-
سجن عسقلان
يدرك المتتبع لملف الاسرى الفلسطينيين والعرب
في سجون الاحتلال، ان قضية الاسرى لم تكن في يوم من الايام في وضع افضل مما هي
عليه اليوم، فبعد ان تجاهلتهم الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة مع العدو وبعد ان
اعتبرتهم الوفود المتفاوضة dead
debit «ديون غير مستردة» في اللغة المالية، مما تركهم تحت رحمة من فقد
من قاموسه الرحمة وباتوا كالايتام على مائدة اللئام.
وقد سجل للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في احدى
مقابلاته مع وفد جاء يذكره بالاسرى المقولة التالية: «... شو هم مقابل الارض؟
اعتبروهم شهداء...»، وسجل لوزير اردني في مقابلة تلفزيونية الرد التالي «لا يوجد
اسرى اردنيون... من تبقوا اولئك الذين فضلوا الالتجاء الى الجانب الاسرائيلي...».
ولكن الامور بيد الله يغير من حال الى حال
فقد استطاع الاسرى بتوكيل من الله ان يفرضوا انفسهم مجددا على «الخارطة» ويصبحوا
احد اهم القضايا العالقة، ان لم يكن اهمها واصبحنا نسمع مهندس اوسلو والمسؤول
الاول عن اضاعة حقوق الاسرى ابو مازن يقول انه: «لا سلام ولا امن دون اطلاق كافة
الاسرى» واصبحنا نسمع عن عقد الاجتماعات بل الغائها بسبب الاسرى حتى الرئيس
الامريكي «cow bosh»
يطالب «اسرائيل» بالتعامل مع الملف بمرونة وجدية. وعلى الصعيد الاردني نشهد في
الاونة الاخيرة انقلاباً حقيقياً في المواقف والتوجهات، فبعد ان كنا «اصحاب قضايا»
تقع على عاتقنا مسؤولية ما قمنا به، اصبح هناك اعتراف والتزام حكومي مشكور
باعتبارنا «قضية» وطنية تتحمل الحكومة مسؤولية العمل على انهائها.
اضف الى ذلك الوعي العام والمطالبة
الجماهيرية والدعم الاعلامي من اصحاب الاقلام الملتزمة والمحطات الفضائية الهادفة
مما يعطي الملف اهمية واولوية استدعت ان يقوم كل المهتمين من نقابات واحزاب
وبرلمان بل وحتى وزارة الخارجية بتشكيل فرق خاصة ولجان لمتابعة هذا الملف الذي
تحول الى هم وطني. وفي خضم هذه التوجهات غير المسبوقة والزخم المتزايد تطالعنا بعض
الطروحات بالغة الخطورة والتي تم رفضها في احوال واوقات اسوأ بكثير من الان، لتضع
علامات استفهام كبيرة حول هذه الطروحات واهدافها، واحد ابرز هذه الطروحات هو
الاقتراح الذي نقله الوفد الامني المصري برئاسة عمر سليمان والذي ردده احد
المسؤولين في وزارة الخارجية الاردنية في تصريح صحفي نشر في «الدستور» كاحد
الخيارات لحل قضية الاسرى يقضي بان يتم نقل الاسرى الفلسطينيين من السجون
الإسرائيلية إلى سجون في الضفة تحت إشراف أمريكي-اوروبي، وفي حالتنا إلى سجون
أردنية لإنهاء فترة محكوميتنا فيها.
من الوهلة الاولى يبدو ذلك حلا وسطا معقولا
يقرب الأسرى من عائلاتهم ويفتح امامهم الباب أمام عفو « متوقع» وسوف يحظون بمعاملة
جيدة بدل المعاملة السيئة، ناهيك عن أن هذا الحل سيكون اكثر قبولا وأقل إحراجا
للحكومة الإسرائيلية امام الرأي العام الإسرائيلي، إذا لماذا نرفض هذا الطرح بهذه
الشدة؟
سابدأ من الآخر من الناحية الفنية التفاوضية
لا أدري ما الحكمة بالذهاب الى المفاوضات بأوراق مكشوفة وحلول بديلة معلنة سلفا؟
ومن الناحية العملية النفعية لماذا البحث عن حلول
ومخارج تجنب «إسرائيل» الضغط الهائل الذي تتعرض له من كل الأطراف وكل العالم؟ وقد
بدأت ظواهر الانكسار والتجاوب لدى الإسرائيليين جلية وواضحة في الآونة الأخيرة في
تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، ثم إن نقل الأسرى إلى سجون غير إسرائيلية سوف
يطفئ جمرة التضامن والمطالبة بحريتهم كونهم ليسوا في أسر الاحتلال، إنما شأنهم شأن
بقية السجناء السياسين في بلادهم.
أما من الناحية المبدئية وهي الأهم فهذا الحل
يشكل مساسا بسيادة الوطن أولا ثم يحولنا من مناضلين ضد الاحتلال إلى سجناء لدى
حكوماتنا.
ثانيا: أما عن موضوع العفو فاقول ما قمنا به
من عمل نفتخر به ويستلزم التكريم وليس العفو، لأننا لم نرتكب خطأ بحق الوطن أو
المواطن. لذا فإن هذا الحل مرفوض ومستهجن ولن نقبل به او نتعاطى معه وسوف نعارضه
ونقاومه بما اوتينا من قوة، لاننا لن نستبدل سجنا في الوطن بسجن في الغربة ولأننا
نعرف شعورنا تجاه سجاننا دافيد، فماذا سيكون شعورنا تجاه سجاننا محمود؟!.