك، ويبدو أن أولئك الشباب خافوا من افتضاح أمرهم
فأوهموا الشيخ بأنهم قد اقتنعوا برأيه، غير أنهم استمروا في ما هم عليه حتى حدثت
أحداث العام 1981، وقبض على أولئك الشباب، وحوكموا، ولكن التحقيقات لسبب أو لآخر
لم تتطرق إلى موضوع الداعية آنف الذكر، وخرج أولئك الشباب بعد عدة سنوات من السجن،
وفي العام 1987 أعيد اعتقال أحدهم، ولست أدري ما الذي ذكره بذاك الموضوع القديم
فذكره للمحققين، ومع أن القضية كانت قد انتهت، ولم يعد هناك أي مجال لفتحها، إلا
أن سلطات الأمن المصرية أصرت على مكافأة ذلك الداعية، ولكن على طريقتها الخاصة،
فجاءوا به معصوب العينين إلى مقرهم الرئيس، وظل تحت التعذيب والتحقيق لعدة أسابيع،
وكان من المضحكات المبكيات أن يقال له: ليس المهم بالنسبة لنا أنك حاولت إثناءهم
عن عزمهم، لكن المهم أنك علمت بما يفكرون فيه، وما دمت قد علمتَ ولم تبلغنا فأنت
شريك في الجريمة.
وهذا مثال واحد يبين مدى ما وصلت إليه
الأنظمة العربية من الظلم والاستخفاف بأدنى حقوق الإنسان، ولا تزال هذه العقلية
الظالمة هي المسيطرة على تصرفات الأجهزة الأمنية في بلادنا، تلك العقلية التي لا
تعرف سبيلاً للحفاظ على الأمن (حسب مفهومهم) إلا تطبيق القاعدة التي تقضي بأن ظلم
ألف إنسان برئ، أهون حالاً من تبرئة شخص واحد مدان، ( مع ملاحظة أن مقياس البراءة
والإدانة هو أيضاً بحسب ما يراه ذوو السلطان، وليس بحسب المفهوم الشرعي ).
إن الأمر لم يعد مجرد نوع من الظلم الذي قد
يلتمسون له المبرر بأنهم لا بد أن يمارسوا نوعاً من الشدة حتى يمكنهم معرفة البرئ
من المجرم؛ لأن أولاد الحرام بحسب التعبير الدارج (لم يتركوا لأولاد الحلال حاجة
)، وإنما تعدى إلى أن يكون سياسة منظمة تقوم على الإذلال والقهر الذي لا مبرر لها
إلا شهوة التشفي عند بعض أولئك القوم، أو ربما بعض النزعات السادية عند بعضهم،
ولقد حُدثت عن شخص أفرج عنه مؤخراً بعد تسع سنوات قضاها في سجون مصر معتقلاً دون
محاكمة، ومعنى ذلك أنهم لم يجدوا لديه حتى بمنطق قوانينهم الظالمة تهمة يحاكمونه
عليها، ثم اكتشفتُ أنهم ما أخرجوه إلا بعد أن اعتلت صحته وصار يعاني من كثير من
المتاعب والأمراض، ومع ذلك فقد سلموه ساعة الإفراج عنه كراسة أمروه أن يدون فيها
كل حركاته، فإذا زار أحداً أو زاره أحد فلا بد أن يذكر في تلك الكراسة متى؟ وأين
؟وما الذي دار بينهما من حديث ؟ ... إلخ، وأخبروه أنه يلزمه أن يأتيهم كل فترة
بتلك الكراسة ليتابعوا نشاطه وأحواله.
هذه هي العقلية التي لا تزال مسيطرة على تلك
الأجهزة، ونحن نجزم أنه بوجود هذه العقلية فلا صلاح يرجى، ولا أمل في خير يأتي،
مهما تقول المتقولون، وكتب بعض الكاتبين عن صلاح بعض الوزراء والمسؤولين، وكونهم
يحافظون على الصلوات، وأن بعضهم يصوم الاثنين والخميس، فإن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قد أخبر عن امرأة تؤذي جيرانها بلسانها أنها في النار مع أنهم ذكروا له
كثرة صيامها وقيامها وصدقتها. فكيف بمن آذى عباد الله بأنواع لا تحصى من التعذيب
البدني والإذلال النفسي والتضييق المادي ،فحسبنا الله ونعم الوكيل