ماذا نأخذ بالمفاوضات؟

 

 

 

بقلم :د. احمد نوفل

 

ابو مازن في واشنطن وقد اثنى عليه بول. واعتبره شريكاً جيداً في عملية السلام. وقد انهالت عليه الدعوات لزيارة العواصم، وحضور المؤتمرات. والفلاشات لا تتوقف تضيء وجهه لالتقاط صورة لتبثها وسائل الاعلام. ومعلمه الذي كان محط انظار الدنيا صار اليوم في طي النسيان، ومهاوي الاهمال. وهو الذي بدأ عملية السلام، ولولاه ما سار القطار «ولا..» فقد استغل رصيده النضالي الضخم في دفع عملية السلام، ووزع ابتسامات في واشنطن وكامب ديفيد وواي ريفر وفرم الشيخ «سابقاً»، ووزع القبلات على الزعماء.. ثم بلا مقدمات انهيت الخدمات، وسحب الدور، وتحولت الكاميرات والفلاشات.. مأساة. المهم.. ابو مازن في واشنطن، ولكل مرحلة رجالها، ولكل لون من الوان النضال رموزه، فما المشكلة؟

 

ولقد سمعت محمد البسيوني، وهو اول «اعتقد!» سفير مصري في «اسرائىل» يقول مبيناً أهمية زيارة ابي العبس للمطبخ العالمي، اعني لواشنطن ونيويورك، بصوته المميز، ومنطق القوي، يقول: المواجهة مهمة جداً «يقصد بالمواجهة الحكي وجهاً لوجه وليس المواجهة كما فهمتم مع احترامي لكم» في شرح القضية والاقناع والتأثير.. واعاد -على ما هو المعتاد- ان الزيارة مهمة جداً للقضية والعباد والاولاد.. ولا اظن انه يفوت سعادة السفير ان كثيرين من عرباننا يستدعون ليملى عليهم بكرة واصيلا.. والذي نسي هموم شعبه وتكلم عن معاناة شعب «اسرائيل» لا اظن انه سيحمل القضية الى نيويورك وواشنطن، ولكن بالعكس سيرجع محملاً بالتعليمات من واشنطن للتنفيذ في فلسطين.. ومن يعش رجباً!!.. المشكلة ليست في المفاوضات، وانما في المتفاوض. والمصيبة ليست في المؤتمرات ولكن في من يتآمر «يحضر المؤتمر».

 

ليس عندنا عقدة من الذهاب الى واشنطن او الاجتماع مع الجن الأحمر او الأزرق، وانما نحن «مقروصون» من الذين يمثلون!

 

وتجربتنا مريرة منذ مفاوضات 48 حتى لحظتنا هذه. تجربتنا مأساة مركزة في المفاوضات والمفاوضين.. والرجوع بخفي حنين. والسكون عن جنين.

 

وأحببت في هذه العجالة ان اعرض لكم -بايجاز شديد- كتاباً يحمل هذا العنوان الذي عنونت به هذه الكلمة، وهو مذكرات ثعلبين ماكرين: عيزرا وايزمان وموشيه دايان، حول تفاصيل مباحثات كامب ديفيد، سنة 78. وقد جمعها وترجمها الاستاذ: ناهض منير الريس. وصدر الكتاب عن «دار الحوار» سنة 83.

 

يقول الريس في مقدمته: معظم المؤلفات التي ظهرت عن مؤتمر كامب ديفيد تناولته من الخارج. وقلما تحدث احد عنه من داخله. وربما تمر عشر سنين او اكثر «في حالتنا لا يتاح نشر الوثائق بعد قرن!» حتى تنكشف الاسرار وتظهر الصورة.. ولكن بنشر مذكرات وزير الدفاع وايزمان والخارجية ديان «وقتها» «اذ ديان شغل منصب وزير الدفاع ثلاث مرات على الاقل قبل ذلك» يقول الاستاذ الريس: بنشر هذه المذكرات انكشف طرف من الصورة، وقد نشر وايزمان مذكراته في كتاب عنوانه: «المعركة من اجل السلام» وديان في كتاب بعنوان: «الاختراق». يقول الريس: والكتابان مليئان بالتعبيرات التي تستخدم في الحروب والمعارك.

 

فالسلام عندهم مرحلة وسيطة في طريق طويل هدفه اقامة اسرائيل الكبرى وكل منهما يرى ان السلام ينبغي ان يجيء تتويجاً سياسياً للجهود العسكرية التي سلخا فيها اعمارها. وفي مذكرات وايزمان فصل عن الكامب بعنوان: «السناجب والرؤساء»، وفي مذكرات ديان اربعة فصول. والريس جمعها في هذا الكتاب.. وقال: وقراءة هذه الفصول مهمة، محزنة، ومفيدة.. وكامب ديفيد كان عملية استدراج «يعني ياطويل العمر كمين عسكري!» للطرف العربي للتوقيع على شيء اشبه بما يطلق عليه في القانون المدني «عقد الاذعان».

 

وهو عقد يجهزه الطرف الاقوى، ويضع فيه الشروط، فيأتي الطرف الاضعف ويوقع، وكأنه فريق حقيقي في العقد.

 

واهم من ذلك، يقصد الريس في أوجه أهمية الاطلاع على الكتاب، هو اكتشاف حقيقة الدور الامريكي في قمة الكامب، وافتضاح زيف الحياد والموقف المتوازن الامريكي. واهم من هذا وذاك ان نتفحص الموقف المتوازن الامريكي. واهم من هذا وذاك ان نتفحص الموقف الذي دخل فيه السادات الى قائمة المؤتمر، والموقف الذي خرج به، ماذا اخذ؟ وماذا اعطى؟ وما الذي كان في وسعه ان يفعله؟ اي اننا لن نبدأ بادانة الذهاب الى المفاوضات. ومنذ زيارة السادات الى القدس 20/11/77 لم يتوقف عن تناول التسوية مع العدو سراً وعلانية.. في خطابه في الكنيست اوضح الأسس التالية:

 

1- لم يجئ لعقد اتفاق منفرد بين مصر و«اسرائيل»، ولا لعقد اتفاق جزئي.

 

2- انه«للتأكيد» يسلم بوجود «اسرائيل» ضمن حدود آمنة، ويقبل كل الضمانات الدولية لتحقيق أمن «اسرائيل» «أمنكم انتم هو المهدد يا مسعد!».

 

3- انسحاب «اسرائيل» من منطقة 67 بما فيها القدس.

 

4- يقبل اليهود الحقيقة الفلسطينية كما قبل السادات الحقيقة الاسرائيلية ب«القياس»!

 

5- يعتقد ان جزءاً من فلسطين على الأقل كان ملكاً لليهود، ولكن ليس فلسطين كلها. «عظيم، وعليك نور يا عم انور. والله اعلم أهو نور أم بخور؟».

 

يقول الريس: من العبث ان نحاكم هذه المقولات. ولنتبين فقط هل تمت المحافظة عليها حسب منطوق السادات؟

 

ونترك «ابومازن» في واشنطن، ونترك الكتاب والمذكرات والتعليق والتلخيص الى حلقة مقبلة ان شاء الله.. فالاختصار واجب.