جدار برلين الاسرائيلي وتسويق الأوهام

 

 

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

كان من الممكن ان يكون مفهوماً عقلا ما يتكبده حكام اسرائيل من مشاق وينفقون من اموال طائلة (لم يكسبوها من الحلال) في بناء ما يسمونه بالسور العازل الذي يطمعون ان يحميهم من يأجوج ومأجوج فلسطين، كان يمكن ان يكون مفهوماً لو ان بناء هذا السور تم بعد رحيل الاسرائيليين من الاراضي المحتلة. اما وهم لا يزمعون رحيلاً، بل هم في حالة توسع مستمر وتمدد داخل الأراضي الفلسطينية بمستعمراتهم وجنودهم، فمن يحمي هؤلاء؟ بل ومن يحمي السور نفسه؟

المقاومة للاحتلال لا تحتاج هدفا لها اكثر من جنود الاحتلال. وما دام هؤلاء موجودين فبناء الاسوار والتحصينات لن يكون عائقاً أمام عمليات المقاومة. ولا شك ان بناء السور نفسه ليس وسيلة لفك الاشتباك مع الفلسطينيين، بل هو بالعكس، مزيد من التورط في الاشتباك، لأن بناء السور وحده لا يكفي لخلق سجن كما هو معروف. فالسجون لا تتكون من اسوار فقط، بل لا بد من حراس وابراج وانظمة وقواعد وتفتيش وزنازين الخ. ومن الواضح ان من اختاروا بناء السور يعبرون عن عزيمة لتحويل جزء من ارض فلسطين لسجن كبير لمن بقي من أهلها. وهذا بدوره يعني انهم سيكونون اسري هذا السجن الذي يحتاجونه للقيام عليه ليل نهار.

بناء الاسوار وتحويل الأوطان الي سجون هو، كما تكشف تجربة سور برلين وسجون المعسكر الشرقي السابق، تعبير عن فشل كبير في خلق بيئة حياة طبيعية. وهذا التحصن بالأسوار بطبيعته اجراء مؤقت، حيث لا يمكن حبس الروح الانسانية الي الأبد، ولهذا كان من الطبيعي ان تنهار الأنظمة التي ربطت وجودها بوجود هذه السجون.

مع انهيار سور برلين والاسوار الاخري شهدنا ظاهرة مقابلة، تتمثل في قيام اسوار جديدة، مثل السور الذي يفصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، او المغرب والمستعمرات الاسبانية في سبتة ومليلة، والآن سور اسرائيل العظيم . هذه الاسوار تختلف عن الاولي بأن اصحابها يريدون حبس الناس خارجها، لا داخلها، فهي اسوار طاردة لا حابسة. ولكن في النهاية ان المبدأ هو نفسه، حيث ان السجان هنا هو في نفس الوقت حبيس سجنه، والاسوار تورطه مع المعتقل او المطرود اكثر مما تعزله عنه. وتتميز هذه الحالة ايضاً بنفس الدرجة من الشذوذ وعدم القابلية للاستمرار.

في الحالة الامريكية ايضا يتقوقع القوم وراء جدران حقيقية وخيالية من الاسلاك والقوانين وكل الوان الحظر والقيود، بينما في أوروبا هناك اتجاه لخلق ما يسمي اوروبا القلعة التي تحيط نفسها بسياج يصد عنها الفقراء والمعدمين المتزاحمين علي ابوابها المغلقة. ولكن نفس هذه القوي المسكونة بالرعب والتوجس من كل ما هو اجنبي تبشر في نفس الوقت بالعولمة وسقوط الاسوار والحدود، وبالتجارة الحرة، وايضا بالتوسع الامبريالي الذي لم يعد يخجل من اسمه. فنحن كما يقول اليساري السابق (وما أكثرهم هذه الايام) مايكل اغناتييف: نعيش عصر الامبريالية خالية الدسم ، تلك التي تنشر الخير والرفاه والديمقراطية، ولا تعتمد النهب شأن سابقاتها، وان فعلت ففي حدود المعقول.

وعليه نري القوم يعمدون في نفس الوقت الي ارسال جنودهم وتجارهم وجواسيسهم وموظفي الاغاثة وغيرهم من جنود الامبريالية الي كل صقع من أصقاع الدنيا. ويذكر هذا بشأنهم أيام استعمار افريقيا حين كانوا يبنون القلاع علي السواحل ثم يرسلون منها الجنود والتجار وصائدي العبيد لنشر الدمار والحضارة في ادغال القارة المظلمة . وكما نعرف فان آخر هذه القلاع، وهي نظامهم العنصري في جنوب افريقيا، قد انهارت انهيارا له دوي بعد ان اجتهدت في تحصين نفسها بأسوار وسجون سميت البانتوستانات، والتي يراها شارون نموذجه المحتذي لما يسمي بالدولة الفلسطينية المرتقبة.

انهيار الاسوار والبانتوستانات والسجون المزدوجة هو امر حتمي، لأن روح الانسان تتوق الي الحرية ولا تقبل العبودية، وايضا بسبب التناقضات الذاتية لأنظمة وحركات ترتجف ذعراً من كل ناعق، وتتبجح في نفس الوقت بغطرسة القوة وتدعو لنشر نفوذها في كل مكان. وكما تكشف تجربة جدار برلين وجنوب افريقيا، فان الاسوار لا تحقق الأمن. الترتيبات التوافقية القائمة علي العدل والاحسان وحدها هي التي تحقق ذلك، والا فما قيمة الاسوار والحصون وان ترسل ابناءك ليواجهوا الكراهية والموت في كل مكان، وكل يوم؟