درس بغداد

 

 

 

بقلم :فرج شلهوب

 

بغداد لم تسقط، انما سقط السماسرة والمتفرجون والمتفرنجون، والمأخوذون بالدوار لن يطول الوقت حتى يفيئوا الى صوابهم.

 

لربما سقط رجال باعوا انفسهم للشيطان.. وآخرون بالغوا في الزيف والهراء وعبادة الذات والطواف حولها.. لكن بغداد لم تسقط.

 

والآن، وبدون أية اوهام.. تقف المقاومة العراقية وجهاً لوجه مع قوات الاحتلال، في حرب متواصلة لا تكف عن طحن المعتدين كل ساعة من ليل او نهار. وحيث لم يعد للB 52 ، ولا الF16 او سواهما أي فاعلية. وحيث تختفي الاسماء الكبيرة والخادعة لقوات نظامية عراقية ضبطت متلبسة بالخيانة والتواطؤ ضد بغداد.

 

المشهد غاية في الوضوح، لا التباس فيه ولا غموض، فبوش يقف عارياً من اغراءات القوة الجبانة، التي تضرب وهي في المحيطات او اعماق السماء، فيما يفرض عليه مواجهة معركة على الارض، وجهاً لوجه، مع فدائيين ثبت حتى الآن، انهم فقط ينتمون لبغداد ورسالتها الممتدة في التاريخ والحاضر والمستقبل، فدائيين لا يحملون النياشين ولا تنطوي مخازن تسليحهم على اسلحة للدمار الشامل، فدائيين يضربون ولا يهربون، يتسللون الى كل مكان تحتشد فيه القوات والاليات العسكرية الامريكية لينقضوا على «العلوج» بالنار، ولا ينسحبون، قبل ان يخلفوا في صفوفهم عدداً من القتلى.

 

ومن عجب ان هؤلاء «العلوج» المحتلين، وعلى مدى ثلاثة شهور من هجمات المقاومة، لم ينجحوا في ادارة مواجهة تنم عن أي مستوى من الشجاعة، فقط كانوا يكتفون باستدعاء الطائرات السمتية لتوفير الحماية لهم، قبل ان ينشغلوا بلملمة اشلاء قتلاهم وعد جرحاهم، والأهم اخفاء آثار ما حل بهم الا ما انكشف امره وانفضح باطلاع شهود العيان عليه. فلم يسجل لهم انهم قاوموا المهاجمين العراقيين او انهم تعقبوهم او امسكوا بأي منهم على وجه الحقيقة.

 

الأمر الذي رسخ في وعي المقاومة العراقية، ان هذه القوات رغم ما تملكه من تسليح وما تدعيه من احتراف، لا تنجح الا وهي تضرب من بعيد أو وهي تهاجم آمنين ومسالمين. اما حين تواجه الهجمات فانها اضعف من ان تملك الجرأة للنظر في عيون المهاجمين، او ان ترفع سلاحاً بصورة جادة لمنازلتهم.. فالحرص على الحياة ثم الحرص على الحياة هي غايتهم ودينهم وديدنهم، وما اسرع ما يعلو صراخهم وصوت استغاثاتهم عند بدء أي هجوم عليهم. ولهذا كلما ازادت حدة المقاومة، تصاعدت الارادة عندهم لمغادرة العراق ولو هرباً عبر الحدود، بل هناك من بينهم من اقدم على الانتحار، بفعل الضغط النفسي الذي يعيشه جراء تصاعد الهجمات، حيث سجلت اكثر من حالة في الايام الاخيرة.

 

اذن، لسنا نطعم انفسنا جوزاً فارغاً، ولكن الحقيقة تؤشر على ان امريكا انزلقت الى مستنقع الوحل العراقي، وانها لن تخرج منه الا بعد تلطيخ وجهها وسمعتها، فالمقاومة العراقية وهي في بواكيرها، وقبل ان تصبح حالة عامة استطاعت ان تبرهن لامريكا ورئيسها «الغض» ان نصراً على بغداد، كما زعم، ليس في متناول اليد، وان ثمن الغطرسة الامريكية لن يكون سهلاً.. ويوماً بعد يوم يتسع حجم المأزق الامريكي المستند بالاساس الى انعدام فهم الحالة العراقية، والجهل المطبق بكيفية التعاطي معها.

 

وما لا تخطئه العين، في مجمل المشهد، ان ثمة احساساً امريكياً متزايداً بالورطة وان صحوة عراقية بدأت تنهض.. وتتسع دوائرها، وان الايام القليلة القادمة ستدشن مشاركة قطاعات لم يسبق لها ان شاركت في المقاومة، والأهم من هذا وذاك، ان وجه المعركة بات يترسخ بأنه صراع بين مقاومة تدافع عن الكرامة واحتلال لا يكف عن انتهاك المحرمات وفرض اجندة احتلالية مرفوضة.

 

ان الايام القادمة ستثبت هل كان الامريكيون محقين وهم يستخفون ببغداد، تاريخاً وحاضراً، داراً وجواراً، أم ان بغداد الرشيد وابي حنيفة النعمان، لا تزال قادرة على مجابهة الغزاة وتلقين علوجهم درساً في الموت مثلما في الحياة؟!.