جدار مناف للطبيعة

 

 

 

بقلم : عطا القيمري

 

يرتفع في الوعي الفلسطيني علي نحو متزايد الإدراك لمدي خطورة الجدار الذي تبنيه اسرائيل في أراضي الضفة الغربية بدعوي الحماية الامنية، فيما هو في الواقع خطوة منفردة لتقرير مصير هذه المناطق علي مسافة غاية البعد عما يمكن ان يشكل بداية استقلال وطني قابل للحياة. ومع ذلك فان المعارضة الفلسطينية للجدار لا تنحصر في الاضرار العملية التي يحدثها الجدار في مساراته المغرضة بحق الاستقلال الفلسطيني والضارة بجودة حياة الشعب الفلسطيني وحسب بل تتجاوز ذلك الي المعارضة المبدئية لكل جدار يضرب بين اسرائيل والضفة حتي لو كان علي الخط الاخضر ذاته. فلماذا؟

للجواب علي هذا السؤال لا بد أولا من العودة الي نشأة الامور. فقد برزت فكرة الفصل أساسا كاجراء سياسي تتخذه اسرائيل لتحل من خلاله أزمة فشلها في التوصل الي تسوية سياسية مقبولة علي الطرفين يصار فيها الي اقامة كيانين مستقلين يعبران عن طموحين وطنيين مختلفين من جهة، وتضمن من خلاله فصلا أمنيا للمناطق المحتلة وسكانها عن المراكز السكانية لاسرائيل. وقد تطورت الفكرة عن الاجراء الامني الذي لا يزال يسمي اغلاقا أمنيا يفرض علي المناطق في حالات التأهب الامني، واحيانا لمجرد السماح للجمهور الاسرائيلي بالتمتع في اثناء الاعياد دون الاقلاق الامني لمناطق مفتوحة مع اسرائيل.

وافترض اليسار الاسرائيلي الذي هو الاب الروحي لفكرة الانفصال عن المناطق، لاعتبارات النقاء الديمغرافي لاسرائيل اساسا، ولحل الاشكالية الاخلاقية في السيطرة علي شعب آخر دون منحه حقوقه الاساسية مما يطعن بشقي الادعاء باسرائيل كدولة ديمقراطية ويهودية في آن واحد. وافترض هذا اليسار أن يقام خط الفصل، قبل ان يكون جدار الفصل، علي الخط الاخضر الي هذا الحد او ذاك. وبهذا الشكل فقد كان من الطبيعي جدا ان يتصدي اليمين للفكرة اذ انها تتعارض وبنيته الايديولوجية القائمة علي أساس ارض اسرائيل الكبري من البحر الي النهر، مع مراعاة التباين العرقي فيها من خلال ما ابتدعه زعيم اليمين الروحي زئيف جابوتنسكي ومواصل دربه السياسي مناحيم بيغن من فكرة الحكم الذاتي الاداري للفلسطينيين.

غير أن اوسلو، التي رغم انها وسعت هذا الحكم الذاتي الي اطار هو شبه كيان سياسي مستقل، او لديه القدرة علي التطلع الي هذا الاستقلال، مما يضرب رؤيا اليمين الاسرائيلي في ارض اسرائيل الكاملة، الا انها فتحت المجال لصراع علي الارض بين الطرفين يقتطع فيه منها كل منهما قدر ما يجنده من القوي لصالحه. فالكيان المستقل حسب هذا نظام اوسلو الفكري لا يفترض ان يقوم علي الخط الاخضر كونه ترك المسائل الكبري موضع الخلاف، كالحدود والمستوطنات والقدس والسيادة مفتوحة.

واذ جاءت الانتفاضة إثر الخلاف علي هذه القضايا الكبري، فبدلت السلطة في اسرائيل من حكومة يسار تتبني الانفصال الي حكومة يمين ترفض التخلي عن ذخائرها في المناطق، فقد عادت الازمة مجددا الي صدر المواجهة. ووقف اليمين الاسرائيلي ليس فقط امام معضلة التزامه بالقضاء علي الانتفاضة، بل وامام معضلة تضارب الواقع السياسي الذي نشأ عن اوسلو وفكرته الايديولوجية الأساس.

في البداية عمد شارون، الي عرقلة جدار الفصل، ولكنه مع الوقت تبين له ان في هذا الجدار بالذات يكمن الحل للمعضلتين في آن واحد. فهو اذا ما ضرب غربي الخط الاخضر وشمل الكتل الاستيطانية، والمواقع الاستراتيجية في آن واحد، فانه لا يحل فقط معضلة الامن بل ويبقي علي الفكرة الايديولوجية بمجملها مع التظاهر بعدم المساس بالمقتضيات السياسية التي انتجها واقع اوسلو.

وفي الحقيقة ليس أفضل من شارون في ايجاد مثل هذا الحل الابداعي الذي يوفق بين الايديولوجيا والواقع. فهو في الاصل من بواقي حركة مباي التاريخية، وأب الاستيطان الروحي والعملي، وكذا زعيم الليكود بايديولوجيته الاقليمية الشمولية.

وعليه ففي الواقع السياسي الراهن لم يعد هناك وجود لفكرة الجدار الفاصل علي الخط الاخضر بحيث نكون نحن هنا وهم هناك علي حد تعبير رئيس الوزراء السابق ايهود براك، بحيث يمكن للفلسطينيين ان يسمحوا لانفسهم بالموافقة عليه اذ يمنحهم عمليا النطاق الجغرافي الذي يدعونه اقليما مرشحا لكيانهم السياسي العتيد.

ولما كان الموجود هو فقط الجدار الذي يشمل المستوطنات ويقتطع الاراضي ويدمر البيئة ويعزل الناس في المناطق عن بعضهم البعض، المدن عن بعضها والقري عن المدن، والمزارعين عن أراضيهم فيما يشبه محميات العزل العنصرية، ويمنع كل امكانية لنشوء كيان سياسي متواصل قابل للحياة في هذه الارض، فان المعارضة الفلسطينية للجدار هي معارضة مطلقة غير قابلة للمساومة.

ان خط الفصل القائم علي الخط الاخضر هو افتراض غير وارد علي الاطلاق في ظل الواقع السياسي الراهن. وبالتالي فان مقاومة خط الفصل تغدو مبدئية غير قابلة للمساومة. فكل مساومة في هذا الشأن ستبعد خط الفصل عن الخط الاخضر لتصل الي ذات نتيجة منع الكيان السياسي الفلسطيني المستقل والقابل للحياة في كل الاحوال.

ومع ذلك، فأغلب ظني ان هناك عاملا نفسيا، رمزيا، شبه اسطوري، غامضا وعميقا، وراء الرفض الفلسطيني واحيانا الاسرائيلي لضرب حدود مصطنعة مدمرة ومنافية للطبيعة في قلب هذا الوطن غير قابل للقسمة او الاقتسام. فالخط الاخضر ذاته ليس حدودا طبيعية، وهو بحد ذاته خط هدنة سرعان ما تحطمت في المنظور التاريخي للصراع.

ولعل في الصراع علي جدار الفصل تكمن بذور الحل الذي يتجاوز منطق البتر والفصل والتجزئة اللا انساني.