عافية الاسلام الاندلسي وجدلية التفاعل الثقافي:

مسجد قرطبة الجديد والتطير من مسلمي اسبانيا

 

 

بقلم :د.خديجة م. صفوت

 

افتتح أكبر مسجد في قرطبة آخر معاقل الاندلسيين الخميس 10/7/2003 وكانت اسبانيا قد بقيت تتحفظ علي الاسلام والمسلمين الاسبان الي وقت قريب. وقد اكتسح الاغنياء الجدد حي البيازين ـ البائسين ـ عند سفح الحمراء في غرناطة ـ فبات سكانه الاصليين من المسلمين الاسبان يعيشون كالمهاجرين او الغرباء في بلادهم. ولم يكن معظم الاسبان المسلمين اللذين بقوا في الاندلس بعد الهزيمة ـ ويسمون الماريسكو ـ نسبة الي الموريشيين اي الي احفاد المرابطين ـ يجرؤ علي الافصاح عن هويته. الا ان الاسبان ما ينفكون يثيرون قضية العنف الفاشي مسنودا باوربا الغربية وامريكا ضد ثورة الجمهوريين علي الملكية والفاشية والعصف بالاشتراكيين والشيوعيين الاسبان ويستعدون امجاد التراث الاندلسي. وبعد تخفي وتستر طويل ما ينفك الماريسكو يبحثون ويسجلون سير اسلافهم المسلمين واصولهم بفخر ويكتبون اسماء بيوتهم بالعربية فوق ابوابهم رغم أن نصرنة المسلمين الاسبان أدت الي تغيير الاسماء فصعب علي البعض العثور علي سير عائلاتهم الاولي. ويحاول معظمهم وقد بات مهتما بالاسلام بعد فرانكو اعادة السيرة العربية واستعادة حقوق المسلمين مساواة مع المسيحيين مرة اخري وقد بقوا بلا حقوق 500 عام. ورغم ان تقاليد فنون وموسيقي واسلوب وحرفة الغناء العربية حقنت التراث الشعبي الاسباني فكادت تطبعه بطابعها الا ان المسلين القراطبة وغيرهم بقوا يطالبون بحماية تراثهم وتقنين المواطنة المسلمة في اسبانيا لتصير مساهمة المسلمين كغيرهم في كافة مجالات الحياة.

ويعتبر مسجد قرطبة آية في الفن الاندلسي بوصفه علي طراز المساجد الاندلسية الشهيرة. وكانت اماكن العبادة الاندلسية رمزا للتسامح الديني فتنقش آيات قرأنية فوق جدران الكنس أو الكنيسة وتقف العذراء السمراء الوحيدة في العالم في باحة كنس في طليطلة. وفيما حولت المساجد الاندلسية الي كنائس كانت طليطلة تمثلا لقدس غربية. وكان المسلمون الاسبان ناضلوا 20 عاما لانتزاع التصريح من السلطات وفي مواجهة الاسبان الكاثوليك لبناء مسجد قرطبة حيث رفضت السلطات فكرة مسجد يؤذن 5 مرات في اليوم فيستدعي لدي اشقاء الموريسكو ـ احفاد المرابطين وحكام غرناطة ـ في البلاد العربية ـ النزوع لاستعادة الاندلس او يغوي الارهابيين الخومينيين علي اجتاح اسبانيا. ويؤكد المسلمون القراطبة ويقدرون بـ15 الف مسلم أن يستحيل قمع الثقافة الاسلامية لانها بمثابة الغريزة في اعصاب المسلم. ويستشهد بعضهم بفرويد في ان قمع الغريزية الاصلية ما يلبث ان يدفع الي استعادتها مرة اخري وتسمي استعادة الرد علي القمع. ويقول الاسبان المسلمون ان الاسلام في دمهم كالغريزة وان مناخ الحرية والديمقراطية الاسبانية رغم تحديداتهما ينبغي ان يعيدا اليهم الاسلام لانهما تتفقان مع الاسلام. فرغم بعض المبادئ التي جاء بها الاسلام منذ 14 قرن اطيح بها، الا ان الاسلام يتمأسس علي روح الحرية والشورة مما بقي الغرب ينكره من انتخاب القادة وحقوق النساء في العمل في كل مجال حتي الجيش وعزل الحاكم ان ظلم. وان الاسلام تمثل في افضل احواله في الاندلس الا ان المسيحية طاردت المسلمين الي الجدبال او خارجا واضطدتهم وطهرتهم عرقيا او ـ ونصرت بعضهم قسرا.

الاسلام الاندلسي والمسيحية الغرببة:

كان حماس انضمام بربر شمال افريقيا وراء انتشار الاسلام وتوسعه في اوربا. ففي 711 ميلادية قاد طارق بن زياد المسلمين شمالا الي شبه جزيرة ايبيريا فهزم الاسبان الفيزيجانيين ـ و يشار اليهم بالفيزيجقوطيين نسبة الي القوط والطوائف القوطية التي ظهرت في فرنسا عند تخوم اسبانيا ـ في معركة ريو بارباتي. وكانت معظم الممالك الاسبانية تقوم وتسقط بوصفها ممالك طوائف تتمأسس علي علاقات عبودية اقطاعية وكانت في حالة صراع متصل فيما بينها عندما حطت قوات طارق بن زياد علي شواطئ اسبانيا. وكان مناخ جنوب اسبانيا يناسب مسلمي شمال افريقيا فلم يكن جنوب اسبانيا سوي امتداد لشمال افريقيا عبر ممر مائي ضيق لا يفصل بينهما في شيء مما يلاحظه زوار المغرب والاندلس. ومقارنة لم تغر اوروبا الشمال غربية المسلمين بالتوسع فيها لطقسها القاسي وكانت الي ذلك متخلفة ما تبرح تعيش في وحل الوديان وفوق الجبال وبين الغابات ووثنية بتعصب عنيف. فقد استعصت بعض اجزاء اوربا مثل الجزر البريطانية علي المسيحية فبقيت تعبد الهة محلية الي جوار المسيحية حتي القرن السابع عشر والهة جزيرة ايرلندا الكلتية الي القرن الثامن عشر. وكان بعض من اعتنق المسيحية مع الغزو الروماني ارتد عن المسيحية الي ان حط المبشرون علي شواطي بعض الممالك الأوروبية في القرن السابع الميلادي.

و قد بقيت مسيحية اوروبا الشمال غربية توليفة من الوثنية و عروق من المسيحية وقد اعتنق الملوك المسيحية ومنعوا تنصير العامة والعكس. فقد كان بعض الملوك يحتفظ بعقيدته الوثنية ولا يكترث ان تنصر العامة. وأن أعتنق الملوك الوثنيين المسيحية فيما بقي العامة في الشمال الاوروبي الاقصي وثني حتي القرن الثامن عشر بقيت المسيحية الشمال غرب اوربية معزولة مقارنة مع المسيحية الشرقية وقد تأثرت الاخيرة بما حولها اذ تعرضت للتيارات الفلسفية المحلية والاتية من الهند والصين الخ. وكان السياق الذي حل فيه الاسلام في اوروبا اتسم بكمياء صراع علي السلطة والثروة بين الملوك والامراء منذ انهيارالامبراطورية الرومانية ولم ينتهي حتي وراثة نابليون بونابارت للامبراطورية الرومانية ـ الشرقية ـ المقدسة. وقد اخترقت صراعات الامبراطورية الرومانية المسيحية الغربية مفهومات السلطة فتمأسست علي الحرب وعسكرة مجتمعات يواجه حكامها بعضهم بعضا بلا انقطاع. وكانت الاندلس خليطا من المسيحيين المذكورين اعلاه والوثنيين واليهود الفارين من ولايات الامبراطورية الرومانية الغربية ابان وخلال انهيارها النهائي. وكان الفيزيجقوطيون هزموا قوات الاحتلال الروماني لاسبانيا باكرا فتكرس لديهم احساسا بالامتياز مرة وتعمقت عسكرتهم وتشعيبهم بين الطوائف المسيحية الاخري.

وقد الف الفيزيجقوطيون ـ او القوط ـ طائفة اسبانية مسيحية عنصرية تتعالي علي عامة الاسبان فلم تؤمن الطائفة المذكورة ـ وتعتقد في امتياز الجنس الاري-بالثالوث المقدس فرفضت الثالوث المقدس والايمان بان المسيح ابن الرب فجعلت المسيح ملكا مقاتلا مثلما فعلت نظائرها الانجلوساكسونية. وقد نشأت القوطية في فرنسا في القرن الثاني عشر ويشير تعريفها بالقوطية الي الميل الي البربرية والعنف والطغيان. واذ كانت طائفة المسيحيين الآريين تلك ذات طبيعة عسكرية مقاتلة اسقطت خصوصيتها الثقافية علي المسيحية وتفسير ظاهرة المسيح فلم يعد مسيحها ابن الرب المخلص المسالم بل بات ملكا مقاتلا. رغم ان الوثنية كانت قد تغلغلت فاستقرت في العقيدة المسيحية الاسبانية الجديدة الا ان كل ملك اسباني حمل ـ كغيره من ملوك اوربا الشمال غربية ـ سيفه علي غيره مشعلا صليبية عليه لينصر في صليبيات لم تنقطع. وكان وليام الفاتح اعلن صليبية في 1066 علي البابوية في روما مثلا واعلن ملوك الكاثوليك صليبية علي الملوك الوثنيين كما اعلن الكاثوليك صليببيات علي البروتستانت وتعلن البروتستانتية الافانجلية الامريكية المتطرفة صليبيات علي ما عدها وهكذا. وكانت المسيحية الاسبانية انشغلت بصراع الطوائف المختلفة حيث انتشر القتال بين ما لا يقل عن 12 طائفة وقد انعدم التكافل بينها في افضل الشروط.

وقد واجهت الكاثوليكية الغربية اليهودية واليهود منذ القرن الثامن وصولا الي القرن الحادي فالثاني عشر بعنف فقد اتسمت علاقات وحدود تعايش اليهود الاسبان والفيزيجقوطيين ـ القوط ـ في اسبانيا بالتوتر المتصل. ومقارنة تكيفت الاديان الثلاثة في الاندلس بالحوار الفلسفي وعبر التكييف عن نفسه في طقوس وشعائر الاديان الثلاثة اذ تجاورت وتكافلت مجتمعة. وكانت اللغة الارامية لغة الثقافة العالمية وهي تنويعة باكرة علي العربية السامية الحديثة فيما كانت اليونانية بدورها تنويعة علي الارامية وبالعبرية الحدثية وما تزال اثار من ملامح الارامية فالعربية في اليونانية واللاتينية حتي اليوم. وقد تحدرت تلك الاثار الي اللغات الاوربية الشمال والجنوب اوربية بتفاوت فيما يتضح ذلك الاثر في الايطالية والاسبانية والبرتغالية في المقياس المدرج. ويؤكد المؤرخ الكورسيكي بيير روسي Pierre Roi نسبة اليونانية واللاتينية للارامية القديمة فالعربية2. ولعل ذلك يكشف أحبولة انقاذ الاندلس للفلسفة اليونانية بترجمتها الي العربية فردها الي اوربا بوصف ان ذلك الادعاء ليس سوي تخرصات فتكت بالتاريخ الحقيقي للاندلس وانكرت فضل التراث العربي العظيم علي الحضارة ـ الثقافة ـ الغربية.

 

 

ہ كاتبة من السودان تقيم في بريطانيا

 

1 انظر(ي) www. bbc. Co, uk/ Beyond The Fisth

2 انظر(ي) Piere Roi:1976: La Cite D,Isis:Histoire Vraie Des Arabes:Nouvelles Editions Latines:Paris :