يصبح من الواضح يوماً بعد يوم، أن هذه هي
أسوأ أيام التفاوض مع "إسرائيل"، خاصة في رعاية الإدارة الأمريكية
الحالية، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق. وتستكمل عناصر السوء في إجراء المفاوضات
في مثل هذه الظروف، لأن التراجع في الأوضاع الدولية والعربية، وصل هو الآخر إلى
قعر غير مسبوق. ذلك أن الساحتين العربية والأوروبية تتميزان في هذه الأيام بحالة
تقترب من الاعتراف بالعجز العملي شبه الكامل عن الحركة الفعالة في مواجهة واشنطن
أو الوقوف بوجهها. وإذا أقدمت دولة ما على الحركة، فإنها تفعل ذلك باتجاه اتقاء شر
وضغط الإمبراطورية العظمى، ووكلائها المعتمدين، وعلى رأسهم "إسرائيل"
طبعاً.
في وضع كهذا يتحول فيه الاتجاه لاتقاء شر
الهيجان الأمريكي، كبتاً لأي فعالية وأي حيوية سياسية وأي اندفاع للمقاومة في أي
بقعة من العالم، لا يمكن لأي إقدام على أي مفاوضات أن يؤدي إلى أكثر من قبول
الإملاءات واحداً إثر آخر، باسم الواقعية تارة، ومسايرة المتغيرات تارة أخرى،
والخطوات المرحلية أو أي تسمية تبريرية من هذا القبيل.
وفي ظل أوضاع عامة كهذه، لا يمكن للمبادرة
الأمريكية باتجاه حل الصراع العربي
الإسرائيلي أن تأتي تعبيراً عن صحوة ضمير إمبراطوري، يريد إعادة ترتيب
العالم، وفقاً لقوانين وموازنات العدالة المفقودة، وإنما تعبيراً عن رغبة عارمة في
إخضاع كل المشكلات والصراعات المتأججة، لمعايير المصالح الأمريكية المباشرة
(والإسرائيلية إذا اقتضى الأمر)، الأمر الذي تبدو معه المبادرة الأمريكية سائرة في
اتجاه تصفية القضية الفلسطينية بكل ما تمثله من حق جغرافي في الأرض، وحق سياسي في
السيادة لشعب فلسطين، بل إن عناصر التسوية الأمريكية الإسرائيلية، تكاد تسحب من عرب فلسطين صفة شعب.
وليست نصوص "خريطة الطريق"
الأخيرة، ولا ممارسات "إسرائيل" في الضفة الغربية وغزة هي آخر المطاف،
وأسوأ المتوقع. فلقد أقدم مجلس النواب الإسرائيلي في منتصف شهر يوليو/تموز على
إصدار قرار بما يشبه الإجماع، ينفي صفة الاحتلال (قانونياً وتاريخياً كما جاء في
نص القرار) عن الضفة الغربية وغزة.
ولم تكن "إسرائيل" بحاجة إلى قرار
كهذا، فهي ألغت عملياً، ومنذ البداية، كل القرارات الدولية التي تعتبر وجودها في
الضفة الغربية وغزة احتلالاً، وطالما دعمتها واشنطن دعماً تاماً في ذلك، ضد كل
المواثيق الدولية وكل قرارات الأمم المتحدة.
ولو توقفنا أمام الممارسات الإسرائيلية بعد
اتفاقية أوسلو، فسنجد أن كل تحركات القوات الإسرائيلية، لم تكن في يوم من الأيام
انسحاباً من أرض محتلة، بل إعادة انتشار في أرض خاضعة لـ"إسرائيل"،
تتحرك فيها كما تشاء. هل تذكرون "المناطق ألف"، التي تسلمتها السلطة
الفلسطينية واعتبرتها الخطوة الأولى على طريق الاستقلال الوطني وإقامة الدولة
الفلسطينية؟ لقد تحولت حركة الجيش الإسرائيلي في هذه الأراضي إلى ما يشبه حركة آلة
الأكورديون، مداً وجزراً، بما ينفي أي وهم بشأن الاستقلال الفلسطيني والسيادة الفلسطينية.
وحتى الآن، لم يطرأ أي تحول فلسطيني أو عربي أو دولي، أو أمريكي، أو
"إسرائيلي"، يوحي بأن شيئاً أساسياً ما قد تغير أو تبدل في هذا السياق
بالذات.
أن يكون العرب في مثل هذه الأوضاع في حالة
عجز لا يدرون معها ما يفعلون، فهذا أمر مفهوم. وأن تكون الساحة الفلسطينية منهكة
تحت ثقل التضحيات وتردي الأوضاع الاقتصادية، وغياب الحد الأدنى من الدعم السياسي
والمادي (عربياً ودولياً)، فهذا أيضا أمر مفهوم.
أما أن يعتبر أحد أن هذا هو الظرف الأنسب
للتوقيع الفلسطيني على تسوية، فهذا لا يعدو كونه خفة سياسية مطلقة في وقت وفي موضوع
تعتبر الخفة فيهما جريمة حقيقية بحق كل الأجيال الماضية والحاضرة والقادمة.
من المؤكد أن هذه أسوأ أوقات التفاوض
والحلول. هل هو إذن وقت المقاومة العنيفة؟ ربما تضغط الظروف أيضاً ضد هذا الاتجاه.
إذن لعله يكون وقت الممانعة المدنية السلبية العميقة، التي قد تكون عاجزة الآن عن
فرض الحل المطلوب الذي يسترد كامل الحقوق أو معظمها، ولكنه قادر حتماً على منع
تمرير الصفقات المشبوهة التي تتصرف فيها "إسرائيل" بصفتها وكيلاً محلياً
للإمبراطورية الأمريكية.