بقلم :أمينة الرواجفة
مؤسف حقاً هذا «الانقلاب الانحداري» الخطير
في المكونات الشخصية لانساننا العربي في هذا العصر «الصهيوامريكي»
الصهيوني-الامريكي، الآخذ في التمدد والتسلل نحو اكثر موروثاتنا، خصوصية وعمقاً!
بل ان من يتابع اعلامنا العربي، في فضائىاتنا
الافتراضية! «يفترض انها عربية مسلمة» يشعر بحالة من الاغتراب يصاحبها غثيان مقرف،
من هذا التهالك المخزي على اعتاب الاعلام الامريكي الموجه، بل المصاغ والمفروز
كلمة كلمة، لتتحول كل كلمة فيه الى خنجر مسموم ينغرس في جذورنا وموروثاتنا «من
عادات وتقاليد» وعقيدتنا وعقولنا، وثقافتنا، قبل ان ينغرس في اجسادنا واوطاننا!
فلقد باتت الافكار والاخبار الامريكية،
والاكاذيب الملفقة في صيغة معلومات وتقارير اخبارية، هي الزاد اليومي لاعلامنا،
لدرجة لا تجرؤ اي فضائية على تذييل خبر ما، بتعليق بسيط يشكك في الخبر او يخالف ما
فيه من معلومة مسمومة!
وحتى الاصوات التي لطالما ارتفعت تستنكر
العمليات الاستشهادية الفلسطينية واللبنانية، وتعرب عن الاسى والأسف الشديد لمقتل
صهيوني مجرم هنا او هناك، انخرست، ولم تعد ترى ما يحدث لا في فلسطين ولا في العراق!!
مع انه يمكن لمن يشاهد ما يجري في احدهما ان يعرف ما يجري على التراب الآخر لأنه
الاحتلال ذاته باسلحته وافكاره واهدافه لا فرق ولا اختلاف!
انه لمن المؤسف حقاً ان يستسلم اعلامنا
العربي تماماً لهيمنة «اكاذيب الميديا الامريكية» التي خططت ومنذ سنوات طويلة
لاغتيال الشخصية العربية الاسلامية، ومحو ثقافتها، وجرها من عنقها نحو ثقافة
العولمة «الصهيوامريكية» واخضاعها لها.
واذا كانت معاول الاحتلال
«الصهيوني-الامريكي» قد احتاجت الى وقت طويل منذ طالب كيسنجر«سيئ الذكر» في محاضرة
له بجامعة بوسطن في ايلول 1972 بضرورة العمل لفتح الطريق على مسربيه امام هيمنة
الثقافة الامريكية عالمياً وعربياً، احتاجت هذه المعاول لوقت طويل، لمحاصرة العقل
العربي والثقافة العربية والعقيدة العربية الاسلامية، فانها اليوم تعمل بتسارع
عجيب وكأنها تسابق ما تخشاه، او يطاردها مجهول تخشاه، وتعلم انه في النهاية سيوقف
زحفها، ويطرد هيمنتها ويكشف فسادها وزيفها ولا يصح الا الصحيح!
فلقد كانت مخططات العدو الصهيوني-الامريكي
تعمل «مستترة» وتكتفي بزرع العديد من المثقفين والزعماء وقادة الرأي في مفاصل
الأمة، ثم يحركونهم كأحجار الشطرنج لافساد الأمة وهزيمتها ذاتياً، لكنها اليوم
كشفت عن وجهها القبيح، ولم تعد تخفي من اهدافها شيئاً، ومن يقرأ لمشاهير كتابهم
امثال ريتشارد كوهين، جيمس ماتيس، وحتى مارتن كرامر ورجل الاستخبارات الأمريكي
الشهير غراهام فولر، لا يجد صعوبة في فهم رغباتهم الواضحة ودعواتهم الصريحة لاذلال
الانسان العربي، كجزء من الصراع لقهره واجباره على الخضوع للسيد الامريكي الاوحد،
ونبذ ثقافة المقاومة، التي ارغموها على التراجع تدريجياً ابتداء من الغاء الجهاد،
وحتى يئس الكثيرون من جدوى «واعدوا لهم»! وصولاً الى مرحلة مطاردة الذات بتهمة
الارهاب، فيما تواصل امريكا و«اسرائيل» ارهابنا يومياً بعشرات الافعال والاقوال
دون ان تجرؤ اعلامنا على مجرد السؤال، او المقارنة!
لقد كان رأي ال«واشنطن بوست» صريحاً في مطلع
كانون الاول من عام 2001 عندما كتبت تحرض على ضرب العراق بقولها: «ان العرب لا
يمتثلون الا للقوة، تلك هي طبيعتهم، وانه لا خوف من نتائج اي عمل عسكري ضدهم لأن
ضرب العراق او غيره لن يحرك فيهم اية ردود افعال»!! فهل نحن كذلك حقاً؟!
قبل ايام ابتلعت جميع الفضائيات السنتها فلم
تعبر اي منها عن اسفها للطريقة التي استخدمتها واشنطن في التعامل مع نجلي صدام، بل
هللت وطبلت واذاعت الاشرطة التي لا تنتمي الى ثقافة «اذكروا محاسن موتاكم» ولو لم
يكن لهم محاسن ! «فلنقل خيراً او لنصمت»!
وحتى اولئك الذين اعتادوا الاصطفاف في
الطوابير لتقديم العزاء في انجس كلب رومي او صهيوني، وحتى الذين وجدوا العذر
لبوكاسا وسياد بري، وعيدي امين والنميري، وغيرهم وامثالهم كثير، فقد بلعوا السنتهم
ولم يسأل اي منهم عن هذا الذي يحدث في العراق وفلسطين من مبالغة في القتل
والتدمير!
ألهذه الدرجة نجح الامريكان والصهاينة في قهر
الشخصية العربية المسلمة المتميزة بالشهامة، وحسن الخلق؟! حتى بتنا نتحسر على
«باطل» ابو عنتر، قبل نخوة المعتصم! ونتمنى لو ان فيكم يا من ابتلعتم السنتكم من
يقول لا.
اذا كان سواد هذه الأمة قد اذهلته الاحداث
حتى استسلم للقهر وصدق ان الكلمة الاخيرة هي للهيمنة الامريكية، فاننا نقول: انه
رغم كل هذا الخنوع العربي المؤسف، فان الكلمة الاخيرة في هذه الأمة لن تكون
لامريكا ول«اسرائيل»، ولا لتابعتهم الانجليزية المتصابية، بل هي للذي صلح به حال
اول هذه الأمة باذن الله، ولمن لا يصدق نقول:
ستبدي لك الايام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك
بالاخبار من لم تزود