بقلم :حياة الحويك عطية
درس مؤلم وخطير لا بد ان يتعلمه كل من امتلك
سلطة او بعضاً من سلطة في هذا العالم العربي المبتلى بالفساد وبانهيار مريع في
منظومة القيم الاخلاقية: ان من يشترى منك يشترى من سواك، سواء كان الشراء بثمن مال
او بثمن نفوذ وسلطة.
فالذي باع عدي وقصي صدام حسين، هو كمن باعوا
العراق والنظام للاميركيين، من اولئك الذين كانوا مستفيدين من النظام، ومن فساده.
ليس البعثيون الحقيقيون هم الذين سلموا
بغداد، وليس المتطوعون العرب هم الذين تخلوا، وليس العراقيون الشرفاء هم الذين
باعوا الكرامة للاميركيين. بل اولئك الذين يحتشد بهم كل نظام عربي، وكل الساحات
العربية، فعندما كانت سياسة العراق الاعلامية تعتمد على شراء الاقلام والصحف، كان
تبرير المسؤولين عن ذلك «كلب يعوي معنا ولا كلب يعوي علينا» لكنهم نسوا ان الكلب
لا يعرف الا العواء، وانه لا يميز فيمن يعوي له بل يعدو الى العظمة او قطعة اللحم،
ولذا ما ان حصلت الحرب الاميركية الاولى وحوصر العراق حتى تحول هؤلاء وبسعة
الوقاحة الى الصف المعادي، اما لان مصادر الدفع اصبحت هناك، واما لان الادارة
العراقية اصبحت وببساطة غير قادرة على رش الاموال.
قبل ذلك كان الداء الداخلي اكثر خطورة،
فعندما كان البعث حزب المعارضة والثوريين التائقين الى التغيير ( حتى ولو لم نتفق
معهم في رؤيتهم لذلك ) كان النضال الصعب يصهر الرجال كما الماس، ولم يكن في اختيار
ذاك الطريق الا خيار قناعة وايمان واستعداد للتضحية في سبيل حلم كبير، وكان من
الطبيعي ان يحدد ذلك نوعية وطبيعة الرجال والنساء الذين رصوا صفوفه.
وكان من الممكن الا يتغير جذريا وقد اصبح
الحزب حاكما، لو انه حافظ على امرين: التعددية التي تبقي على حالة التداول
والمنافسة والتحدي، والتي تعمق الايمان والانتماء وتبلور القيم.
وحرية الانتساب الى الحزب الحاكم دون ترتيب
امتيازات على ذلك، استبعادا لنفاق المتسلقين المرتزقة.
وفي هذا السياق اذكر نصيحة وجهها لي احد
الاصدقاء من البعثيين القدماء مع بداية تعاملي الاعلامي مع المسألة العراقية في
الثمانينات، حيث قال لي: «عليك بالتمييز بين البعثيين القدماء -بعثيين ما قبل
الحكم- وبين المتحولين المتكسبين، كما عليك بالتمييز بين المعارضين الاصليين نتيجة
موقف عقدي او سياسي جذري وبين من عارض لتقاطعات معينة، من مثل تضارب مصالحه
الشخصية او الفئوية مع مصلحة هذا او ذاك من المتنفذين، وأسوأ هذا النوع من كانوا
بداية في جيب النظام».
بعد الحصار تفاقم هذا الوضع، وأذكر مقولتين
سمعتهما من وزيري اعلام متعاقبين. قال لي الاول «المشكلة ان حلم جيلنا كان ثورة 23
يوليو، في حين اصبح حلم هؤلاء الان الحياة الاستهلاكية الخليجية». في حين قال
الثاني: «نحن مضطرون لان نغض الطرف عن المهربين والفاسدين والمتاجرين حتى بنا لان
ظروف الحصار تفرض علينا ذلك».
فما الذي حصل؟ الى اين اوصلنا ذلك؟
الا ان عملاء النظام تحولوا الى عملاء
للاميركيين، والمتاجرين الفاسدين الذين بنوا علاقات مع المتنفذين في الحكم لسرقة
ثروات البلاد وحقوق الناس، سعوا الى بناء علاقات مع الغازي المحتل وبيعه البلاد
واهلها وفي مقدمتهم رموز النظام نفسه.
ألم تقل وسائل الاعلام ان الذي باع عدي وقصي
كان من المتعاملين مع عدي في صفقات مشبوهة؟
القضية باختصار شديد قضية اخلاق وقيم، ان
انهارت دفع الجميع ثمن انهيارها، حتى اولئك الذين يعتقدون يوما ان سلطتهم تحميهم
من الاستحقاق.
وهو الدرس الذي يجب ان يتعلمه كل من امتلك
سلطة، خاصة في هذا العالم العربي القائم على القمع المدمر للقيم، درس ان من يبيع
لك يبيعك. ومن ينافق اذا خاف يغدر اذا امن.