قراءة في الصحف الألمانية :

هل  تخسر أمريكا معركتها الإعلامية في العراق؟……

وهل أدار اليمين المسيحي  ظهره لجورج بوش؟

 

 

د/مدحت إبراهيم

 

 kfa@maktoob.com

 

عندما أعلن الرئيس بوش انتهاء العمليات في العراق كان يهدف لحسم المعركة إعلاميا فالشارع العربي أصابه الذهول من سقوط بغداد المفاجئ، وجاءت السيطرة الإعلامية الأمريكية بالإرهاب للأصوات المخالفة وبتكتم الحقائق في العراق لتجعل الكثيرين يصدقون بوش حتى  فضحته المقاومة العراقية "أي  كان اسمها أو توجهها". و لذلك يبدو إن الخسارة الأمريكية بالعراق لن تكون فقط عسكرية واقتصادية بل تلوح في الأفق خسارة إعلامية كبيرة. السيد بوش ظهر علينا كالطاووس هو  وباقي أفراد إدارته بعد أن قتلا عدي وقصي صدام حسين. وقام الجيش الأمريكي بقتل أربع أفراد فقط بكل ما أتيح له من وسائل ولولا إن بالمنزل أربعة فقط لضربوه بالأسلحة النووية. وربما نجح بوش في الهاء شعبه لبعض الوقت حتى يتسنى إخماد أصوات المعارضة المتزايدة ضد إدارته.  الصحف الألمانية استهجنت نشر صور أيناء صدام وتعالت أصوات جماعات حقوق الإنسان ضد أمريكا مع الاستعداد لتجميع صفوفها للتحرك ضد أمريكا بعد نشر صور القتيلين بالعراق. و لم يتوقع أي إنسان أن يهتز العالم الغربي لنشر صور جثتي أبناء صدام بل إن الغريب في الأمر إن الكتاب في العالم العربي قابلوا الآمر بنوع من الاستحسان لدي البعض رغم إن نسبة لا باس بها من الكتاب  الغربيين ابدوا نوع من الاشمئزاز لان ما حدث يمثل تراجعا عما انزعجت منه أمريكا من فترة عندما قام العراق ينشر صور أسراها وهو ما يعد تراجع أمريكي غير مبرر من وجهة نظرهم. الكاتبة الألمانية كارل كروبة في صحيفة  فرانكفورتر روند شاو  كتبت يوم  25/7/2003  تعليقا لها  تحت عنوان أمر  له صلة  بكرامة البشر تناولت فيه تأثير  عرض الصور الخاصة بأبناء صدام قائلة: " بعد موافقة رامسفيلد قامت الحكومة الأمريكية بالسماح بعرض صورا لجثتي عدي و قصي و ذلك لاثبات  مقتل الرجلين. ولكن فات الحكومة إن الأمر يتعلق بكرامة البشر بغض النظر عن الاتهامات التي يمكن توجيهها للرجلين  و سواء أجرموا  أم غير ذلك. وما حدث يعتبر انتهاكا لكل المبادئ و الأعراف الدولية وحتى كذلك يعتبر انتهاكا للمبادئ التي قام عليها الدستور الأمريكي نفسه.  هل تنظر أمريكا للصور بكونها وثائق لاثبات مقتل الرجلين وهل اعتقدت أمريكا في إن هذه الصور سوف تؤدي لشي جيد ثم تمضي الكاتبة متسائلة  هل كان من الضروري لقوات  أمريكية بهذا الحجم أن  تحدث هذا الدمار  وهل كل هذه القوات لقتل رجلين  وهل لم يكن بالإمكان القبض عليهما ثم هل لم يكن بالإمكان تلافي قتل الطفل الصغير. إن ما حدث هو قتل بدون تقديم للمحاكمة وكان لابد من امتثال الاثنين لمحاكمة عراقية وهي صاحبة قرار الإدانة لا الولايات المتحدة ولم تقم القوات الأمريكية بهجومها طبقا لقرار محكمة دولية بل إن المحكمة الدولية الدستورية لا تعترف بها أصلا الولايات المتحدة. انتهي كلام الصحفية و ربما يقوم واحد من  الجهابذة في بلادنا بالطعن في كلام الكاتبة بادعاء إن الكاتبة قبضت من صدام حسين.  أما صحيفة دي فلت  في يوم 26/7/2003 فتباكت علي الحدث قائلة نحن نتعجب من وصف أبناء صدام بالشهداء لكن العجب الأكبر من الاستهانة بآدميتهم لهذه الدرجة إن ما صنعته الإدارة الأمريكية لا يساعد علي إقامة الديمقراطية وقالت الصحيفة  إن الاتفاقيات الدولية تهدف أصلا للحفاظ علي كرامة الإنسان سواء الحي او الميت و  لا تطبق فقط على الأحياء، بل أيضا تطبق على الأموات.  فنشر مثل هذه الصور يمثل  انتهاكا صارخا ً لاتفاقيات جنيف.  وهو ما دعا الصحيفة للتساؤل لماذا غضب رامسفيلد عندما نشر العراق صور اسري الحرب الأمريكيين. طبعا السيد رامسفيلد و زملاؤه  في إدارة بوش لا يتذكرون ما قالوه وليس لديهم الوقت ليراجعوا أقوالهم ومواقفهم وعموما الحق علي من يصدقوهم باستمرار مهما قالوا من أكاذيب.

و في يوم الأحد يوم 27/7/2003   كتبت فرانكفورتر  الجماينه تسايتونج  في تعليقها  تقول   الأخطار في طول  العراق  وعرضه عدا المناطق  الكردية و الفوضى باتت تعم العراق بالكامل،  وانضمت الجريدة  لاول مرة إلى التحليل الذي تبنته صحيفة  سود دويتشا تسايتونج  التي سبقتها في  قولها يبدو  إن أمريكا  قد دخلت العراق يدون أي ترتيب مسبق لمرحلة ما بعد الحرب وبدون أي سياسات للتطبيق في هذه المرحلة  ولذلك تقف أمريكا لتطلب العون سواء من الأمم المتحدة أو الأطلنطي فهل سنشاهد قريبا تدخلا دوليا في العراق. والموقف نفسه تقريبا كان الموقف الغالب للصحافة في ألمانيا حيث تري غالبية الصحف إن نشر صور جثتي عدي وقصي يمثل نوع من الإفلاس أقدمت عليه الإدارة الأمريكية ويأتي في سياق تبني الإدارة الأمريكية في العراق لسياسة لا تعكس أي توجهات ديمقراطية أمريكية في هذا البلد وبالتالي يدحض تقريبا كل المزاعم الأمريكية التي روجتها قبل غزوها للعراق.

وفي ذات المسالة نجد إن أمريكا أعلنت أنها تلقت معلومات من عراقي عن مكان وجود ابني صدام و إنها ترصد له مكافاة مضاعفة. و الواقع إن الإدارة الأمريكية فاتها أيضا إن إعلانها عن مكافاة لمن ارشد عن مكان ابني صدام يمثل خيبة كبيرة للدولة العظمي، فأمريكا باتت تقدم الدليل بعد الأخر علي إنها باتت تعاني ضعفا متزايدا في المجال المخابراتي وان السي أي إيه والإدارات العملاقة الكبيرة في أمريكا باتت من ملحقات هوليود وان المعلومات تأتى من طرق أخرى بل واقل تكلفة من هذه الأجهزة التي تمثل نمرا كبيرا من ورق. لكن أمريكا أرادت أن تقول إنها تشتري كل شئ بالمال فوقعت في قضية مدي جدية أجهزة استخباراتها طالما إنها لا تعمل مقابل ما تحصل عليه من مال. والواقع إن تخبط إدارة بوش في كثير من المسائل اصبح يوقع الإدارة الأمريكية تناقضات كبيرة و كثيرة يسجلها أصدقاء كبيرة قبل أعدائها. ونحن نتوقف ونتساءل هل أمريكا في طريقها لخسارة المعركة الإعلامية بالعراق.

 

اليمين المسيحي يدير ظهره لبوش

قديما دارت مناظرة بين القس الأمريكي جيمي سواجارت والداعية الإسلامي الجنوب أفريقي احمد ديدات رحمه الله ولما ضاق الخناق علي سواجارت في نهاية إحدى الجولات جاء في اليوم التالي ليبشر احمد ديدات بان الرب جاءه في المنام  وان الرب يحب ديدات وانه أي سواجارت أيضا يحب ديدات، ثم خسر سواجارت المناظرة وما لبث بعد وقت قليل من انتهاء المناظرة مع ديدات أن خرج من الكنيسة بفضيحة جنسية. والقصة اقصد بها إن المناظرة أمكن إرجاع الإخفاق والنجاح فيها للرب من وجهة النظر الأمريكية  وطبعا للجمهور الأمريكي فالرب احب ديدات وغضب علي سواجارت لسلوكه السئ ولم يكن لان ما يدعو إليه سواجارت ليس في مستوي حجج وبراهين احمد ديدات وهذا هو ما يدور ألان في الميديا خداع لاثبات وجهة نظر بعينها حتى لو كاذبة. جورج بوش دخل الحرب باسم الرب منفذا لوعود في الكتاب المقدس فتم غزو العراق ولما فشل بوش في بسط نفوذه الفعلي وانهارت معنويات جنوده بالعراق يقف ألان اليمين المسيحي علي النقيض ليكون بوش وحده هو الفاشل لا هم ولا ما يدعون إليه.

في مدينة أخن الألمانية وقفت جماعة شهود يهوا وهي جماعة أمريكية لا تعتقد في مسالة صلب المسيح و تؤمن بالعهد القديم علي حساب العهد الجديد وتسمي الرب باسم يهوا وهو اله اليهود. الجماعة تحمست بشدة لضرب العراق وهو ما يأتي طبقا لما تؤمن به الجماعة واخذوا ينشروا إن الرب تنبأ لهم بما يحدث ألان في العراق. هذا الأسبوع وقفت الجماعة في قلب مدينة أخن لتقول إن بوش خرج عن إرادة الرب. وقد وقفت مع أحد أفراد الجماعة وهو يوناني ليعبر لي عما يقصده بالضبط وقال لي " إن العالم طبقا للكتاب المقدس مر بسبع ممالك بدأت بمصر الفرعونية مرورا بالاسكندر الأكبر وحتى مملكة الانجلو أمريكان وهي مملكة باطشة والعراق نفسه كان من الممالك العظيمة ذات يوم ولكنه في عهد نبوخذ نصر دمر كل الممالك والجوار  ( السبي البابلي) وحدث له  بعد ذلك الشيء نفسه بان ناله الدمار و تم تدمير مملكته وهذا كله مذكور بالكتاب المقدس وكذلك فعل بوش بالعراق ما فعله العراق قديما بجيرانه لكن بوش سيحدث له ما حدث لنبوخذ نصر حتى يأتي المسيح ليحكم العالم لينشر العدل بعد سيادة الظلم ويعم السلام و الإخاء بين البشر. طبعا صاحبنا نسي أن الجماعة كانت تدعو لبوش بحماس منقطع النظير لكن الجماعة شانها شان غيرها من اليمين المسيحي تجد لديها باستمرار الحيلة لتحوير خطابها ليبدو انه باستمرار خطاب توراتي. بوش يقف ألان وحيدا بعد أن دمر العراق يريد أن يصنع سلاما هشا في فلسطين ليظهر أمام العالم بمظهر رجل السلام بينما يديه لم تجف بعد من دماء العراقيين، لكنه هيهات لن ينال رضا اليهود ولا أذنابهم حيث يرفض اليهود حتى هذا الهامش السلامي الهش وبالتالي يقف بوش ألان منفردا فهو ألان اصبح يتصرف عكس مشيئة الرب يهوا وهو ما يعني إن يهوا في سبيله لاختيار من يقود الحرب غير بوش. ويا حمرة الخجل أين أنتي فشل بوش ولم يفشل اليمين المسيحي وهم يبحثون ألان عمن يكمل المشوار كي يأتي لهم المسيح. والسؤال ألان هل يقدم بوش جديدا يجعل يهوا واتباعه من اليهود و المتهودين يرضوا عنه أم إن يهوا أدار ظهره تماما لبوش وهل إذا غضب يهوا عن بوش واستمر في غضبه سيخرج بوش من منصبه بالطريقة نفسها التي خرج بها سواجارت من الكنيسة أم إن يهوا سيكون ارحم بالسيد بوش اكثر  ولن يفضحه فضيحة مواطنه سواجارت.