في معنى الإغاثة تحت الاحتلال

 

 

 

 

بقلم :محمد خالد الأزعر

 

كشفت صحف إسرائيلية عن سر اهتمام الإدارة الأميركية بأوضاع الفلسطينيين الحياتية في الضفة وغزة. ومما ذكرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» بهذا الخصوص، أن كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي أطلعت حكومة أرييل شارون على نية واشنطن استثمار نحو بليون دولار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بهدف «احتواء حركات المقاومة ومنعها من تجنيد السكان خلفها!».

 

 من التفصيلات اللاحقة أدركنا أن رايس تتبنى وجهة نظر تستحق التأمل. فهي ترى أن الاستثمار الكبير في «رفاهية الفلسطينيين» من شأنه أن يسلب الراديكاليين مثل حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين الادعاء بأنهم الوحيدون المعنيون بضائقة الناس. وأنه لكي ينفض الرأي العام من حول حماس بالذات، لابد من قوة بديلة تعرض خدمات جديدة كإصلاح الطرق وإقامة المستشفيات ومؤسسات الإغاثة الإنسانية.

 

وبالتعامد مع الضغوط الخاصة بتجفيف موارد حماس ونظائرها المالية والسياسية، تكون الإدارة الأميركية قد زاوجت بنظرية رايس بين محاصرة حركات المقاومة من الخارج وبين السعي إلى عزلها في الداخل.. وتكون هذه الإدارة أيضاً قد عززت سياسة القوى التي تتولاها "إسرائيل" ضد هذه الحركات، بسياسة المنح والعطايا الاقتصادية الهادفة لسحب أوراق اعتمادها على الصعيد الشعبي.

 

 عملاً بهذه المنهجية، قامت واشنطن بتحويل ثلاثين مليون دولار إلى السلطة الفلسطينية من أجل «ترميم البنية التحتية في الضفة وغزة، ليلمس الفلسطينيون تغييرات مهمة في شئونهم اليومية».

 

 وفي 25/7 أعلن الرئيس جورج بوش بنفسه عن تشكيل مجموعة أميركية فلسطينية لتنمية التعاون الاقتصادي، وإرسال وزيريه للخزانة والتجارة إلى «الشرق الأوسط» لمتابعة نشاط هذه المجموعة في الخريف المقبل. مؤدى ذلك كله باقتضاب أن إدارة بوش مقتنعة بالمفهوم الذي يفسر شعبية حركات المقاومة وكسبها الأنصار بالأدوار الاقتصادية والخيرية التي تضطلع بها. وبالتداعي، فإن إنشاء أطر ومؤسسات بديلة، تقوم بهذه الأدوار وتتوفر لها الموارد اللازمة لهذا الغرض، سوف يقوض هذه الحركات ويصرف عنها الأنصار.

 

 والحق أن هذه النظرية تغالي جداً في الاستهتار بأسباب المقاومة حين تعزوها إلى بحث المقاومين حتى حدود الاستشهاد عن مجرد مورد تكسب وارتزاق!.. لكنها تنسجم مع «العقلية المادية» البحتة التي تحف بسلوك السياسة الأميركية عموماً.

 

ففي كثير من مقاربات القضايا الدولية تنحو واشنطن إلى الاعتماد على ما يمكن تسميتها بدبلوماسية الدولار، التي تشغل فيها أنماط المنح والمنع الاقتصادية والمالية مكانة معتبرة لاجتذاب الأتباع أو محاربة الخصوم والأعداء وبالطبع، لا يمكن لعقلية هذا جوهرها أن تتفهم بشكل صحيح العوامل الدافعة لاستمرارية المقاومة ضد احتلال مريد بغيض، طلبا للحرية والاستقلال.

 

وأغلب الظن أن طمع أقطاب الإدارة الأميركية في إمكانية اعتصار حركات المقاومة الفلسطينية اعتماداً على هذه الدبلوماسية، يتأتى من الخلط الشائع لديهم بين المقاومة والإرهاب. فالإرهابيون عرضة للبيع والشراء بما يجعل للمساومة التجارية معنى وجدوى في التعامل معهم. بينما الأمر يبدو مختلفاً جذرياً بالنسبة للمقاومة والمقاومين، الذين لا يقعدهم عن التمرد سوى إشباع حقوقهم القومية أو الوطنية، المكفولة بشرائع السماء والأرض.

 

 وفي كل حال، لا ضمانة على الإطلاق لأن تمضي نظرية رايس بنجاح إلى غايتها، ليس فقط لتعارضها مع فلسفة التحرر الوطني، ولكن أيضاً وأساساً لتناقضها مع التجربة التحررية الفلسطينية بخاصة. فهذه النظرية ليست من منتجات الإدارة الأميركية أو «الإسرائيلية» الحالية. فقبل عشرين عاماً دعا جورج شولتز وزير الخارجية الأميركي الأسبق إلى «تحسين نوعية حياة الفلسطينيين»، أملاً في حينه بتخفيف الرفض الفلسطيني للاحتلال وعزل تأثير منظمة التحرير الفلسطينية على أبناء الضفة وغزة.

 

 

 

 وفي سبعينيات القرن الماضي تبنى أرييل شارون (قائد المنطقة الجنوبية وقتذاك) أسلوب هدم مخيمات اللاجئين في غزة وإبدالها بأحياء سكنية أفضل من حيث ظروف الحياة، كمدخل للقطيعة بين المخيمات وبين تحولها إلى معامل لإنتاج المقاومين.

 

 بل ولنا أن نعود بفكرة رايس الحالية إلى ما طرح منذ أكثر من خمسين عاماً غداة نكبة فلسطين، تحت شعار «تنمية الشرق الأوسط».. فكل المشروعات التي تداولتها الأوساط الأميركية (الغربية) تحت هذا الشعار سراً وعلانية، إنما استنبطت وأد أثار تلك النكبة، بتهيئة بيئة إقليمية أكثر «رخاء» تسمح بتوطين لاجئي 1948 وطي تطلعاتهم الوطنية، ومن ثم مقاومتهم لنتائج النكبة، إلى الأبد!

 

 تقول هذه الخبرات إن الإدارة الأميركية الحالية تعيد إنتاج العجلة!

 

وكان حرياً بهذه الإدارة ومازال لو صدقت النوايا أن تمد يد العون للشعب الفلسطيني عبر التعجيل بإنهاء الاحتلال ذاته، وليس بإغاثته تحت ظلال هذا الاحتلال. وإذا كانت رايس قد أشارت مراراً إلى رغبتها في مشروع «مارشال فلسطيني» فإن عليها أن تتذكر كيف جاء «مارشال الأوروبي» لاحقاً وتالياً لتحرير أوروبا من النازية، لا قبل ذلك!