القانون الثاني للدينامية الحرارية
بقلم :حسام عيتاني
لنحاول أن نعيد الاعتبار الى مقولتين بسيطتين
ثبتت صحتهما، ونستخدمهما لتفسير جانب من الواقع الراهن. تسمى الاولى
<<القانون الثاني للدينامية الحرارية>> وملخصها ان الطاقة تميل الى
الانتشار من وسط محتشد بها الى وسط اقل احتشادا. المقولة الثانية وصفها المفكر
الراحل ياسين الحافظ في تحليله للهزائم العربية بالقول ان الجيوش العربية مهزومة
قبل ان تنخرط في القتال لانها تأتي من اوساط مهزومة في الداخل وتقودها حكومات تفرض
على مجتمعاتها وعلى نفسها ايديولوجيات مهزومة.
مثال بسيط على <<القانون الثاني
للدينامية الحرارية>>: تولد اضاءة مصباح كهربائي في غرفة، كمية من الطاقة
تنتشر في جو الغرفة على شكل حرارة. كل من لمس مصباحا كهربائيا مضاء يشعر بسخونته.
لكن القانون يؤكد على استحالة تجميع الطاقة المشتتة وإعادتها الى المصباح. يسمى هذا
العامل القائل باستحالة عكس القانون <<سهم الوقت>>. لا تقبل الطبيعة
اعادة تكثيف الطاقة في مصادرها الاولى بعد انبعاثها. اشعة الشمس لا تعود اليها
وحرارة المصباح لا يمكن ان تتجمع في جو الغرفة وتعود الى مصدرها. من المفترض ان
يكون هذا القانون معروفا لدى كل تلميذ في المرحلة الثانوية.
مثال بسيط على مقولة ياسين الحافظ: في كتابه
<<الهزيمة والايديولوجيا المهزومة>>، يشرح الحافظ الاسباب التي قادت
الى الهزائم العربية المتتالية وخصوصا هزيمة العام 1967. لقد توجه الجندي العربي
الى ميدان القتال وهو مهزوم في داخله على ايدي الانظمة التي جوفت الحياة السياسية
وأفرغت كل القضايا العربية من معانيها. لم يحمل الجندي العربي هزيمته من خط الجبهة
الى مدينته وقريته. لقد جلب معه الهزيمة من داخل بلده الى خط الجبهة. المعركة لم
تكن الا <<لتظهير>> صورة الهزيمة الجاهزة. من المفترض ان تكون هذه
المقولة معروفة لكل متابع للشأن السياسي.
يمكن استخدام <<القانون الثاني
للدينامية الحرارية>> لفهم الظواهر الكونية كما يمكن تطبيقه على السياسة. في
هذا المجال، تنبغي ملاحظة ان انتشار <<الطاقة>> الاميركية في العالم،
عملية في اتجاه واحد ناجمة عن سلسلة معقدة من التفاعلات الداخلية والعوامل
الخارجية. لم يخف الاميركيون اهدافهم وأطلقوا، منذ ما قبل الحرب على العراق، سلسلة
من المواقف والتهديدات ضد كل من تخيلوا انه يدخل في خانة العدو المباشر او غير
المباشر لهم (راجع، على سبيل المثال، ورقة اعدها مايكل ليدين لمعهد
<<اميركان انتربرايز>> في نيسان الماضي ويفصل فيها اساليب الضغط على
سوريا وكيفية استخدام لبنان كخاصرة رخوة لدمشق في هذه العملية). وليس ذنب
الاميركيين او مشكلتهم ان من توجهوا اليهم بالتهديد والوعيد لم يأخذوا مضامين
اقوالهم على محمل الجد.
لذلك، واهم من يعتقد ان التصريحات قادرة على
وقف انتشار هذه الطاقة، مهما كانت لهجة هذه التصريحات حادة او مهما بلغت دقة
الاتهامات الواردة فيها، اذا لم يكن مدعوما بدرع واق من التأثيرات السلبية للطاقة.
وواهم أكثر من يعتقد ان تسليط الضوء على
الاختلافات في التصريحات الاميركية يكفي <<لفضح>> التناقضات في داخل
الادارة الاميركية ويمهد لسقوطها متجاهلا ان هذه الادارة، كما كل الادارات السابقة
واللاحقة، تستند الى موازين قوى سياسية في داخل المجتمع الاميركي حيث تأثيرات
المواقف الآتية من الخارج هامشية.
وواهم اكثر وأكثر من يمنّي النفس بالنجاح في
اعادة تجميع قوى اجتماعية وسياسية داخلية واقليمية لمواجهة المد الاميركي متناسيا
ان القانون الثاني للدينامية الحرارية يحول دون نجاح أي جهد استعادي عكسي. الاجدى
البحث عن مصادر جديدة للطاقة تعوض تلك المبددة منذ اكثر من خمسين عاما ولندع
الماضي يمضي.